حياة مؤجلة! الخطبة الأولى الحمد لله ربِّ العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه
الحمد لله ربِّ العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الأحِبَّة في الله، حديثنا اليوم عن سجنٍ يسكنه كثيرٌ من الناس، سجنٍ لا جدران له ولا قيود، ولكنه أقسى من الحديد، وأشدُّ من الأغلال، إنه سجن الأفكار السلبية، والظنون والأوهام التي يعيد الإنسان تدويرها في عقله حتى تصير حبسًا يمنعه من الفرح والسكينة والرضا.
كم من إنسانٍ يعيش بين الناس ولكنه في داخله سجينٌ! سجينُ فكرة أنه فشل، أو أنه غير محظوظ، أو أن السعادة بعيدة عنه. يعيش في ظلال الخيبات القديمة، والأحزان الماضية، وينسى أن الله قال: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11].
فالهداية هنا- كما قال العلماء- هي طمأنينة القلب بالرضا، لا بالاعتراض، والتسليم لا بالجزع.
أيها الإخوة، إن أكثر ما يؤذي الإنسان ليس ضجيج الحياة، ولا قسوة الناس، وإنما تلك الأفكار التي يكررها في ذهنه كل يوم، كمن يحمل حجرًا ثقيلًا في قلبه لا يريد أن يضعه. يعيش ينتظر كلمة من أحدٍ، أو التفاتة من قريبٍ، أو رضا من بشرٍ، وينسى أن الطمأنينة لا تُستورَد من الخارج، بل تُستخرَج من الداخل، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].
إن القلوب يا عباد الله لا تسكن بالمال، ولا بالجاه، ولا بالمنصب، وإنما تسكن حين توقن أن كل ما يجري بحكمة الله وعدله ورحمته؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ! إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إلا للمُؤْمِنِ؛ إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»؛ (رواه مسلم).
يا من أثقلت قلبه الهموم، لا تجعل أفكارك تسرق منك عمرك. كم من إنسانٍ يعيش مؤجلًا، يربط ابتسامته بالغد: حين أتزوَّج سأفرح، حين أنجح سأرتاح، حين أترقَّى سأهدأ! لكنه لا يدرك أن الغد لا يأتي كما يشتهي، وأن الانتظار المستمر يسرق منه الحاضر لحظةً بلحظة.
وكم من موظفٍ قال: حين أستقر ماليًّا سأبرُّ والديَّ كما ينبغي، فمضت السنون وضاعت الفرص ولم يبرَّ!
وكم من زوجةٍ قالت: سأهتمُّ بزوجي وأهلي حين يهدأ بالي وتتحسَّن ظروفي، فمضى العمر والقلوب بعد لم تلتقِ!
وكم من شابٍّ قال: حين أجد الوقت سأتقرَّب إلى الله، وأصلِّي بخشوع، وأقرأ القرآن بانتظام، فطال الانتظار ولم يأتِ ذلك اليوم!
عباد الله، هذه أمثلة من واقعنا نعيشها كل يوم، نؤجل الفرح، ونؤجل العمل، ونؤجل الطاعة، وكأن بين أيدينا ضمانًا للعمر! بينما الحياة تمضي، والفرص تتساقط، والقلوب تزداد جفافًا.
فالمؤمن لا يعلِّق سعادته على شيءٍ مؤقت، ولا يجعل فرحه مرهونًا بزوال الهموم، بل يفرح بنعمة الإيمان، وبما بين يديه من فضل الله. فكم من نعمةٍ بين أيدينا لا نراها إلا حين تزول!
أيها الأحبَّة الكرام، تعالوا نخفِّف عن أنفسنا، ونتعلَّم أن الحياة ليست غدًا ولا بعد حين، الحياة هي الآن، في نفسٍ يتردد، وفي نعمةٍ تغمرك، وفي صلاةٍ تقيمها بخشوعٍ، وفي لحظةٍ تذكر الله فيها فتستريح؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألَّا تَزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم»؛ (متفق عليه).
فمَنْ عرَف قدر ما عنده، زال عنه قيد المقارنة، وذاق طعم الرضا، وسكن قلبه السلام.
عباد الله، إن المؤمن إذا نظر إلى الحياة بعين الإيمان، رأى فيها ساحة عبور لا دار خلود، فلا يُرهقه قصرها، ولا يُعميه بريقها، بل يعيشها بحكمة واتزان. يفرح بما رزقه الله، ويعمل بما يستطيع، ويترك ما لا يقدر عليه، ويقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»؛ (رواه مسلم).
فلا تنتظر أن تتهيَّأ الظروف لتبدأ حياةً جديدةً، بل ابدأ الآن بما تستطيع، في طاعة الله، وبرَّ والديك، والإحسان للناس، وبالرضا عن ربك.
قلت قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.