الموضوع
:
الأخلاق المحمودة في الإسلام ( متجدد )
عرض مشاركة واحدة
11-23-2025, 12:01 AM
#
27
عضويتي
»
146
جيت فيذا
»
Nov 2025
آخر حضور
»
12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي
»
26,167
حاليآ في
»
الكويت
دولتي الحبيبه
»
جنسي
»
التقييم
»
الاعجابات المتلقاة
»
352
الاعجابات المُرسلة
»
208
تم شكري
»
»
0
شكرت
»
0
آوسِمتي
»
تابع – الاحترام والتوقير
نماذج من الاحترام والتوقير
أ- عِندَ الأنبياءِ والمُرسَلينَ
إبراهيمُ عليه السَّلامُ:
وقد تجلَّى احترامُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ تجلِّيًا واضِحًا في تعامُلِه مع أبيه، فلم يَحُلْ كُفرُ أبيه دونَ أن يعامِلَه معاملةً تَدُلُّ على احترامِه له وتوقيرِه؛ قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 41 - 47] .
وهكذا استعمل إبراهيمُ عليه السَّلامُ أُسلوبًا رقيقًا مع أبيه يدُلُّ على بالغِ الاحترامِ والرَّغبةِ في النُّصحِ والنَّفعِ، رَغْمَ إغلاظِ أبيه له في القَولِ. وقد (صَدَّر كُلَّ نصيحةٍ بقَولِه: يَا أَبَتِ توسُّلًا إليه واستِعطافًا وإشعارًا بوجوبِ احترامِ الأبِ وإن كان كافِرًا) .
موسى عليه السَّلامُ:
من النَّماذِجِ العَمَليَّةِ على توقيرِ العُلَماءِ ما ورد في قِصَّةِ نبيِّ اللَّهِ موسى مع الخَضِرِ عليهما السَّلامُ؛ قال اللَّهُ تعالى: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: 66] فيه دليلٌ على حُسنِ التَّلَطُّفِ والاستنزالِ، والأدَبِ في طَلَبِ العِلمِ، أخرَج الكلامَ بصورةِ الملاطفةِ والمشاورةَ، وأنَّك هل تأذنُ لي في ذلك أو لا، وإقرارُه بأنَّه يتعلَّمُ منه، بخلافِ ما عليه أهلُ الجفاءِ أو الكِبرِ، لا يُظهِرُ الواحِدُ منهم للمُعلِّمِ افتقارَه إلى عِلمِه، بل يدَّعي أنَّه يتعاونُ هو وإيَّاه، بل ربَّما ظنَّ أنَّه يُعَلِّمُ معلِّمَه، وهو جاهلٌ جدًّا، فالذُّلُّ للمُعَلِّمِ، وإظهارُ الحاجةِ إلى تعليمِه، مِن أنفعِ شيءٍ للمُتعلِّمِ . فموسَى عليه السَّلامُ راعى في ذلك غايةَ التَّواضُعِ والأدَبِ، فاستجهَل نفْسَه، واستأذَن أن يَكونَ تابِعًا له، وسأَل مِنه أن يُرشِدَه ويُنعِمَ عليه بتَعليمِ بعضِ ما أنعَم اللَّهُ عليه !
وفي هذه القِصَّةِ من الأدَبِ والفِقهِ: التَّذَلُّلُ، والتَّواضُعُ للعالمِ، وبَينَ يديه، واستئذانُه في سؤالِه، والمبالغةُ في احترامِه وإعظامِه، ومَن لم يفعَلْ هكذا فليس على سُنَّةِ الأنبياءِ ولا على هَدْيِهم .
ب- نماذِجُ من الاحترامِ والتَّوقيرِ عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
توقيرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للكَبيرِ:
1- عن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعديِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُتِيَ بشرابٍ فشَرِب منه، وعن يمينِه غلامٌ، وعن يسارِه الأشياخُ، فقال للغُلامِ: أتأذَنُ لي أن أعطيَ هؤلاء؟ فقال الغلامُ: واللَّه يا رسولَ اللَّهِ لا أوثِرُ بنصيبي منك أحَدًا! قال: فتَلَّه -أي: وضَعَه- رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في يَدِه)) . فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استأذن الغلامَ في أن يبدأَ بالأشياخِ توقيرًا لهم وتقديرًا لسِنِّهم، لكِنَّه مع ذلك لمَّا امتنع الغلامُ احترم حقَّه؛ لأنَّه كان على اليمينِ، والأيمَنُ في الشُّربِ ونحوِه يُقَدَّمُ وإن كان صغيرًا أو مفضولًا؛ لذا أعطاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الشَّرابَ.
2- روت عائشةُ أمُّ المُؤمِنين رَضِيَ اللَّهُ عنها فقالت: ((ما رأيتُ أحَدًا أشبَهَ سَمتًا ودَلًّا وهَدْيًا برسولِ اللَّهِ في قيامِها وقُعودِها من فاطمةَ بنتِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: وكانت إذا دخَلَت على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام إليها فقَبَّلَها وأجلَسَها في مجلِسِه، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دخَل عليها قامت من مجلِسِها فقبَّلَتْه وأجلسَتْه في مجلِسِها)) .
وعن سَهلِ بنِ أبي حَثمةَ، قال: ((انطلَقَ عبدُ اللهِ بنُ سَهلٍ، ومُحيِّصةُ بن مسعُود بن زيدٍ، إلى خيبرَ، وهي يومئذٍ صُلحٌ، فتفرَّقا فأتى مُحيِّصةُ إلى عبدِ اللهِ بنِ سَهلٍ وهو يتَشَحَّطُ في دَمِه قتيلًا، فدَفَنه ثُمّ قَدِم المدينةَ، فانطَلَق عبدُ الرَّحمنِ بنُ سهلٍ، ومُحيِّصةُ وحُوَيِّصةُ ابنا مسعُودٍ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فذهب عبدُ الرَّحمنِ يتكلَّمُ فقال: كَبِّرْ كَبِّرْ، وهو أحدثُ القومِ، فسكتَ فتكلَّما، فقال: تحلِفُون وتستحقُّون قاتلَكُم، أو صاحِبَكم، قالوا: وكيف نحلِفُ ولم نشهَدْ ولم نَرَ؟ قال: فتُبريكُم يهُودُ بخمسينَ، فقالوا: كيف نأخُذُ أيمانَ قومٍ كُفَّارٍ، فعَقَله النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عِندِه)) .
(«كَبِّرْ كَبِّرْ» معناه: ليتكَلَّمِ الأكبَرُ، وأكَّده بالتَّكريرِ؛ تنبيهًا على شَرَفِ السِّنِّ) .
ج- نماذِجُ مِن صُوَرِ الاحترامِ والتَّوقيرِ عِندَ الصَّحابةِ
توقيرُ الصَّحابةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
قال اللَّه تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ [النور: 62] .
1- عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ، ومَرْوانَ بنِ الحَكَمِ في حديثِ صُلحِ الحُدَيبيَةِ: (ثمَّ إنَّ عُروةَ جَعَل يرمُقُ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعينيه، قال: فواللَّهِ ما تنَخَّم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فدَلَك بها وَجْهَه وجِلْدَه! وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا توضَّأ كادوا يقتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم خَفَضوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّون إليه النَّظَرَ تعظيمًا له، فرَجَع عُروةُ إلى أصحابِه، فقال: أيْ قَومِ، واللَّهِ لقد وفَدتُ على الملوكِ، ووفَدتُ على قَيصَرَ وكِسرى والنَّجاشيِّ، واللَّهِ إنْ رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم محمَّدًا، واللَّهِ إنْ تنخَّمَ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رجُلٍ منهم، فدَلَك بها وَجْهَه وجِلدَه، وإذا أمَرهم ابتدَروا أمرَه، وإذا توضَّأ كادوا يقتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم خَفَضوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّون إليه النَّظَرَ تعظيمًا له) .
وفي القِصَّةِ نفسِها أنَّ عُروةَ بنَ مَسعودٍ (جَعَل يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكلَّما تكَلَّم أخَذ بلِحيتِه، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ قائِمٌ على رأسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومعه السَّيفُ وعليه المِغفَرُ، فكُلَّما أهوى عُروةُ بيَدِه إلى لحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضَرَب يَدَه بنَعلِ السَّيفِ، وقال له: أخِّرْ يَدَك عن لحيةِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .
2- عن عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عنه: (وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أجَلَّ في عَينِي منه، وما كُنتُ أُطيقُ أن أملأَ عَينَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئِلتُ أن أصِفَه ما أطَقتُ؛ لأنِّي لم أكُنْ أملأُ عَينَيَّ منه) .
- وعن أبي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَزَل عليه، فنَزَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في السُّفْلِ، وأبو أيُّوبَ في العُلْوِ، فانتبه أبو أيُّوبَ ذاتَ ليلةٍ، فقال: نمشي فوقَ رأسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فتنَحَّوا، فباتوا في ناحيةٍ، ثمَّ قال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: السُّفْلُ أرفَقُ، فقال: لا أعلو سَقيفةً أنت تحتَها، فتحوَّل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في العُلْوِ، وأبو أيُّوبَ في السُّفْلِ، وكان يصنَعُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طعامًا، فإذا رُدَّ إليه سألَ عن موضِعِ أصابعِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتتَبَّعُ موضِعَ أصابعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فصَنَع له طعامًا فيه ثُومٌ، فلمَّا رُدَّ إليه سأل عن موضِعِ أصابعِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقيل له: إنَّه لم يأكُلْ منه، فصَعِدَ إليه فقال: أهو حرامٌ؟ قال: لا، ولكنِّي أكرَهُه، قال: فإنِّي أكرَهُ ما تكرَهُ، أو ما كَرِهْتَ)) .
- وعن البراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قال: (إنْ كان ليأتي عَلَيَّ السَّنةُ أريدُ أن أسأَلَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن شَيءٍ فأتهَيَّبُ منه) .
توقيرُ الصَّحابةِ بعضِهم بعضًا:
قال اللَّهُ تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29] .
1- عن عبدِ اللهِ بن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ من الشَّجَرِ شَجَرةً لا يسقُطُ وَرَقُها، وإنَّها مِثلُ المُسلِمِ، فحَدِّثوني ما هي؟ فوقع النَّاسُ في شَجَرِ البوادي، قال عبدُ اللهِ: ووقع في نفسي أنَّها النَّخلةُ، فاستحَيَيتُ. ثمَّ قالوا: حَدِّثْنا ما هي يا رسولَ اللهِ؟ قال: فقال: هي النَّخلةُ. قال: فذَكَرْتُ ذلك لعُمَرَ، قال: لأن تكونَ قُلتَ: هي النَّخلةُ، أحَبُّ إليَّ مِن كذا وكذا)) . فابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما ما منعه من الكلامِ إلَّا احترامُه لأصحابِ رَسولِ اللَّهِ وتوقيرِه لهم فإنَّه لمَّا رآهم سكَتوا سكَتَ ولم يتكَلَّمْ بَيْنَ أيديهم. واللَّهُ أعلَمُ.
2- عن سَمُرةَ بنِ جُندَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: (لقد كنتُ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غلامًا، فكنتُ أحفَظُ عنه، فما يمنعُني من القولِ إلَّا أنَّ هاهنا رجالًا هم أسَنُّ منِّي) .
وعن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: (خرجتُ مع جريرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ البَجَليِّ في سَفَرٍ فكان يَخدُمُني، فقُلتُ له: لا تفعَلْ، فقال: إنِّي قد رأيتُ الأنصارَ تصنَعُ برَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا، آليتُ ألَّا أصحَبَ أحدًا منهم إلَّا خدَمتُه) .
3- عن أبي سَلَمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: (أنَّه أخَذ برِكابِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ، فقال له: تَنَحَّ يا ابنَ عَمِّ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّا هكذا نفعَلُ بكُبَرائِنا وعُلَمائِنا) .
وعن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: (لمَّا قُبِض رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت الأنصارُ: مِنَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ. فأتاهم عُمَرُ فقال: ألستُم تعلَمونَ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أمَر أبا بكرٍ أن يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فأيُّكم تطيبُ نفسُه أن يتقَدَّمَ أبا بكرٍ؟ قالوا نعوذُ باللَّهِ أن نتقَدَّمَ أبا بكرٍ) .
- وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قال: (لمَّا قُبِض رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُلتُ لرجُلٍ من الأنصارِ: هَلُمَّ فلْنَسألْ أصحابَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّهم اليومَ كثيرٌ، فقال: واعجَبًا لك يا ابنَ عبَّاسٍ! أترى النَّاسَ يفتَقِرون إليك وفي النَّاسِ مِن أصحابِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَن فيهم؟! قال: فتركتُ ذاك وأقبلتُ أسألُ أصحابَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإن كان يبلُغُني الحديثُ عن الرَّجُلِ فآتي بابَه وهو قائِلٌ فأتوسَّدُ ردائي على بابِه يَسفي الرِّيحُ عَلَيَّ من التَّرابِ، فيخرُجُ فيراني فيقولُ: يا ابنَ عَمِّ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما جاءَ بك؟ هلَّا أرسَلْتَ إليَّ فآتيَك؟ فأقول: لا، أنا أحَقُّ أن آتيَك، قال: فأسألُه عن الحديثِ، فعاش هذا الرَّجُلُ الأنصاريُّ حتَّى رآني وقد اجتمَع النَّاسُ حولي يسألوني، فيقولُ: هذا الفتى كان أعقَلَ منِّي!) .
توقيرُ أمِّ الدَّرداءِ لزَوجِها:
- عن أمِّ الدَّرداءِ قالت: حدَّثني سَيِّدي أنَّه سَمِع رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((مَن دعا لأخيه بظَهرِ الغَيبِ قال الملَكُ الموكَّلُ به: آمينَ، ولك بمِثلٍ)) .
قال القاضي عِياضٌ: (وقولُ أمِّ الدَّرداءِ: حدَّثني سيِّدي أنَّه سمع رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يعنى أبا الدَّرداءِ. فيه جوازُ دعوى المرأةِ زَوجَها سيِّدي، وتعظيمُ المرأةِ زوجَها وتوقيرُه) .
وقالت امرأةُ سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ: (ما كُنَّا نُكَلِّمُ أزواجَنا إلَّا كما تُكَلِّمون أمراءَكم: أصلحَك اللَّهُ، عافاك اللَّهُ) .
د- نماذِجُ من الاحترامِ والتَّوقيرِ عِندَ السَّلَفِ
توقيرُ العُلَماءِ:
1- ضَرَب السَّلَفُ الصَّالحُ أروَعَ النَّماذِجِ في توقيرِ العُلَماءِ وإجلالِهم، ومن ذلك ما رواه إدريسُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: (قال لي سَلَمةُ بنُ عاصِمٍ: أريدُ أن أسمعَ كِتابَ العَدَدِ من خَلَفٍ، فقلتُ لخَلَفٍ: قال: فليَجِئْ، فلمَّا دخل رفعَه لأن يجلِسَ في الصَّدرِ، فأبى، وقال: لا أجلِسُ إلَّا بَيْنَ يدَيك، وقال: هذا حَقُّ التَّعليمِ، فقال له خَلَفٌ: جاءني أحمدُ بنُ حنبَلٍ يسمَعُ حديثَ أبي عَوانةَ، فاجتهَدْتُ أن أرفَعَه، فأبى وقال: لا أجلِسُ إلَّا بَيْنَ يديك، أُمِرْنا أن نتواضَعَ لِمن نتعَلَّمُ منه) ، وهكذا كان العُلَماءُ يُوَقِّرُ بعضُهم بعضًا ويُظهِرون هذا التَّبجيلَ والاحترامَ أمامَ النَّاسِ وأمامَ الطُّلَّابِ؛ ليتعَلَّموا ويأخُذوا منهم القُدوةَ.
2- عن عبدِ اللَّهِ بنِ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ قال: (رأيتُ أبي إذا جاء الشَّيخُ والحَدَثُ من قُرَيشٍ أو غيرُهم من الأشرافِ، لم يخرُجْ من بابِ المسجِدِ حتَّى يخرِجَهم، فيكونوا هم يتقَدَّمونه، ثمَّ يخرُجُ مِن بَعدِهم) ، وقال المَرُّوذيُّ: (رأيتُه جاء إليه مولى ابنِ المبارَكِ، فألقى له مخدَّةً وأكرمَه، وكان إذا دخَل عليه مَن يَكرُمُ عليه يأخُذُ المخدَّةَ من تحتِه فيُلقيها له). وقال: (وكان أبو عبدِ اللَّهِ من أشَدِّ النَّاسِ إعظامًا لإخوانِه ومن هو أسَنُّ منه، لقد جاءه أبو همَّامٍ راكبًا على حمارٍ، فأخَذ له أبو عبدِ اللَّهِ بالرِّكابِ! ورأيتُه فَعَل هذا بمن هو أسَنُّ من الشُّيوخِ) .
3- روى معاذُ بنُ سعيدٍ، قال: (كنَّا عِندَ عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، فتحدَّث رجُلٌ بحديثٍ فاعترَضَ له آخَرُ في حديثِه، فقال عطاءٌ: سُبحانَ اللَّهِ! ما هذه الأخلاقُ؟ ما هذه الأحلامُ؟ إنِّي لأسمعُ الحديثَ مِن الرَّجُلِ وأنا أعلَمُ منه، فأُريهم من نفسي أنِّي لا أحسِنُ منه شيئًا!) ، فينبغي أن يسودَ الاحترامُ بَيْنَ السَّامِعِ والمستمَعِ، فلا يقاطِعَ حديثَه ولا يعارِضَه حتَّى ينتهيَ من كلامِه.
- وعن هِشامِ بنِ سُلَيمانَ المخزوميِّ: أنَّ عَليَّ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ العَبَّاسِ: (كان إذا قَدِم حاجًّا مكَّةَ أو معتَمِرًا عطَّلَت قُرَيشٌ مجالِسَها في المسجِدِ الحرامِ، وهجَرَت مواضِعَ حِلَقِها، ولزِمَت مجلِسَ عليِّ بنِ عبدِ اللَّهِ إعظامًا وإجلالًا وتبجيلًا، فإن قَعَد قَعَدوا، وإن نَهَض نَهَضوا، وإن مشى مشَوا جميعًا حولَه، وكان لا يُرى لقُرشيٍّ في المسجِدِ الحرامِ مجلِسُ ذِكرٍ يُجتَمَعُ إليه حتَّى يخرُجَ عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ مِن الحَرَمِ) .
- وعن بِشرِ بنِ الحارِثِ قال: (سأل رجُلٌ ابنَ المبارَكِ عن حديثٍ وهو يمشي، قال: ليس هذا من توقيرِ العِلمِ) قال بِشرٌ: فاستحسَنْتُه جِدًّا .
- وقال الرَّبيعُ صاحِبُ الشَّافعيِّ: (ما اجتَرَأتُ أن أشرَبَ الماءَ والشَّافعيُّ ينظُرُ إليَّ؛ هَيبةً له!) .
- وعن ابنِ عَرْعَرةَ قال: (كان طاهِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ ببغدادَ، فطَمِع في أن يسمَعَ من أبي عُبَيدٍ، وطَمِع أن يأتيَه في منزِلِه، فلم يفعَلْ أبو عُبَيدٍ حتَّى كان هذا يأتيه، فقَدِم عليُّ بنُ المَدينيِّ وعبَّاسٌ العَنْبَريُّ، فأرادا أن يسمعا غَريبَ الحديثِ، فكان يحمِلُ كُلَّ يومٍ كتابَه ويأتيهما في منزلِهما فيُحَدِّثُهما فيه) .
قال الخطيبُ البغداديُّ مُعَلِّقًا: (إنَّما امتنع أبو عُبَيدٍ مِن المضيِّ إلى منزِلِ طاهِرٍ توقيرًا للعِلمِ، ومضى إلى مَنزِلِ ابنِ المدينيِّ وعَبَّاسٍ تواضُعًا وتدَيُّنًا، ولا وَكَفَ عليه في ذلك، إذ كانا من أهلِ الفَضلِ والمنزلةِ العاليةِ في العِلمِ، وقد فَعَل سُفيانُ الثَّوريُّ مع إبراهيمَ بنِ أدهَمَ مِثلَ هذا) .
- وعن مالكٍ (أنَّ رَجُلًا جاء إلى سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ وهو مريضٌ، فسأله عن حديثٍ وهو مضطَجِعٌ، فجلس فحَدَّثه، فقال له الرَّجُلُ: وَدِدتُ أنَّك لم تتعَنَّ، فقال: إنِّي كَرِهتُ أن أحَدِّثَك عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا مُضطَجِعٌ) .
- وعن محمَّدِ بنِ رافعٍ قال: (كنتُ مع أحمَدَ وإسحاقَ عِندَ عبدِ الرَّزَّاقِ، فجاءنا يومَ الفِطرِ، فخرَجْنا مع عبدِ الرَّزَّاقِ إلى المصلَّى، ومعنا ناسٌ كثيرٌ، فلمَّا رجَعْنا دعانا عبدُ الرَّزَّاقِ إلى الغَداءِ، ثمَّ قال لأحمدَ وإسحاقَ: رأيتُ اليومَ منكما عَجَبًا، لم تُكَبِّرَا! فقال أحمَدُ وإسحاقُ: يا أبا بكرٍ، كُنَّا ننتَظِرُ هل تُكَبِّرُ، فنُكَبِّرَ، فلمَّا رأيناك لم تُكَبِّرْ، أمسَكْنا! قال: وأنا كنتُ أنظُرُ إليكما، هل تُكَبِّرانِ، فأكَبِّرَ!) .
- وقال محمَّدُ بنُ حمدونَ بنِ رُستُمَ: سَمِعتُ مُسلِمَ بنَ الحَجَّاجِ وجاء إلى البخاريِّ فقال: (دعْني أقبِّلْ رِجليك يا أستاذَ الأُستاذينَ، وسَيِّدَ المحَدِّثين، وطبيبَ الحديثِ في عِلَلِه) .
- وعن عاصِمٍ، قال الكِسائيُّ: (صلَّيتُ بالرَّشيدِ، فأخطأتُ في آيةٍ ما أخطَأَ فيها صبيٌّ، قلتُ: لعَلَّهم يَرجِعينَ! فواللَّهِ ما اجترأ الرَّشيدُ أن يقولَ: أخطَأْتَ، لكِنْ قال: أيُّ لغةٍ هذه؟ قلتُ: يا أميرَ المُؤمِنين! قد يَعثُرُ الجوادُ، قال: أمَّا هذا فنَعَمْ) .
- عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ حَرمَلةَ، قال: (ما كان إنسانٌ يجترئُ على سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ يسألُه عن شيءٍ حتَّى يستأذنَه كما يستأذِنُ الأميرَ) .
- وقال ابنُ عساكِرَ: (كان العَبدريُّ أحفَظَ شَيخٍ لقيتُه، وكان فقيهًا داوديًّا، ذُكِر أنَّه دخَل دِمَشقَ في حياةِ أبي القاسمِ بنِ أبي العلاءِ، وسمِعتُه وقد ذُكِر مالكٌ، فقال: جِلفٌ جافٍ! ضَرَب هِشامَ بنَ عَمَّارٍ بالدِّرَّةِ، وقرأتُ عليه «الأموالَ» لأبي عُبَيدٍ، فقال -وقد مَرَّ قولٌ لأبي عُبَيدٍ-: ما كان إلَّا حمارًا مُغَفَّلًا لا يَعرِفُ الفِقهَ! وقيل لي عنه: إنَّه قال في إبراهيمَ النَّخَعيِّ: أعوَرُ سُوءٍ!
فاجتمَعْنا يومًا عِندَ ابنِ السَّمَرْقَنديِّ في قراءةِ كتاب «الكامِل»، فجاء فيه: وقال السَّعديُّ كذا، فقال: يَكذِبُ ابنُ عَديٍّ، إنَّما ذا قولُ إبراهيمَ الجَوْزَجانيِّ! فقُلتُ له: فهو السَّعديُّ، فإلى كم نحتَمِلُ منك سوءَ الأدَبِ، تقولُ في إبراهيمَ كذا وكذا، وتقولُ في مالكٍ: جافٍ، وتقولُ في أبي عُبَيدٍ؟!
فغَضِب وأخذَتْه الرِّعدةُ، وقال: كان ابنُ الخاضِبةِ والبَردانيُّ وغيرُهما يخافوني، فآل الأمرُ إلى أن تقولَ فيَّ هذا؟!
فقال له ابنُ السَّمَرْقَنديِّ: هذا بذاك.
فقُلتُ: إنَّما نحتَرِمُك ما احتَرَمْتَ الأئمَّةَ) .
- وقال أبو بكرٍ الأثرَمُ: أخبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ المبارَكِ -شيخٌ سَمِع منه قديمًا، وليس بالخُراسانيِّ- قال: كنتُ عِندَ إسماعيلَ بنِ عُلَيَّةَ، فتكَلَّم إنسانٌ فضَحِك بعضُنا، وثَمَّ أحمدُ بنُ حنبَلٍ، قال: فأتينا إسماعيلَ فوجَدْناه غَضبانَ، فقال: أتضحَكونَ وعندي أحمدُ بنُ حنبَلٍ ؟!
هـ- نماذِجُ من الاحترامِ والتَّوقيرِ عِندَ العُلَماءِ المتقَدِّمينَ
- توقيرُ أبي عبدِ اللَّهِ الحاكِمِ مِن عُلَماءِ عَصرِه:
فقد كان عُلَماءُ عَصرِه يُبَجِّلونه ويُقَدِّرونَه؛ قال بعضُهم: (سمِعتُ مشايخَنا يذكُرون أيَّامَه، ويحكون أنَّ مُقَدَّمي عَصرِه، مِثلُ أبي سَهلٍ الصُّعلوكيِّ، والإمامِ ابنِ فُورَكٍ، وسائِرَ الأئمَّةِ، يُقَدِّمونه على أنفسِهم، ويراعون حَقَّ فَضلِه، ويَعرِفون له الحُرمةَ الأكيدةَ) .
- توقيرُ أبي نُعَيمٍ الأصبهانيِّ لابنِ مَنْدَهْ:
فقد كانت بينَه وبينَ ابنِ مَنْدَهْ وَحشةٌ شديدةٌ، فلم يمنَعْه ذلك من توقيرِه واحترامِه وإنزالِه منزلتَه اللَّائقةَ به.
قال الذَّهبيُّ: (قيل: إنَّ أبا نُعَيمٍ الحافِظَ ذُكِر له ابنُ مَنْدَهْ، فقال: كان جبَلًا من الجِبالِ، فهذا يقولُه أبو نُعيمٍ مع الوَحشةِ الشَّديدةِ التي بينه وبينَه!) .
- توقيرُ الخُلَفاءِ لأبي الحَسَنِ الماوَرْديِّ:
قال ابنُ تَغْرِي بَرْدي: (وَلِيَ القضاءَ ببُلدانٍ كثيرةٍ، وكان محتَرَمًا عِندَ الخُلَفاءِ والملوكِ) .
- توقيرُ زكي الدِّينِ المُنذِريِّ للعِزِّ بنِ عبدِ السَّلامِ:
قال السُّيوطيُّ في كلامِه عن العِزِّ بنِ عبدِ السَّلامِ: (قَدِم مِصرَ فأقام بها أكثَرَ من عشرين سنةً ناشِرًا العِلمَ، آمِرًا بالمعروفِ، ناهيًا للمُنكَرِ، يُغلِظُ على الملوكِ فمَن دونَهم، ولمَّا دخل مصرَ بالغ الشَّيخُ زكي الدِّينِ المنذِريُّ في الأدَبِ معه، وامتنع من الإفتاءِ لأجْلِه، وقال: كنَّا نُفتي قبلَ حُضورِه، وأمَّا بعدَ حُضورِه فمَنصِبُ الفُتيا مُتعَيَّنٌ فيه) .
و- نماذِجُ من الاحترامِ والتَّوقيرِ عِندَ العُلَماءِ المُعاصِرين
- توقيرُ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ آل الشَّيخِ واحترامُه لمشايخِه:
يقولُ حمَدُ الفَهدُ: (كان يقولُ عن شيخِه الشَّيخِ سَعدِ بنِ عتيقٍ: شَيخُنا الشَّيخُ الكبيرُ والعالمُ الشَّهيرُ، وكان إذا أتاه الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مانعٍ، قام له ورحَّب به وأجلسه مكانَه، ومن ذلك أنَّه كان يحِبُّ الشَّيخَ عبدَ اللَّهِ القرعاويَّ رحمه اللَّهُ -الدَّاعيةَ في جيزانَ- ويُقَدِّرُه، فكان إذا أتى إليه يُكرِمُه كثيرًا، ومن ذلك أنَّه كان يحِبُّ الشَّيخَ حمود التَّويجريُّ رحمه اللَّهُ، وقد رأيتُ الشَّيخَ حمود مرَّةً أتى إلى الشَّيخِ محمَّد يقرأُ عليه أحدَ رُدودِه التي ألَّفها ضِدَّ بعضِ المبتَدِعةِ، فلمَّا نهض الشَّيخُ حمود وانصرف، قال الشَّيخُ محمد: الشَّيخُ حمود مجاهِدٌ جزاه اللَّهُ خيرًا. ومن ذلك أنَّه كان يحِبُّ الشَّيخَ أحمد شاكر، والشَّيخ محمَّد حامِد الفِقي رحمهما اللَّهُ تعالى، وقد رأيتُهما عنده كثيرًا إذا أتيا إلى المملكةِ، وكان يُكرِمُهما ويُجِلُّهما. ومن ذلك احترامُه وتقديرُه أيضًا للشَّيخِ محمَّد الأمين الشِّنقيطيِّ صاحِبِ أضواءِ البيانِ، والشَّيخِ محمَّد المختار الشِّنقيطيِّ) .
- توقيرُ محمَّد الأمين الشِّنقيطيِّ واحترامُه للألبانيِّ:
(كان الشَّيخُ محمَّد الأمين الشِّنقيطيُّ -الذي ما عُلِم مِثلُه في عصرِه في عِلمِ التَّفسيرِ واللُّغةِ- يجِلُّ الشَّيخَ الألبانيَّ إجلالًا غريبًا، حتى إذا رآه مارًّا وهو في دَرسِه في الحَرَمِ المدَنيِّ، يَقطَعُ درسَه قائمًا ومُسلِّمًا عليه إجلالًا له) .
- توقيرُ عبدِ الرَّزَّاقِ عفيفي واحترامُه لابنِ بازٍ:
يقولُ حَمَدُ بنُ إبراهيمَ: (أذكُرُ أنَّني زُرتُه في مخيَّمِه بمِنًى أيَّامِ الحجِّ عام 1403هـ، وقلتُ لأصحابي المرافِقين معي: ستَرَون الشَّيخَ عبدَ الرَّزَّاقِ وهو يبكي. وكانوا يتعجَّبون ممَّا أقولُ، وكنتُ أريدُ لَفتَ انتباهِهم إلى هذا الموقِفِ العظيمِ وحَفزِهم إلى التَّطلُّعِ إليه، فلمَّا سَلَّمْنا عليه يومَ النَّحرِ، قُلتُ له: يا شَيخُ، كيفكم وكيف الشَّيخُ عبدُ العزيزِ؟ فقال: بخيرٍ وللهِ الحمدُ، والشَّيخُ عبدُ العزيزِ لا يُسأَلُ عنه، ما شاء اللَّهُ، ثمَّ أخَذ في الثَّناءِ عليه حتَّى تحدَّرت دموعُه رغمَ شِدَّتِه وقُوَّتِه، وهو يقولُ: ابنُ بازٍ طِرازٌ غيرُ عُلَماءِ هذا الزَّمانِ، ابنُ بازٍ من بقايا العُلَماءِ الأوَّلينَ القُدامى، في عِلمِه وأخلاقِه ونشاطِه ... ثمَّ قطَعَ كلامَه بعَبرةٍ خَنقَتْه عن الإتمامِ!) .
- توقيرُ العُلَماءِ وطَلَبةِ العِلمِ لعبدِ الرَّزَّاقِ عفيفي:
(لقد كان العُلَماءُ والعامَّةُ وطَلَبةُ العِلمِ يُقبِلون على مجلِسِ الشَّيخِ، ويَستَمِعون إلى نصائِحِه القيِّمةِ وتوجيهاتِه السَّديدةِ وآرائِه النَّيِّرِة، مع توقيرِهم لشَخصِه وتقديرِهم لعِلمِه، مع محبَّةٍ صادقةٍ خالِصةٍ يُرجى بها وَجهُ اللَّهِ لعالِمٍ بذَل عِلمَه ووقتَه ومالَه دفاعًا عن دينِه، وذَبًّا عن عقيدتِه، وغَيرةً على مجتَمَعِه وأمَّتِه) .
( يتبع )
فترة الأقامة :
49 يوم
الإقامة :
الكويت
معدل التقييم :
زيارات الملف الشخصي :
95
إحصائية مشاركات »
المواضيـع
الــــــردود
[
+
]
[
+
]
بمـــعــدل :
531.58 يوميا
البراء الحريري
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى البراء الحريري
البحث عن كل مشاركات البراء الحريري