خطبة جمعة عن "الهواتف والإنترنت ووسائل التواصل" الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن لا
الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى أهل بيته وأزواجه وذريته، أما بعد:
فاتقوا الله يا عباد الله، واعلموا أن التقوى خيرُ زاد للقاء الله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
أيها المسلمون، لقد امتنَّ الله علينا بنعمٍ كثيرةٍ ظاهرةٍ وباطنةٍ، دينيةٍ ودنيويةٍ، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]، سخَّر الله لنا كل شيء في الكون من أجل طاعته وعبادته، ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20]، ومِنْ شُكرِ اللهِ أن يستخدم الإنسانُ نِعَمَ اللهِ في المباحات، ولا يعصي الله بما أنعم عليه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 243].
أيها الناس، إنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ علينا في هذا الزمان نعمةَ الجوَّالات والإنترنت، تُقرِّب البعيد، وتتصل بمن تريد، وتتواصل بالقريب والصديق، وتعرف أخبار العالم، وتتعلم ما ينفعك في دينك ودنياك، وتنتفع بالبرامج المناسبة، وتستطيع أن تنشر الخير في وسائل التواصل المتنوعة، لكن أكثر الناس أساءوا استخدام هذه النِّعَم، فاستعملوها في المعاصي والشرور والشهوات والشبهات والفِتَن، وضلَّ بسببها كثيرٌ من الناس رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، واتَّبعوا خطوات الشيطان، ﴿ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [النور: 21].
كم ضاع بسبب الهواتف والإنترنت والشاشات من شباب وشابات! كم فيها من ضياع للأوقات! كم حصل بسببها من طلاق وخلافات!
أيها المسلمون، من أعظم أضرار الإنترنت ووسائل التواصل المتنوعة: ضياعُ الأوقات بسببها، والإدمانُ عليها، صار كثير من الناس رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، مدمِنين للجوالات، ومفتونين بالإنترنت والشاشات، فيا حسرة على العباد!
عُمرُك أيها الإنسان يَمضي يومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر، وسنةً بعد سنة، فاغتنم حياتَك قبل موتِك، وشبابك قبل هَرَمِك، لا تُبَعثِر أوقاتك في الملهيات والمغريات، ولا تكن ممن يتابعُ الأشرار، ويتواصل مع الفجَّار، ويبحث عن الأفلام الهابطة، والصور الخليعة، والمواقع الإباحية، وبعضهم يصل به الحال إلى الفسوق والعصيان، وربما إلى الكفر والإلحاد، بسبب متابعةِ الفسَقةِ الفَجَرة، وشياطينِ الإنسِ الضَّالين المضلِّين، ﴿ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ [البقرة: 221] بأحوالهم وأقوالهم وأفعالهم، ومن تشَبَّه بقومٍ فهو منهم، ساءتِ الأخلاق، وشاعتِ الفواحش، وانتشرتِ الجرائم؛ بسبب مشاهدةِ الأفلامِ الخليعة، والمسلسلاتِ الماجِنة، والدخولِ في المواقع المحرَّمة، والتواصلِ مع الذين في قلوبهم مرضٌ من الرجال والنساء الغافلين والغافلات، ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 27، 28].
لماذا تجرَّأَ كثيرٌ من الناس على المحرمات، وتهاونوا على المحافظة على الصلوات؟!
إنه بسبب هذه الفتنة العظيمة: فتنةُ الجوالات والإنترنتِ وألعابِ الشبكة، ووسائلِ التواصل المختلفة، ضعُف الإيمان، وقلَّ الحياء، واعتاد كثير من الناس السهر فضيَّعوا صلاة الفجر في وقتها، ووصل الحال ببعضهم إلى ترك الصلوات، وهجر الجمعة والجماعات، وأعرضوا عن تلاوة كتاب الله، وابتعدوا عن عبادة الله الذي خلقنا لعبادته، فما أعظمها من فتنة!
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم: 59]، يا ويلهم من اللهِ العظيمِ الجبَّار، هو يراهم ويُمهلهم، ويذرُهم في طغيانهم يعمهون، وفي خوضِهم يلعبون، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدرٍ فيندمون، ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100].
أيها المسلمون؛ إدمانُ النظرِ في الهواتف والإنترنت وألعاب الشبكة ومقاطع الفيديو المتنوعة يسبب أضرارًا صحية ونفسية وعصبية وعقلية، وقد حذَّر الأطباء من خطورة الإكثارِ من استعمال الهواتف والإنترنت على صحة الإنسان وعقله وتفكيره ودماغه! وذكروا أنَّ المقاطع القصيرة تؤثِّر في طبيعةِ الإنسان ومزاجِه، ينظر مقطعًا يتعجبُ منه، ثم مقطعًا يُفرِحه، ثم مقطعًا يُحزنه، ثم مقطعًا يُحيِّره، ثم مقطعًا يُضْحِكه، ثم مقطعًا يُخيفُه، كلُّ هذا خلالَ دقائقَ معدودة، يتنَقَّل نظره وعقله بين الشرق والغرب، ويتغيَّر مزاجُه وتفكيرُه عدة مراتٍ في جلسة واحدة بسبب مشاهدة تلك المقاطع المختلفة المتنوعة، فتهتزُّ مشاعرُه ونفسيتُه هزًّا، ويتبلدُ إحساسُه تَبَلُّدًا؛ مما يسبب له الغَباءَ والخُمولَ والكسل واللامبالاة، ويؤثر في دراسته وعمله وتفكيره، وإدمانُ ذلك يصيبه بالأمراض النفسية والعصبية والعقلية.
أيها المسلمون، الحذرَ الحذرَ من مفاسد الجوَّالات والإنترنت ووسائل التواصل المختلفة، فهي فتنةُ العصر الكبرى، وفيها كلُّ شرٍّ وبلوى، وشرُّها أكثرُ من خيرها، فاستعْمِلها بحذرٍ شديدٍ، بقدر الحاجة ولا تزيد، ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]، ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحِكمة، وأسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.