عرض مشاركة واحدة
#1  
قديم 10-29-2025, 12:15 PM
ديباجة غير متواجد حالياً
Awards Showcase
 
 عضويتي » 120
 جيت فيذا » Oct 2025
 آخر حضور » 12-28-2025 (08:05 PM)
آبدآعاتي » 58,729
 حاليآ في »
دولتي الحبيبه »
جنسي  »
 التقييم » ديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond reputeديباجة has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 1336
الاعجابات المُرسلة » 824
تم شكري » » 630
شكرت » 382
 آوسِمتي »
 
افتراضي لعنة الدفء’فخ مموه بالحنان’












لم يكن المساء عاديًا تلك الليلة
كان يهبط ببطء كقطعة قماش سوداء تغطي العالم رويدًا رويدًا
حتى بدا كل شيء ساكنًا إلا أنفاس الريح المتسللة من شقوق النوافذ
في طرف البلدة القديمة- حيث تصمت الأرصفة وتشيخ الحكايات
كان هناك منزل صغير يختبئ بين أشجار الورد اليابسة كأنه يستحي من الزمن.

منزل كلاسيكي الطراز- ذو جدران بيضاء تشوبها لمسات صفراء من تقادم الدهر
كل شيء فيه كزهرة سامة تختبئ وراء عطرها الفاتن
أرضية خشبية داكنة تصدر أنينًا دافئًا مع كل خطوة- وأثاثه ناعم الطابع
مكسو بأقمشة مخملية بلون العنبر
كرسي بذراعين عريضة يغرق الجسد في أحضانه
وسجاد فارسي ثقيل يمتص الأصوات حتى همسات النفس
الموقد الحجري لا يكف عن همهمة النار في جوفه
تبعث دفئًا يلف كل زاوية- دفئًا يكاد يكون حسيًا كلمسة كف حانية
تتدلى من السقف ثريا كريستالية بضوئها الخافت
يتكسر على الجدران مثل نجوم هائمة
ونوافذه المقوسة تطل على حديقة برية لم تلمسها يد بستاني
وفي صدر الجدار المقابل للموقد- لوحة ضخمة
غريبة حد القلق- تتربع كحاكم متوج على مملكة صغيرة
إطارها من الخشب الذهبي المزخرف الفاخر
لا يليق بملامحها المشوشة التي تحبس ما بداخله أكثر مما تظهره
مزيجًا من الألوان الرمادية الموحلة
لا شكل فيها واضح- كأنها ترسم شيئًا يتحرك أو سحب عالقة لا يراد لها أن تكتمل
أحيانًا تراها ضبابًا- أو ملامح وجه غارق في الوحل
وأحيانًا مجرد دوامة من صمت يوشك أن ينفجر
لكن أكثر ما يربك هو الإحساس بأنها تحدق بك تشعر من أي زاوية نظرت إليها
وكأنها تعلم أنك هنا
تلك الخطوط والعوالق اللونية تتشكل لتعكس هواجسها الدفينة.

لم تكن تبحث عن ملاذ من العالم- بل عن عالم تكون فيه ملاذًا لنفسها
لذلك استأجرت ذلك المنزل الصغير رأت في سكونه مبتغاها
والمساحة التي تليق بصوت أفكارها
منزل يخفي خلف دفئه سرًا لا يروى
تظنه الملاذ- فإذا هو فخ لروحها ومحراب تصلي فيه صرخاتها.

كانت “ربى” فتاة هادئة الملامح- شاعرية الروح
تحب التفاصيل الصغيرة التي لا يراها سواها
صوت الشمع حين يذوب- رائحة الخشب العتيق وموسيقى المطر حين يلامس الزجاج
جاءت إلى هذا المنزل بحثًا عن عزلة ترمم بها ذاكرة أرهقها الحنين
لم تكن تعلم أن هذا السكون- الذي ظنته ملاذًا سيغدو
ممرًا إلى عالم آخر- ومعقل روحها.

في الليلة الأولى-
لم يلفت انتباهها شيء سوى دفء المكان
بدأ الأمر بلمحات من طرف العين
كانت ترى، أثناء قراءتها- حركة في اللوحة كأن المشهد المشوش قد انتفض للحظة
لكن حين همت بالنوم- سمعت همهمة خافتة
وكأنها تتسرب من داخل اللوحة نفسها- الغريب أن هذه الهمسات
لم تكن مرعبة في بدايتها بل كانت مريحة
كأنما المنزل يحاول أن يروي حكايته
ظنت أنها أوهام الوحدة- غير أن اللوحة بدت في الصباح مختلفة قليلًا
بدأت تتحول إلى قشعريرة تشعر فيها بوحشة قاتلة
لون إضافي ظهر في أطرافها لم يكن هناك البارحة
ورائحة البخور التي تعشقها تتحول فجأة إلى رائحة تراب رطب
النار في الموقد تزداد اشتعالًا بينما ينتابها برد ينخر عظامها.

وفي الليلة التالية-
سمعت خربشات خفيفة قادمة من اتجاهها- تبعتها همسات متقطعة تشبه نداءً بعيدًا
تكرر الأمر ليلًا بعد آخر- حتى صار النوم رفاهية لا تملكها
بدأت تشعر أن شيئًا يتحرك في زوايا البيت كلما أطفئت الأنوار
وأن عيونًا تترصدها من داخل الإطار
أدركت’’ربى’’ أن اللوحة لا تعكس مشاعرها- بل تبتلعها
وكيان جائع يتغذى على وجودها
حاولت إزالة اللوحة- لكن يدها كانت تتجمد كلما اقتربت من إطارها
جربت إخفاءها بستارة ثقيلة- لتجد الستارة ملقاة على الأرض في الصباح
واللوحة أكثر وضوحًا من ذي قبل
كانت المقاومة الجسدية عديمة الجدوى فاتجهت إلى المقاومة بالسبر والغوص
جلست أمام اللوحة وأغمضت عينيها في محاولة أن تسمع ما تريد قوله
كأنما أرسلت روحها في رحلة إلى داخل ذلك العالم الضبابي
تواجه ذاك الكيان الموحش الذي يتربص بها.

وحين اقتربت من اللوحة لاحظت انعكاسها فيها
لكنه لم يكن يتطابق مع حركتها- ابتسمت صورتها قبلها بثوان
صرخت ’ربى
ارتدت إلى الوراء- فاصطدمت بالمدفأة وسقطت الشمعة أرضًا
وعندما التفتت- كانت صورتها قد خرجت من اللوحة
تبتسم بذات ملامحها ولكن بعينين سوداويتين كقعر بئر
حاولت ’’ربى’’ أن تمسك بشيء لتضربها
لكن الهواء تجمد من حولها وكأن البيت نفسه يختنق
بدأت الجدران تصدر صريرًا والستائر تتحرك دون ريح
قالت النسخة المظلمة بصوت يشبهها
"كنتِ تبحثين عن ذاتك في العزلة- وها أنا ذاتك التي أنكرتها جئت لأعيش بدلًا منك"
تراجعت ’’ربى’’ حتى التصق ظهرها بالجدار ثم همست بارتعاش
"لستُ أنتِ!"
لكن الظل اقترب- وامتدت يده نحوها كضباب ثقيل
فصرخت وهي تلمس الإطار محاولة تمزيق اللوحة
اندلع نور هائل تبعه سكون مفاجئ- وكسطح ماء بارد
غرقت يدها فيه ثم ذراعها ثم كله
الدفء الذي غمرها في تلك اللحظة كان أعمق
وأكثر من أي دفءٍ عرفته في حياتها.

ولوحة جديدة تظهر امرأة تبتسم بملامح ’’ربى’’ تمامًا.

حين جاء صاحب المنزل بعد أسابيع وجد كل شيء كما هو
إلا اللوحة- التي أصبحت أكثر وضوحًا
كانت تظهر فتاة جالسة قرب المدفأة
تنظر إلى المتفرج بعينين يملؤهما رجاء غريب
كأنها ترجوه أن يخرجها من هناك.

أما البيت الصغير في طرف البلدة- فما زال يضيء ليلاً من تلقاء نفسه
كأن أحدهم هناك ما زال يشعل فيه الشموع.
’’’’’’’’’’’’’’’’’
العبرة-
كل ما في الأمر- أن الدفء حين يفيض عن حده
يصبح لعنة.
من سرد خيال ’ديباجة
حيث يبتسم الخوف- وتنبض الحكاية بين أصابع الضوء والعتمة.




gukm hg]txMto ll,i fhgpkhkM





رد مع اقتباس