الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، وأُصلي وأُسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى في السرِّ والعَلَن، فهي سبب عظيم لتنفيس الكُروب، وتفريج الضوائق، وبسط الأرزاق، وحلول الأمن، كما قال العزيز الرحيم: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾[الطلاق: 2، 3].
أيها المسلمون، من لطائف السنة ودررها وهداياتها ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن الصحابي الجليل عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: "سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ حتَّى أوَوُا المَبِيتَ إلى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عليهمُ الغَارَ، فَقالوا: إنَّه لا يُنْجِيكُمْ مِن هذِه الصَّخْرَةِ إلَّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ بصَالِحِ أعْمَالِكُمْ، فَقالَ رَجُلٌ منهمْ: اللَّهُمَّ كانَ لي أبَوَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ، وكُنْتُ لا أَغْبِقُ قَبْلَهُما أهْلًا ولَا مَالًا، فَنَأَى بي في طَلَبِ شَيءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عليهما حتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لهما غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُما نَائِمَيْنِ وكَرِهْتُ أنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُما أهْلًا أوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ والقَدَحُ علَى يَدَيَّ، أنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا ما نَحْنُ فيه مِن هذِه الصَّخْرَةِ؛ فَانْفَرَجَتْ شيئًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ. وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لي بنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ، فأرَدْتُهَا عن نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حتَّى ألَمَّتْ بهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فأعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ ومِئَةَ دِينَارٍ علَى أنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وبيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حتَّى إذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، قالَتْ: لا أُحِلُّ لكَ أنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إلَّا بحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وهي أحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، وتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذي أعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ؛ فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غيرَ أنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ منها. وقالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فأعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غيرَ رَجُلٍ واحِدٍ تَرَكَ الَّذي له وذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ منه الأمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أدِّ إلَيَّ أجْرِي، فَقُلتُ له: كُلُّ ما تَرَى مِن أجْرِكَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَسْتَهْزِئُ بي! فَقُلتُ: إنِّي لا أسْتَهْزِئُ بكَ، فأخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ منه شيئًا، اللَّهُمَّ فإنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ؛ فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ".
أيها المؤمنون، ورد في الحديث لفظ: "الغار"، وهو الكهف أو الفتحة في الجبل، وقول أحد الثلاثة: "لا أغبق قبلها"؛ أي: لا أُقدم عليهما أحدًا في شرب لبن العشي، وهذا كناية عن شدة بِرِّه بوالديه، وقول أحدهم: "حتى ألمت بها سنة من السنين"؛ أي: لحقت بها شدة وحاجة في إحدى السنوات، وقول المرأة: "لا أحِل لك أن تفضَّ الخاتم إلا بحقه"؛ أي: لا تجامع وتزيل غشاء البكارة إلا بالحلال وهو الزواج.
وقد احتوت أيها الفضلاء هذه القصة من السُّنَّة على فوائد وهدايات مباركة، نقف معها بشيء من الاختصار:
أولًا: أن الأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى في الرخاء واليُسْر تنفع صاحبها عند الشدة والكرب في أمور الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم في وصيته لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما: "تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة"؛ رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ سَرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء"؛ رواه الترمذي والحاكم، ومما يدل على أن العبادة والدعاء في الرخاء تنفع صاحبها عند الشدة والكرب، ما أخبر تعالى عن نبيِّه يونس عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴾ [الصافات: 143]؛ يعني: قبل البلاء والشدة التي أصابته، بخلاف فرعون لما كان عاصيًا متجبرًا حال رخائه لم يُنْجِه اللَّجَأ عند كربه وشدته، كما قال تعالى: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ [يونس: 91]، وقد ذكر الله تعالى أن سبب استجابته لزكريا عليه السلام حين سأله الولد مع شدة حاجته إليه وقيام الموانع من كبر سِنِّه وامرأته عاقر، هو ما سبق منه وزوجه من الأعمال الصالحة، فقال: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 89، 90]، فعاقبة العمل الصالح الخالص طيبة مباركة لصاحبها في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة إلا إذا كان خالصًا لوجه الله تعالى، لا يُراد به شيء من حظوظ الدنيا وزخرفها وثناء الناس أو مدحهم، فمن شاب عمله بشيء من ذلك فقد خاب وخسر، وأحبط عمله وضيَّعه، ولم يكن له سبيل لتفريج الهمِّ وتنفيس الكرب وإجابة الدعاء وتحقيق الرجاء، فإن من لوازم الفوز بذلك الإخلاص والصدق في العمل الصالح بابتغاء وجه الله تعالى فيه؛ ولهذا كان كل واحد من الثلاثة يختم ذكره لعمله الصالح بقوله: "اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ"، وقد جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالَ: "أرأيتَ رجلًا غزا يلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ، ما لَهُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: "لا شيءَ لَهُ، فأعادَها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ لَهُ رسولُ اللَّهِ: لا شيءَ لَهُ، ثمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا، وابتُغيَ بِهِ وجهُهُ"؛ رواه النسائي بإسناد صحيح.
ثالثًا: مشروعية التوسُّل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة الخالصة عند الدعاء؛ إذ إن ذلك من الوسيلة المشروعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أما التوسُّل والتوجُّه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار، فهو من الوسيلة التي أمر الله بها، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ [المائدة: 35]، وقد ورد في الكتاب العزيز ما يدلُّ على مشروعيته، من ذلك ما جاء في دعاء المؤمنين بالتوسُّل إلى الله تعالى بالإيمان والتوحيد، قال تعالى حاكيًا دعاءهم: ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 53].
رابعًا: أن الدعاء بصالح العمل الخالص لوجه الله تعالى سبب عظيم لتفريج الهم، وتنفيس الكرب، وقضاء الحاجة، وإجابة الدعاء، وما قصة هؤلاء الثلاثة إلا أحد الشواهد المصدقة لذلك.
خامسًا: فضل برِّ الوالدين وتقديمهما وما يسرهما على النفس والزوج والولد والمال؛ إذ إن عاقبة البر حميدة في الدنيا والآخرة، وهو من الأعمال الصالحة التي تُفرج بها الكُرب، ويُستجاب بها الدعاء، وتُزال بها الهموم والأحزان.
سادسًا: عِظَم منزلة الخوف من الله تعالى ومراقبته وخشيته في السر، والعاقبة الحميدة لأهلها الملازمون لها.
سابعًا: العفة عن المحرمات وخاصةً الكبائر، ومنها الزنا، مع قيام داعيه والقدرة عليه عاقبة صاحبه حميدة في الدارين، فالموفق لهذا العمل الصالح من السبعة الذين يظلُّهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله، قال صلى الله عليه وسلم: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، فَقالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"؛ رواه البخاري، ومن تأمل قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز حين راودته عن نفسه بطلب الفاحشة مع قيام الدواعي والمرغبات في الوقوع في المحرم إلا أنه امتنع خوفًا من الله تعالى وخشيةً وحياءً منه، فاصطفاه الله سبحانه وجعله من عباده المخلصين.
ثامنًا: حفظ الأمانة وأداء الحقوق للآخرين، وعدم بخسهم أشياءهم، والتحرز من حقوقهم من الأعمال الصالحة التي يُعجل لصاحبها الثواب في الدنيا قبل الآخرة، ولو علم من يأكل مال الأجير أو يظلمه ما رُتب على هذا الذنب من عقوبة ووعيد شديد لما جرؤ على ذلك، أو تهاون، قالَ اللَّهُ عز وجل في الحديث القدسي: "ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَومَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمَنَهُ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى منه ولم يُعطِه أجرَه"؛ رواه البخاري، فمن كان الله عز وجل خصمه فهل سينجو؟!
تاسعًا: أن التوسل بالعمل الصالح الخالص لوجه الله تعالى لا يُنقص أجر هذا العمل الصالح سواءً كان التوسل به لتحصيل أمر دنيوي أو أُخروي، فهو عمل صالح لم يُرد به ابتداءً شيئًا من الدنيا.
عاشرًا: لا حرج في تكرار التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح الواحد في أكثر من موقف ودعاء بحاجة دنيوية أو أُخروية.
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وحسن الاقتداء والاهتداء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.