الخطبة الأولى الحمد لله مُعلِّم الناس الخير، والحمد لله الذي أكرم الخلق بالنطق على الغير، وأوضح لهم المنهج بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وترك الناس على الهدى والحق المبين، والصلاة والسلام
الحمد لله مُعلِّم الناس الخير، والحمد لله الذي أكرم الخلق بالنطق على الغير، وأوضح لهم المنهج بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وترك الناس على الهدى والحق المبين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، صاحب الغرة والتعجيل صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين وأصحابه من الأنصار والمهاجرين، ومن أحبهم وتبعهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الإنسان بين إفراط وتفريط، ولا يوفق إلى سلوك الطريق المستقيم الخالي من اعوجاج الجفاء وإسراف التفريط إلا مَنْ وفَّقَه الله إلى الطريق المستقيم آخذًا بمنهج رب العالمين، قال الجُرْجانيُّ: "الإفراطُ يُستعمَلُ في تجاوُزِ الحَدِّ من جانبِ الزِّيادةِ والكَمالِ"[1]، فقد يفرط المرء في معتقداته أو أقواله أو أفعاله، قال محمَّدُ بنُ عائشةَ: "ما أمَرَ اللَّهُ تعالى عبادَه بأمرٍ إلَّا وللشَّيطانِ فيه نزعتانِ: فإمَّا إلى غُلُوٍّ، وإمَّا إلى تقصيرٍ، فبأيِّهما ظَفِرَ قَنِع"[2].
• فهذا نبي الله عيسى أبغضته اليهود، وفرَّطت في حقه، فسعوا في قتله والتشفي منه بصلبه، فأنجاه الله من كيدهم، وهذه النصارى أفرطت في رفعه فوق حقه حتى ألهته، وجاء أهل الإسلام فنبذ مقت يهود وغلو النصارى، فقالوا: نبي عزيز، ورسول كريم، وعبد لله العزيز الحكيم.
• والغلو في الدين والتجاوز به الحد المطلوب من لدن علام الغيوب هلكة، وقد كان لهذه الأمة فيما سلف عبرة وعظة، فعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إيَّاكم والغُلُوَّ في الدِّينِ؛ فإنَّما هلَك مَن كان قبلَكم بالغُلُوِّ في الدِّينِ))[3].
• وذلك أن دين الله إنما وضع لعباد الله ليقموا على شريعته بما في وسعهم وطاقتهم، فجعل للعزائم أحوالًا، والرخص في أحوال أخرى، وأسقط بعض الواجبات والأركان لعوارض حادثة؛ كل ذلك من أجل بقاء الناس على عبادة ربهم بيسر وقبول، فإذا حدث الغلو ترك القرآن وتركت السُّنَّة، وذهب الناس إلى عبادة الهوى، وتلقَّوا دينهم ممن يرضي هواهم ويُلَبِّي شهواتهم.
• والعبادة رغم مقامها العظيم في نفوس أهل الإيمان فإنها تحتاج إلى عناية؛ فتعرف الواجب وتقيمه على ما تستطيع بلا إفراط ولا تفريط، وتأتي على النوافل فتأخذ منها ما تستطيع الدوام عليه ولا تزد.
فعن عبدالله بن عمرو قال: ((قالَ لي رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يا عَبْدَ اللَّهِ، ألَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهارَ، وتَقُومُ اللَّيْلَ؟، فَقُلتُ: بَلى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فلا تَفْعَلْ، صُمْ وأَفْطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ بحَسْبِكَ أنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فإنَّ لكَ بكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها، فإنَّ ذلكَ صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قالَ: فَصُمْ صِيامَ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، ولا تَزِدْ عليه، قُلتُ: وما كانَ صِيامُ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ؟ قالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ، فَكانَ عبدُاللَّهِ يقولُ بَعْدَ ما كَبِرَ: يا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم))[4].
• إن التمسك بدين الله يحتاج إلى مجاهدة ودربة، ولا أحد يستطيع أن يتعمق في هذا الدين ويصبح له إمامته وشرفه إلا بملازمة الرفق وأخذ الأمر بالسهولة واليسر على مدى الليل والنهار؛ ففي حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ هذا الدِّينَ متينٌ فأوغِلوا فيه برفقٍ))[5].
• فلا تشتدَّ في أمر من أمور العبادة قد جعل الله لك فيها يسرًا وسماحةً، وخذ ما تستطيع وتقبل عليه نفسك ((فإنَّ المُنبَتَّ لا أرضًا قطعَ، ولا ظَهرًا أبقى))[6].