من درر العلامة ابن القيم عن الغناء والسماع(1) فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،
من درر العلامة ابن القيم عن الغناء والسماع(1)
فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فالغناء من الموضوعات التي تكلَّم عنها العلَّامة ابن القيم رحمه الله في عدد من كُتُبه، وقد جمعتُ بفضلٍ من الله وكرمه بعضًا مما ذكره.
الغناء ينبت النفاق في القلب:
قال ابن مسعود رضي الله عنه: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل.
وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه، فإنه ما اجتمع في قلب محبة الغناء ومحبة القرآن إلا وطردت إحداهما الأخرى، وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبرُّمَهم به، وصياحهم بالقارئ إذا طول عليهم، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرؤه، فلا تتحرك ولا تطرب ولا يهيج منها بواعث الطلب، فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله، كيف تخشع منهم الأصوات، وتهدأ الحركات، وتسكن القلوب وتطمئن، ويقع البكاء والوجد، والحركة الظاهرة والباطنة، والسماحة بالأثمان والثياب، وطيبُ السهر وتمنِّي طول الليل!
فإن لم يكن هذا نفاقًا فهو آخِيَّة النفاق وأساسه.
ما ظهرت المعازف في قوم وفَشَتْ فيهم إلا سُلِّط عليهم العدو:
الذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سُلِّط عليهم العدو، وبُلُوا بالقحط والجدب وولاة السوء، والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله المستعان.
الغناء يُلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبُّره:
اعلم أن للغناء خواصَّ لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء، فمن خواصِّه: أنه يُلهي القلب ويصدُّه عن فهم القرآن وتدبُّره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا؛ لما بينهما من التضاد، فإن القرآن ينهى عن اتِّباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله ويحسنه ويُهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويُحرِّكها إلى كل قبيح.
حكم الغناء عند الأئمة الأربعة:
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه في تحريم السماع:
أما مالك فإنه نهى عن الغناء، وعن استماعه...وسئل عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما بفعله عندنا الفساق.
وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب.
وأما الشافعي فقال: إن الغناء لهو مكروه، يُشبه الباطل والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه تُرَدُّ شهادتُه.
وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حِلَّه.
وأما مذهب الإمام أحمد، فقال عبدالله ابنه: سألت أبي عن الغناء. فقال: الغناء يُنْبِتُ النفاق في القلب.
سماع الغناء من المرأة الأجنبية:
وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمرد فمن أعظم المُحرَّمات وأشدها فسادًا.
سماع الغناء من مكايد الشيطان:
من مكايد عدوِّ الله ومصايده التي كاد بها من قَلَّ نصيبُه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المُحرَّمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المُنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسَّنه لها مكرًا منه وغرورًا، وأوحى إليها الشُّبَه الباطلة على حسنه، فقلبت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجورًا. مزامير الشيطان أحبُّ إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوَّلِه إلى آخره لما حرَّك له ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا أثار فيه وجدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندًا، حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.
صوت القرآن وصوت الغناء:
صوت القرآن يُسكِّن النفوس ويُطمئنها ويُوقرها، وصوت الغناء يستفزها ويُزعجها ويُهيجها،...فتبارك من جعل كلامه شفاء لصدور المؤمنين، وحياةً لقلوبهم، ونورًا لبصائرهم، وغذاءً لقلوبهم، ودواءً لأسقامهم، وقرةً لعيونهم، وفتح به منهم أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا...فأشرقت به الوجوه، واستنارت به القلوب.