في عمق كل تجربة إنسانية، ثمة فقد.. فقد لحبيب، أو لصديق، أو لحلم، أو حتى لنسخة من أنفسنا كنا نظنها ستبقى. وكل وداع، وإن اختلفت ملامحه، لا يخلو من ذات الشعور: غصة، ونظرات مليئة بالحزن، وخُطى تتباطأ عند آخر لحظة، كأنها تتمنى البقاء، رغم أن البقاء لم يعد خيارا مطروحا نهائيا.
كثيرا ما نُحمل الفراق عبء الانتهاء، وكأنه السطر الأخير في رواية، أو الباب المغلق الذي لا يُفتح من جديد، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا. فالفراق في جوهره ليس فقط نهاية، بل هو تحول وانتقال من مرحلة إلى أخرى، ومن شخصية إلى شخصية مغايرة تماما؛ لحظة فاصلة بين ما كنا نعرفه، وبين ما سنُصبح عليه بعد هذا الانفصال.
من ذا الذي لم يختبر طعم الرحيل؟ من لم يُفجع بصورة لم تعد تُشبه الذاكرة، أو بمكان غاب عنه من كان يمنحه الحياة؟ نعود أحيانا إلى الأماكن ذاتها، فندرك أن ما كان يمنحها المعنى لم يكن الجدران، ولا التفاصيل، بل الأشخاص. وصدق من قال: "الأماكن بالأشخاص، لا بالبنيان".
ربما نصل يوما إلى اللحظة التي يتوقف فيها الحنين، لا لأنه انتهى، بل لأنه استنزفنا طويلا، وشتت تركيزنا، وضيع علينا فرصا كثيرة.
إنه إدراك مرير، لكنه حقيقي: أن كل ما بنيناه بوجود الآخرين يتهاوى بانسحابهم، لا لأنهم كانوا كل شيء، ولكن لأنهم كانوا المعنى الذي نُسقطه على الأشياء. وهنا تكمن قسوة الفقد، لا في الغياب المادي فحسب، بل فيما يخلفه من فراغ رمزي.
حين ينتهي كل شيء، لا يبقى لنا إلا الذكرى، والذكرى -كما يعرفها كل من خاض تجربة وداع- لا تأتي على هيئة واحدة، أحيانا تكون عزاء، وأحيانا عبئا، وأحيانا تكون كليهما في آن واحد، نمسك بها رغم ثقلها، نحملها كما يحمل المسافر حقيبة لا يستطيع أن يتخلى عنها رغم عنائها؛ لأن في الذكرى جزءا منا، من ذلك «نحن» الذي كان ذات يوم. ورغم الألم نتمسك بها، لأن النسيان -ببساطة- يعني فقدان معنى وجودنا في تلك المرحلة.
والنسيان ليس خيارا سهلا، مهما أقنعنا أنفسنا بذلك؛ فالقلب لا يُبرمج على المسح، والذكريات لا تُمحى بالقرار.
كيف ننسى من كانت لحظاته في حياتنا ضوءً لا يُطفأ بسهولة؟ كيف ننسى من رأينا الوجود جميلا من خلاله؟ المشكلة أن الذاكرة لا تُطيع، وأن الحب -حين يولد بصدق- لا يموت بقرار.
نحن لا نُشفى كليا، لكننا نتكيف.. نُعيد تشكيل أنفسنا، نرمم تصدعات القلب، نُغلق أبوابا ونفتح أخرى، وربما نُحب من جديد حُبا قويا لا يشبه سابقه، لكنه لا يمحوه؛ لأن بعض الحب لا يُبدل.
وربما نصل يوما إلى اللحظة التي يتوقف فيها الحنين، لا لأنه انتهى، بل لأنه استنزفنا طويلا، وشتت تركيزنا، وضيع علينا فرصا كثيرة.. لحظة نقرر فيها أن نحمي قلوبنا من التآكل، ولو بثمن النسيان الكامل.
لكن الألم أحيانا لا يفسح لنا الطريق حتى إلى النسيان.. فالعقل يقول شيئا، والقلب يسير في طريق آخر، وتصبح الروح نفسها ساحة صراع بين ما نريده وما نشعر به.
هي لحظة تفقد فيها القدرة حتى على الحسم؛ فلا أنت قادر على التذكر، ولا على النسيان! لا تقوى على المضي، ولا تملك شجاعة الرجوع! إنها الحيرة التي تمزق الداخل وتترك القلب في خدر لا ينتهي. ورغم كل هذا، يبقى السؤال: هل نُشفى؟
ليس تماما، نحن لا نُشفى كليا، لكننا نتكيف.. نُعيد تشكيل أنفسنا، نرمم تصدعات القلب، نُغلق أبوابا ونفتح أخرى. وربما نُحب من جديد حُبا قويا لا يشبه سابقه، لكنه لا يمحوه؛ لأن بعض الحب لا يُبدل، وبعض الذكرى لا تُنسى. بعض العلاقات تترك فينا أثرا يتجاوز منطق البداية والنهاية.
في كل مرة ننكسر، نتشكل من جديد، في كل مرة نفقد، نكتشف أنفسنا بشكل أعمق! وربما يكون هذا، في النهاية، هو معنى الفراق: ليس أن نخسر الآخر، بل أن نربح أنفسنا.
حين نصل إلى خط النهاية نتباطأ، كأن شيئا فينا يرفض الاعتراف بأن هذه هي النهاية! نلتفت إلى الوراء، نحاول تخزين المشهد الأخير، نهمس لأنفسنا: "عل الذكرى تكون كافية"، ونمضي.
نعم، لقد انتهينا، لكن الإنسان لا يتوقف عند الفقد.. في كل مرة ننكسر، نتشكل من جديد، في كل مرة نفقد، نكتشف أنفسنا بشكل أعمق! وربما يكون هذا، في النهاية، هو معنى الفراق: ليس أن نخسر الآخر، بل أن نربح أنفسنا.