الحمد لله ذي الجلال والإكرام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحليم العظيم الملك العلَّام، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحليم العظيم الملك العلَّام، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسولُه سيد الأنام، والداعي إلى دار السلام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، أما بعد:
• إن الغلو والإفراط داء عضال من أشرب هواه منه لم يروَ، ومن أكل من جيفته لم يشبع، هلاك في الدنيا وعذاب في الآخرة، نجمل هذا في قضايا:
أولاً: الغلو وقود هلكة المرء في دينه ومعاشه؛ في حديث عن عبدالله بن مسعود: ((ألا هلكَ الْمُتَنَطِّعونَ، ألا هلَكَ المتنطِّعونَ، ألا هلكَ المتنطِّعونَ))[7]، قال النَّوويُّ: («هَلَك المتنَطِّعون»؛ أي: المتعَمِّقون الغالون المجاوِزون الحدودَ في أقوالِهم وأفعالِهم)[8].
ثانيًا: الجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدًا، عن أنس بن مالك أنَّ رسولَ اللهِ- صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ- كان يقولُ: ((لا تُشَدِّدُوا على أنفُسِكم؛ فيُشَدِّدَ اللهُ عليْكُمْ، فإِنَّ قومًا شدَّدُوا على أنفُسِهم، فشدَّدَ اللهُ عليهم، فتلْكَ بقاياهم في الصوامِعِ والديارِ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتبْناها عَلَيْهِمْ))[9].
ثالثًا: ما من بدعة عرفت سبقت أو لحقت إلا وجدتَ سببها إفراطًا أو تفريطًا؛ أفرط النصارى فجعلوا عيسى آلهًا، وأفرط الصوفية حتى جعلوا الوليَّ فوق النبي، وأفرط القدرية حتى نسبوه لأنفسهم، وأفرط الجبرية حتى قالوا: العبدُ مجبورٌ على أفعالِه مقسورٌ.
فالإفراط مذموم على كل حال، وفي كل اعتقاد وفعل ومقال.
الدعاء...
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنَّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعلهما الوارث منا ونحن عبيدك الضعفاء، فاقصف من يظلمنا، ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
[3] أخرجه مطوَّلًا: النسائي (3057)، وابن ماجه (3029) باختلاف يسير، وأحمد (1851) واللفظ له. صحَّحه ابنُ حبان في ((صحيحه)) (3871)، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (24/ 428)، وابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/ 327)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (1/ 231)، والألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (3057).
[4] (صحيح البخاري) (1975) أخرجه مسلم (1159).
[5] أخرجه أحمد (13052)، والخلال في ((المنتخب)) (35)، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (2115) واللفظ لهم. وحسنه الألباني (صحيح الجامع)، وقال شعيب الأرناؤوط (تخريج المسند لشعيب): حسن بشواهده.
[6] روى حديث لكن ((فيه اضطراب، وروي موصولًا ومرسلًا ومرفوعًا وموقوفًا واضطراب في الصحابة؛ هل عائشة أو جابر أو عمر؟ ورجح البخاري في التاريخ إرساله - جابر، الصنعاني (التنوير شرح الجامع الصغير) ((4/ 143)).
[7] أخرجه مسلم (2670) مع اختلاف يسير.
[8] ((شرح النووي على مسلم)) (16/ 220).
[9] أخرجه أبو داود (4904)، وأبو يعلى (3694)، وحسنه الألباني في هداية الرواة، وقال شعيب الأرناؤوط (تخريج سنن أبي داود): حسن لغيره.