![]() |
لعنة الدفء’فخ مموه بالحنان’
لم يكن المساء عاديًا تلك الليلة كان يهبط ببطء كقطعة قماش سوداء تغطي العالم رويدًا رويدًا حتى بدا كل شيء ساكنًا إلا أنفاس الريح المتسللة من شقوق النوافذ في طرف البلدة القديمة- حيث تصمت الأرصفة وتشيخ الحكايات كان هناك منزل صغير يختبئ بين أشجار الورد اليابسة كأنه يستحي من الزمن. منزل كلاسيكي الطراز- ذو جدران بيضاء تشوبها لمسات صفراء من تقادم الدهر كل شيء فيه كزهرة سامة تختبئ وراء عطرها الفاتن أرضية خشبية داكنة تصدر أنينًا دافئًا مع كل خطوة- وأثاثه ناعم الطابع مكسو بأقمشة مخملية بلون العنبر كرسي بذراعين عريضة يغرق الجسد في أحضانه وسجاد فارسي ثقيل يمتص الأصوات حتى همسات النفس الموقد الحجري لا يكف عن همهمة النار في جوفه تبعث دفئًا يلف كل زاوية- دفئًا يكاد يكون حسيًا كلمسة كف حانية تتدلى من السقف ثريا كريستالية بضوئها الخافت يتكسر على الجدران مثل نجوم هائمة ونوافذه المقوسة تطل على حديقة برية لم تلمسها يد بستاني وفي صدر الجدار المقابل للموقد- لوحة ضخمة غريبة حد القلق- تتربع كحاكم متوج على مملكة صغيرة إطارها من الخشب الذهبي المزخرف الفاخر لا يليق بملامحها المشوشة التي تحبس ما بداخله أكثر مما تظهره مزيجًا من الألوان الرمادية الموحلة لا شكل فيها واضح- كأنها ترسم شيئًا يتحرك أو سحب عالقة لا يراد لها أن تكتمل أحيانًا تراها ضبابًا- أو ملامح وجه غارق في الوحل وأحيانًا مجرد دوامة من صمت يوشك أن ينفجر ’لكن أكثر ما يربك هو الإحساس بأنها تحدق بك تشعر من أي زاوية نظرت إليها وكأنها تعلم أنك هنا’ تلك الخطوط والعوالق اللونية تتشكل لتعكس هواجسها الدفينة. لم تكن تبحث عن ملاذ من العالم- بل عن عالم تكون فيه ملاذًا لنفسها لذلك استأجرت ذلك المنزل الصغير رأت في سكونه مبتغاها والمساحة التي تليق بصوت أفكارها منزل يخفي خلف دفئه سرًا لا يروى تظنه الملاذ- فإذا هو فخ لروحها ومحراب تصلي فيه صرخاتها. كانت “ربى” فتاة هادئة الملامح- شاعرية الروح تحب التفاصيل الصغيرة التي لا يراها سواها صوت الشمع حين يذوب- رائحة الخشب العتيق وموسيقى المطر حين يلامس الزجاج جاءت إلى هذا المنزل بحثًا عن عزلة ترمم بها ذاكرة أرهقها الحنين لم تكن تعلم أن هذا السكون- الذي ظنته ملاذًا سيغدو ممرًا إلى عالم آخر- ومعقل روحها. في الليلة الأولى- لم يلفت انتباهها شيء سوى دفء المكان بدأ الأمر بلمحات من طرف العين كانت ترى، أثناء قراءتها- حركة في اللوحة كأن المشهد المشوش قد انتفض للحظة لكن حين همت بالنوم- سمعت همهمة خافتة وكأنها تتسرب من داخل اللوحة نفسها- الغريب أن هذه الهمسات لم تكن مرعبة في بدايتها بل كانت مريحة كأنما المنزل يحاول أن يروي حكايته ظنت أنها أوهام الوحدة- غير أن اللوحة بدت في الصباح مختلفة قليلًا بدأت تتحول إلى قشعريرة تشعر فيها بوحشة قاتلة لون إضافي ظهر في أطرافها لم يكن هناك البارحة ورائحة البخور التي تعشقها تتحول فجأة إلى رائحة تراب رطب النار في الموقد تزداد اشتعالًا بينما ينتابها برد ينخر عظامها. وفي الليلة التالية- سمعت خربشات خفيفة قادمة من اتجاهها- تبعتها همسات متقطعة تشبه نداءً بعيدًا تكرر الأمر ليلًا بعد آخر- حتى صار النوم رفاهية لا تملكها بدأت تشعر أن شيئًا يتحرك في زوايا البيت كلما أطفئت الأنوار وأن عيونًا تترصدها من داخل الإطار أدركت’’ربى’’ أن اللوحة لا تعكس مشاعرها- بل تبتلعها وكيان جائع يتغذى على وجودها حاولت إزالة اللوحة- لكن يدها كانت تتجمد كلما اقتربت من إطارها جربت إخفاءها بستارة ثقيلة- لتجد الستارة ملقاة على الأرض في الصباح واللوحة أكثر وضوحًا من ذي قبل كانت المقاومة الجسدية عديمة الجدوى فاتجهت إلى المقاومة بالسبر والغوص جلست أمام اللوحة وأغمضت عينيها في محاولة أن تسمع ما تريد قوله كأنما أرسلت روحها في رحلة إلى داخل ذلك العالم الضبابي تواجه ذاك الكيان الموحش الذي يتربص بها. وحين اقتربت من اللوحة لاحظت انعكاسها فيها لكنه لم يكن يتطابق مع حركتها- ابتسمت صورتها قبلها بثوان صرخت ’ربى’ ارتدت إلى الوراء- فاصطدمت بالمدفأة وسقطت الشمعة أرضًا وعندما التفتت- كانت صورتها قد خرجت من اللوحة تبتسم بذات ملامحها ولكن بعينين سوداويتين كقعر بئر حاولت ’’ربى’’ أن تمسك بشيء لتضربها لكن الهواء تجمد من حولها وكأن البيت نفسه يختنق بدأت الجدران تصدر صريرًا والستائر تتحرك دون ريح قالت النسخة المظلمة بصوت يشبهها "كنتِ تبحثين عن ذاتك في العزلة- وها أنا ذاتك التي أنكرتها جئت لأعيش بدلًا منك" تراجعت ’’ربى’’ حتى التصق ظهرها بالجدار ثم همست بارتعاش "لستُ أنتِ!" لكن الظل اقترب- وامتدت يده نحوها كضباب ثقيل فصرخت وهي تلمس الإطار محاولة تمزيق اللوحة اندلع نور هائل تبعه سكون مفاجئ- وكسطح ماء بارد غرقت يدها فيه ثم ذراعها ثم كله الدفء الذي غمرها في تلك اللحظة كان أعمق وأكثر من أي دفءٍ عرفته في حياتها. ولوحة جديدة تظهر امرأة تبتسم بملامح ’’ربى’’ تمامًا. حين جاء صاحب المنزل بعد أسابيع وجد كل شيء كما هو إلا اللوحة- التي أصبحت أكثر وضوحًا كانت تظهر فتاة جالسة قرب المدفأة تنظر إلى المتفرج بعينين يملؤهما رجاء غريب كأنها ترجوه أن يخرجها من هناك. أما البيت الصغير في طرف البلدة- فما زال يضيء ليلاً من تلقاء نفسه كأن أحدهم هناك ما زال يشعل فيه الشموع. ’’’’’’’’’’’’’’’’’ العبرة- كل ما في الأمر- أن الدفء حين يفيض عن حده يصبح لعنة. من سرد خيال ’ديباجة’ حيث يبتسم الخوف- وتنبض الحكاية بين أصابع الضوء والعتمة. |
https://up.d3y-b.com/do.php?img=4515
لم تكن حكاية ربى عن بيت مسكون بل عن روح انهكها الفرار من نفسها ظنت ان العزلة ستمنحها سلاماً فإذا بها تواجه ظلها الاعمق في مرآة من طين والوان اللوحة لم تكن سوى انعكاس لداخلها لصوت خافت حاولت اسكاته طويلاً فحين تهرب من ضجيج العالم لتبحث عن دفء يرممك قد تكتشف ان ما تهرب منه يسكنك فالسكوت الطويل والدفء الزائد والعزلة الجميله قد تتحول الى مرآة تكشف الهاويه التي فينا #ديباجة قصة مكتوب بعنايه وكأنها مشهد سينمائي مظلم يتصاعد بهدوء حتى يبلغ ذروته المرعبه سلم الفكر والبنان لك كل جميل مع الختم والرفع ونجومي ****** والاضافة + :241: .. |
-
يي آهللن بـ كاتبتنا القديرة ماشاءالله ع ججمال قلمك وسردك الأجمممل أستمتعت بـ قراءتي يعطيك العافية يسلم هاليدين يسعدك :241: |
قصة مرعبة لربى
عشنا تفاصليها معك أستاذة ديباجة كانت تفاصيل تحمل في طياتها رسايل عديدة ولكني ما ادهشني صمود ربى رغم كل هذه الاحداث المرعبة ؟ / كنتِ رائعة استاذة شكراً لروعة السرد والطريقة الغير مملة يعطيك العافية ننتظر جديدك المخيف ههههههه لروحك الورد :239: |
سرد موفق
يسلمو على هذه القصة الرائعة كانت ربى تعاني من وجع داخلي حتى العزله لم تكن علاجاً انه انهيار فاق بعد الاختلا بالروح وسلمت يمناك المخمليه ل لعزفها المميز جزيل الشكر لجهودك الرائعة واتحافنا بهذا الحد |
قصة آسرة تأخذ القارئ من دفء التفاصيل إلى برودة الرعب
بخطوات ناعمة ومدروسة السرد متقن واللغة غنية بالعاطفة والصور حتى يتحول البيت إلى كائن حي يتنفس الخوف والجمال معًا ماشاء الله عليك ديباجة تمتلكين قدرة نادرة على جعل الحكاية تنبض بالحياة لغتك أنيقة وسردك عميق كمرآة تعكس الروح قبل أن تبتلعها براعة تستحق الإعجاب والتصفيق :ff1 (68): |
..
.. ديباجه توأم الروح والحرف ما أروع هذا السرد الذي يأخذنا من عتبة الواقع إلى أعماق الغيب بخفة ريشة ودهاء قلم “لعنة الدفء” طُقس من الغموض المقدّس تُضاء فيه الروح بوهجٍ يخيف ويُفتن في آنٍ واحد منذ الجملة الأولى تجرّنا إلى الداخل إلى بيتٍ يختبئ بين الورود اليابسة كأنه ذاكرة تحاول النجاة من النسيان تمنحين للأشياء أرواحًا وللأماكن ذاكرة، وللصمت لغةً مهيبة كل تفصيل في القصه من أنين الأرضية إلى الهمس المتسرب من اللوحة كان نابضًا بالحياة حتى شعرنا أن الدفء ذاته يتنفس… ثم يخنق ربى… لم تكن بطلة عادية بل مرآة للإنسان حين يظن أنه يهرب إلى السكون فيكتشف أن العزلة ليست نجاةً بل بوابة لذاتٍ أخرى كانت تنتظر في الظل ذلك المشهد حين خرجت صورتها من اللوحة كان ذروة جمالية مروّعة يجعلنا نرى الجنون كفنّ والخوف كمرآة الدفء حين يفيض عن حده يصبح لعنة جاءت كخاتمة منقوشة بالنار تلخّص فلسفة النص كلها: أن كل ما يُغري بالسكينة قد يبتلعنا إن بالغنا في الركون إليه إبداعك يا ديباجة ليس في القصة فقط بل في قدرتك على جعل الخوف جميلاً والحنان قاتلاً، والدفء فخًا من حرير سردٌ يليق بأن يُقرأ مرتين مرة بالعقل ومرة بالروح التي ترتجف في حضرة الجمال المرعب ديباجه حبيبة قلبي دمتِ وهجًا في سماء الأدب وسطرًا فخمًا في ذاكرة المنتدى تكتبين بخيوط من ضوء وتتركيننا نغرق في لعنة الجمال الذي لا يُشفى منه أحد ا https://up.d3y-b.com/do.php?img=2482 |
لقد أخذتنا بين زوايا هذا المنزل الصغير،
حيث كل جدار، وكل خشبة أرضية، تتنفس أسرارها الخاصة، وحيث الصمت ثقيلٌ كالرصاص، والظل لا يختفي بل يترصّد في كل زاوية. رسمتِ صورة (ربى) وهي تواجه ذاتها في اللوحة، تواجه الظل الذي أصبح أكثر من مجرد انعكاس، حيث يتحوّل الدفء إلى وحش، والحنين إلى لعنة، والعزلة تصبح مواجهة لا مفرّ منها، صرخة صامتة للروح. لقد جعلتِ من اللوحة قلب المنزل، كيانًا حيًّا يبتلع، يعيد تشكيل المشاعر، ويحوّل المألوف إلى غريب، وأظهرتِ كيف يصبح البحث عن السلام مرآة لمعرفة الذات، وعن عمق الظل، وعن الوجع الذي لا يُنسى. هذا أكثر من سرد، إنه رحلة حسيّة ونفسية، يعلّمنا أن الأماكن قد تحمل أرواحًا، وأن الصمت والدفء والحياة اليومية أحيانًا تختبئ خلفها عوالم أخرى، عوالم من الغموض، والرهبة، وتكتشف أن الظل والحنين، وكل ما يختبئ بين الصمت والدفء، هم جزء من روحها التي لا تهدأ إلا حين تواجه نفسها حقًا |
| الساعة الآن 09:27 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir