العشرون.. والعهد الذي لم يُكسر
بيت ليان – قبل الشروق بدقائق
تستيقظ ليان من كابوسٍ مُمتدّ
لا تميّز فيه إن كانت تركض
أم يُسحَبُ ظلُّها من بين يديها
تضع كفّها على كتفها فتشهق
أربع آثارٍ زرقاء كأن أصابعًا خفيّة
انغرست في اللحم
على ظاهر يدها خَطٌّ دمويّ رفيع
لا تتذكّر متى ظهر ولا يؤلمها
تجلس أمام المرآة
ترى وجهها و… شيءًا آخر
ظلّ ابتسامة لا يخصّها.. تهمس لنفسها:
أنا هنا… أم أنت؟
يأتيها الردّ من أعماق الصمت كتموّجٍ بعيد
أنا حيث يكون خوفك ..
تطرق الأم الباب
تدخل ومعها ماء مقرّأ وخرقة قطنية
قومي يا بنتي، اليوم نروح للراقي. يكفي..
تشيح ليان بوجهها
تحاول أن تبدو قوية
لكن ارتعاش كتفيها يفضحها
تومئ دون كلام
تعليق حزين داخلي لليان:
في العشرين…
كان ينبغي أن يشبه عمري
رائحة قهوة وساحة جامعة
وابتسامة صديقات
لكن في العشرين
صار جسدي دفترَ حضورٍ ليدٍ لا تُرى
الطريق إلى الرقية
سيارة الأب – ضحى
الشارع ممتدّ، والحرارة تلمع على الإسفلت
الأب صامت، تُثقل شفتيه أشياء لا تُقال
الأم تهمس بالأذكار
والسبحة تتدحرج بين أناملها
كأنها تقيس المسافة بين الرجاء واليقين
ليان تحدّق في الزجاج الجانبي
واجهات المحلات تمرّ مثل صورٍ بلا صوت
كلّما اقتربوا من الحيّ
تشعر بانقباضٍ مبهم
ليس خوفًا من الرقية، بل من استيقاظه
الأب: “ يا رب… سهّل ”
الأم: “ بإذن الله، كله يهون ”
صوت المارد (خفيف، ساخر):
“سهّل؟ .. لِمَ تُشعلون نورًا في عيني
التي اعتادت ظلامكِ يا ليان؟”
تغلق ليان جفنًا للحظة
تفتح الآخر على دمعةٍ معلّقة:
“اسكت… بس اسكت ”
وصلو منزل الراقي – بعد الظهر
غرفة بسيطة، سجادة، زجاجات ماء
بخور يتصاعد كخطوطٍ رمادية
يجلس الشيخ مقابلاً لليان
يقرأ نظرةً طويلة ثم يقول للأب:
“نقرأ بسم الله. لا تخافون، كل شيء بإذن الله”
يجلس الجميع في دائرةٍ من الصمت الثقيل
يبدأ الشيخ بالفاتحة، فالبقرة
هناك كلماتٌ عندما تُقال تُصبح حجارًا
تُرمى في بئرٍ عميق
مع كل آية، تتقلّص ملامح ليان،د
ثم تعلو أنفاسها… ثم:
“ بس… بس! ”
تضغط على كفّها
الخط الدموي يتّسع قليلًا
كأنه يُجدّد عهده
تنفجر دمعة على خدّها كشرارة
يرفع الشيخ صوته:
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…”
تهتز الستارة رغم أن المكيّف مغلق
رعشةٌ غير مرئية تمرّ في الغرفة
ويسقط كوب ماءٍ بلا يد
يبتسم صوتٌ بلا ابتسامة:
“كفاكم… إنها لي ”
يرتجف فم ليان بكلماتٍ لا تملكها:
“لا تؤلموني… إذا تألم هو، أنا أتألم”
يستوقف الشيخ القراءة لحظة
يلين صوته:
“يا من في جسد هذه الفتاة
إن كنت مظلومًا فلا تَظلم
وإن كنت مبتلى فاتّقِ الله
اخرج بالحسنى”
يسكت الصوت…
ثم يمرّ كنسمةٍ حارّة على عنقها
أثر سوادٍ جديد يرسم قوسًا خفيفًا
كعلامة توقيع على جسدها الطاهر
تشهق الأم
يتابع الشيخ القراءة بثباتٍ أكثر
ويغمر المكان إيقاع الإيمان
تنهار ليان بالبكاء
بكاءٌ يشبه غسلًا أوّل للروح
الشيخ (هادئًا):
“الطريق طويل، لكن الله أقرب
الزموا الأذكار
والبيت يُطهّر بالتلاوة. وسترجعون ”
نُقلت ليان بين عدة مشايخ ومعالجين
كانوا يقرؤون عليها
فتتشنّج وتضحك بصوتٍ رجولي
وتقول:
" تعبتُ منكم... إنها لي، لا تلمسوها! "
بعضهم خاف
وبعضهم قال إنّه جني عاشق
من سلالة نارية
تغذّى على خوفها منذ الطفولة
ويعتبرها عهده الأزلي
لكن ما لم يفهمه أحد
هو أنّ ليان بدأت تضعف داخليًا
لم تعد تقاومه كما في الصغر...
بل بدأت تشعر به
وتفتقد وجوده عندما يغيب
ذكروا لهم راقي الخرج:
“الماء الذي اشتعل”
كانت ليان في العشرين من عمرها
عندما حملها والدها إلى راقٍ في الخرج
اشتهر بين الناس بقدرته على إخراج الجان
من الجسد عبر الزمزم المقروء عليه
جلسَت ليان على الأرض، رأسها منحنٍ
يداها ترتجفان
بدأ الراقي يقرأ
فابتسمت ابتسامة غريبة
ثم انفجر ضوء المصباح
وانسكب الماء من الإناء كأنه يغلي
قال الراقي بصوتٍ مرتجف:
"من أنت؟ أخرج بسلام
قبل أن يحترق الجسد!"
لكن الصوت الذي خرج منها
لم يكن صوتها
بل نغمة عميقة مشوبة بالضحك:
"الماء لا يطفئ النار
أيها الشيخ... أنا من لهب
وهي من هواء
فكيف تفصل بيننا؟"
تطايرت أوراق الرقية من يده
وغشى المكان دخان خفيف
أمسك والدها بيدها وهو يصرخ باسمها
لكنها فتحت عينيها ونظرت إليه
بنظرة لم يرها من قبل
نظرة كرهٍ صامت، كأنها تقول
“أنت السبب في ألمي”
خرجوا من عند الراقي خائفين
بينما قال الشيخ:
"ما فيها ليس مسًّا عاديًا
بل عهد قديم، نارٌ ارتبطت بروحها"
بعد أسبوعين
اتصل بهم أحد أصدقاء العائلة
وأخبرهم عن راقٍ في الخفجي
يعالج الحالات المستعصية
بالدم المقروء عليه
طريقة غريبة لكنها مشهورة هناك
كانت ليان شاحبة الوجه
ترفض الذهاب
ذهبوا هناك
لكن حين وضع الشيخ يده على رأسها
بدأت تتحدث بصوتها الطبيعي قائلة:
" اتركوني أعيش
لا أريدهم يقرؤون عليّ بعد الآن..."
ثم تحوّل الصوت إلى غليان رجولي:
" توقف! أنتم تؤذونها، وأنا من يحميها! "
بدأ الدم يسيل من أنفها
ثم التفت الشيخ نحو والدها وقال:
" إنه يختبئ في دمها
لا في جسدها فقط
هو يغذيها كما يغذيها الخوف "
ثم فقدت وعيها
وسمعوا همسًا من بين أسنانها:
"لن تقدروا عليّ إلا إذا ماتت "
خرجوا من هناك والوالدة تبكي، تهمس:
"يا رب، هل الحُبّ ممكن أن يكون لعنة؟"
ذُكِرَ لهم راقي رفحاء
الراقي في رفحاء رجل مسنّ
قضى عمره في علاج ما يسميه
“المريدين من الجنّ”
حين دخلت ليان بيته الطيني الصغير
ارتجف المصباح فورًا
قرأ الشيخ بصوتٍ منخفض
ثم فجأة صرخت صرخة طويلة
حتى انقطعت أنفاسها
قال الشيخ:
"لقد أغلق عليها بصرها وبصيرتها
يرى ما ترى ويشعر بما تشعر
لا يخرج إلا إذا تخلّت عن خوفها منه "
اقترب منها ووضع سبّابته على جبينها
وقال بصوتٍ قوي:
"أقسمتُ باسم الذي خلق النار
لتخرج منها أو تُهلك معها "
ارتجّ البيت
سقطت المسبحة من يد الشيخ
وانقطع صوته
صرخت ليان بصوتٍ مزدوج:
"كلكم تكذبون! هو ليس شيطانًا... هو حبيبي!"
سقط الشيخ أرضًا مغمىً عليه
بينما كانت ليان ترتجف
وتبكي في الوقت نفسه
قال والدها بصوتٍ متهدّج:
"يا الله... بنتي تضيع من بين يدي."
..
بعد شهرين
الليل يعود… ومعه الامتحان
البيت هادئ
الأم في صلاتها
الأب يطيل الوقوف عند النافذة
تجلس ليان على سريرها
تفكّ ضمادًا صغيرًا على يدها
حيث الخطّ الدموي صار خفيفًا
تضع مفكرتها في حجرها وتكتب:
“يا مذكّرتي…
اليوم كنتُ قريبةً من أن أكرهك
أكرهك لأنكِ تُثبّتين عليّ
ما لا أريد الاعتراف به:
أنني لا أعرف أين أنتهي وأين يبدأ
الرقية جعلت ظلام المارد يتراجع خطوة
لكنه تسلّل عبر الضوء
هل يسمعني الآن؟”
تتردّد، ثم تكتب بخطٍّ أبطأ:
“يا من تسكن ظلي…
إن كنتَ حقًا مكلّفًا كما زعمت
فاكفني شرّك بحجّة تكليفك
وإن كنتَ عاشقًا
فارحل بحجّة حبّك
أنا لستُ لك
أنا لربّي ثم لروحي ثم لعمري
الذي بدأ في العشرين
تضع القلم
يتردّد في الغرفة نَفَسٌ غير مرئي
تتحرّك الستارة بلا ريح
ثم، على عنقها
خطّ أسودٌ رفيع
يظهر ويبهت كطيف:
كأنه صكُّ هدنة لا يوقّع
يأتي صوته هذه المرة بلا زمجرة:
“العهد… لم يُكسر. ولكن… هل يُفهم؟”
تغمض عينيها
تشهق دمعةً واحدة
لا تعرف إن كانت وجعًا أم بداية شفاء
..
ما قبل الفجر
صلاة الأم – على سجادةٍ قُرب الباب
ترفع الأم كفّيها:
“يا رب، إن كان بها بأسٌ فاشفه
وإن كان معها من لا نراه فاكفها إيّاه
واجعل القرآن عليها بردًا وسلامًا ”
في الظلّ القريب من الدعاء
يتقوّس الهواء كأنه يسمع
ينسحب الصوت إلى مكانٍ أبعد قليلًا
ويترك فراغًا قابلًا للتنفّس
تتمتم ليان قبل أن تغفو:
“إن كنتَ تسمع
لا تقترب حين أصلّي أرجوك
اسمح لي بنورٍ لا يُؤذيك ”
يسود سكونٌ رقيق
هدنةٌ قصيرة بينها وبين المارد
تنام على حافة الليل
بنود الهدنه
استمرار جلسات الرقية
مع تصاعد تفسير
“التكليف”: من كلّفه؟
ولماذا اختارت التعويذة رضيعةً مضيئة؟
ظهور حدود الهدنة
لا يقترب وقت الصلاة
لكنه يتقوّى في ليالي البدر
أول مواجهة واعية بين ليان و”المارد”
اتفاق شروط
(لا انتقام، لا إيذاء للناس)
مقابل ألا تتخلّى عنه فجأة
شمس
مشوقة جدا وملونة بالتوتر والغموض
قدرت تنقلي شعور ليان بالخوف والارتباك بطريقة تخلي القارئ
يعيش معها كل لحظة التفاصيل من الخط الدموي على يدها إلى همسات المارد
جعلت النص حيا ومؤثرا جدا الأسلوب يجمع بين الرعب النفسي والغموض الروحي
بطريقة رائعة بصراحة، أنا متشوق جدا لمعرفة ما سيحدث بعد هذا الجزء
في انتظار تكملة القصة بفارغ الصبر
الختم مع الاضافة.
واهلا بعودتك شمس
كل يوم اقول بتحي تكمل لنا
متشوقه للنهايه
يوه شمس سردك هالمره اخافني
مرعب هالمارد وعينه قويه
ياربي لا تتاخري نبي نشوف ليان
ايش بتسوي هل تستسلم ام تتغلب على خوفها
ننظرك بشوق
حلقة مؤثرة حدّ الوجع! السرد عميق واللغة تنبض بالحسّ والرهبة معًا
رسمتِ عالماً غامضاً ببراعة تُحسّ لا تُقرأ فقط
أسلوبكِ آسر والتفاصيل تنزف شعوراً حقيقياً
يجعل القارئ يعيش كل لحظة مع ليان
مبدعة كعادتك مبدعتنا شمس
ليان ما تعيش رعب وبس،
هي تعيش صراع وجود بين روحٍ تلهث للنجاة،
وشيءٍ مظلم يصرّ إنه (يحبها) على طريقته المؤلمة.
كل سطر يخليك توقف، تتنفس، وتفكر:
هل العهد اللي ما انكسر… كان لعنة؟ ولا اختبار مكتوب عليها؟
كتابتك غارقة بالإحساس،
تسحبنا بين الدعاء والارتجاف،
وتثبت إن الإبداع أحيانًا… مخيف بجماله