أدبُ الانتظار…
التأخيرُ بذاته ليس المشكلة؛
المشكلة ما الذي يصنعه التأخيرُ فيك.
قد تنتظر وأنت أقربُ إلى الله،
وقد تنتظر فتتآكل من الداخل دون أن تترك طاعةً واحدة.
حديثُنا هنا ليس عن طول الزمن،
بل عن لحظة انقلابٍ خفيّة:
حين يتحوّل
الانتظار من أدبٍ مع الله إلى عتابٍ مكتوم،
ومن دعاءٍ محبّ إلى مطالبةٍ مُتعبة.
ولذلك لا تخدع نفسك حين تقول: “أنا صابر”.
فالصبر لا يُقاس بعدد الأيام،
بل بما يحدث للقلب كلما طال الطريق.
في البداية تبدو علاقتك بالله مستقيمة:
دعاءٌ حاضر، وطاعةٌ قائمة، وثقةٌ مُعلَنة؛
ويصير
الانتظار مساحةَ عبوديةٍ تكشف صدق الاعتماد بلا ضجيج.
غير أنّ طول الطريق لا يختبر الجوارح
بقدر ما يختبر “النبرة” في الداخل.
ومع امتداد الزمن قد يبدأ انحرافٌ لا صوت له:
لا تقع في معصيةٍ ظاهرة، ولا تترك طاعةً لازمة؛
لكن نبرة القلب تتبدّل. يتراجع صفاء التسليم،
وتدخل النفس منطقة “الإنهاك”،
فتتعامل مع
الانتظار كضغطٍ متراكم…
لا كتربيةٍ تُنضجها الأيام.
وهنا يأتي المشهد الصغير الذي يفضح التحوّل بلا صخب:
ترفع يديك بالدعاء، لكن الفرق الدقيق خطير.
كان الدعاء مناجاةً لأن القلب خضع وأحبّ القرب؛
ثم يصير في لحظةٍ ما محاولةً أخيرة لإزاحة الواقع
كما يُزاح الباب العالق.
تقول النفس في الداخل —دون لفظ—:
ما عدت أحتمل هذا الطول.
ومن هذا التحوّل الدقيق تتشكّل اللحظة الفاصلة:
يتحوّل
الانتظار من سكونِ عبوديةٍ إلى اختبار أعصاب،
ومن تسليمٍ ساكنٍ إلى ترقّبٍ مشروط.
لا يعود سؤال: “متى يا رب؟” سؤالَ رجاءٍ لطيف؛
بل يتسلّل سؤالٌ آخر في الخفاء:
لماذا طال؟ ألم أفعل ما يكفي؟ وهذا السؤال —إذا استقر— لا يكون دعاءً…
بل شعورَ استحقاقٍ متخفّيًا بثياب الدعاء.
وعند هذه النقطة ينقلب الصبر الذي تظنه عبادةً إلى تحمّلٍ مؤقّتٍ بانتظار “الدفع”.
لا تنتظر فضلًا فحسب؛ بل تنتظر مقابلةً على صبرك.
ولا ترى التأخير اختيارًا حكيمًا؛ بل خللًا يحتاج تفسيرًا على مقاسك.
ثم تظهر العلامة الكاشفة التي لا تخطئها البصيرة إذا صدقت:
أن تشعر في داخلك أن الحكمة يجب أن تُفهم الآن،
وأن التأخير لا يُقبَل بلا شرح؛ وكأن العبودية عقدٌ محدّد الأجل،
إن طال عن تصورك احتجّت النفس بصمت. هنا لا تنكسر الطاعة في الظاهر،
لكن المقام يتغيّر دون أن تشعر: من عبدٍ ينتظر… إلى مراقبٍ يُقيّم…
إلى طرفٍ صامتٍ لا يرفع صوته، لكنه يدوّن في الداخل “ملاحظاته”.
ومتى دخل القلب هذه المنطقة بدأ الثمن يظهر على هيئة جفافٍ
لا تفسير له: تثقل الطاعة بلا سببٍ ظاهر،
ويجفّ الدعاء من لذّته، ويصير الذكر مجرّد تهدئةٍ داخلية،
ويتحوّل الصبر إلى عبءٍ يُحتمل… لا عبادةٍ تُحَبّ.
لا لأن لطف الله انقطع عنك؛ بل لأن القلب غادر مقام الأدب إلى مقام المحاكمة.
اسمعها بوضوح: من استرسل مع ظنون السوء بالله عند التأخير،
يصعب عليه أن يُحسن الظن به عند العطاء.
سيرى الفرج “تعويضًا” لا “فضلًا”، والنعمة “حقًا” لا “منةً”؛
لأن القلب اعتاد قراءة أفعال الله بمنطق المقابل… لا بمنطق العبودية.
ومن هنا يعود الميزان إلى موضعه الصحيح: الصبر الحقيقي
ليس أن تبقى واقفًا فحسب، بل أن يبقى قلبك في مكانه الصحيح؛
ألا يتحوّل
الانتظار إلى محاكمة، ولا الدعاء إلى ورقة ضغط، ولا الطاعة إلى وسيلة إثبات.
أن تبقى عبدًا متأدبًا… حتى وأنت متألم.
والخاتمة التي لا تسمح لك بالهرب:
إن طال الطريق ولم يتغيّر أدبك مع الله، فأنت ناجح…
ولو لم يصل الفرج.
أمّا إن وصل الفرج بعد أن تغيّر قلبك،
فقد خسرت أعظم ما في الطريق وأنت تظن أنك ربحت النهاية.