خذلني من جعلته وطني، من أودعتُه أحلامي كما تُودَع الأمانات المقدّسة. لم يكن مجرد شخصٍ أحببته، بل كان معنىً بنيتُ عليه قلبي، وكان وعدًا صدّقته أكثر مما صدّقت
خذلني من جعلته وطني، من أودعتُه أحلامي كما تُودَع الأمانات المقدّسة.
لم يكن مجرد شخصٍ أحببته، بل كان معنىً بنيتُ عليه قلبي، وكان وعدًا
صدّقته أكثر مما صدّقت نفسي.
كنت أظن أن الحب يحمي، أن القرب يُنقذ، أن من نحبهم لا يكونون
سبب انكسارنا لكنه حطّم كل ما زرعته داخلي من أمل، كسر ضحكتي
وأطفأ تلك الشرارة التي كانت تجعلني أقاوم العالم.
تركني أرتّب حطامي وحدي، كأنني لم أكن يومًا أمانًا لقلبه
ولا صدقًا لروحه.
ما أصعب أن يُهزم الإنسان من الجهة التي كان يظنها مأمنه.
ما أقسى أن تُخان الثقة، لا بالكلام فقط، بل بالأفعال التي تترك ف
ي القلب ندوبًا لا تُرى.
جعلني أشك في نفسي، في قيمتي، في صدقي، وكأن
كل ما قدمته لم يكن كافيًا، أو لم يكن يُرى أصلًا.
أشعر أنني صرت جسدًا يمشي بلا روح، أبتسم للناس بينما داخلي
خراب. أتحدث وكأنني بخير، بينما قلبي يصرخ من ثقل الخيبة.
لم يؤلمني مافعل بقدر ما آذاني التحوّل كيف تحوّل الحب إلى عبء
والحنان إلى وجع، والذكريات إلى سكاكين صامتة.
هو لم يكسرني فقط بل أخذ معه نسختي القديمة.
تلك التي كانت تثق بسهولة، تحلم ببراءة، وتحب دون حساب.
الآن أنا أكثر صمتًا، أكثر حذرًا، وأقل إيمانًا بأن القلوب تُحسن الاختيار دائمًا.
ومع كل هذا الألم، ما زلت أتنفس لا لأنني قوية، بل لأن الحياة
لم تمنحني خيارًا آخر أحمل حزني في صدري، أتعلم كيف أعيش
معه، وكيف أرمم نفسي ببطء، رغم أن بعض الكسور لا تُشفى،
بل نتعايش معها.
هذا حزني لا أطلب شفقة، فقط أكتب كي لا أنفجر. أكتب لأن الألم
حين يُقال، يصبح أخف قليلًا، ولأن قلبي يستحق أن يُسمَع،
حتى لو لم يُفهَم.
رحل لا لأنه تعب، بل لأنه وجد عالمًا يشبهه أكثر عالمًا لا يحتاج فيه
إلى صدق، ولا يطالبه بالثبات، عالمًا لا يُحاسِب الخذلان ولا يفضح الأقنعة.
رحل حيث يمكنه أن يكون كما هو، بلا التزام، بلا خوف من كسر القلوب،
بلا شعورٍ بالذنب.
تركني خلفه أعدّ الخسائر، وأجمع شتات نفسي، وكأنني كنت محطة
مؤقتة في طريقه، لا وطنًا استحق البقاء.
أما أنا فلن أتبعه لن أطرق الأبواب التي أُغلقت في وجهي، ولن أركض
خلف من اختار الرحيل سأرحل أنا أيضًا، لكن إلى عالمٍ يشبهني عالم
لا يُجيد الخيانة، ولا يساوم على الكرامة، عالم أكون فيه صادقة دون
أن أدفع الثمن وجعًا.
سأذهب إلى حيث لا أضطر لتفسير نقائي، ولا أعتذر عن عمق
مشاعري، ولا أُقلّل من نفسي كي أبقى.
سأرحل إلى عالمٍ أتنفس فيه دون خوف من الانطفاء، عالم لا يُطفئني
لأنني أحببت بصدق، ولا يُعاقبني لأن قلبي كان نقيًا أكثر مما يجب.
عالم أستعيد فيه نفسي التي ضاعت بين محاولات الإرضاء، وبين
صمتي حين كان يجب أن أتكلم.
لن أحمل معي سوى دروسي سأترك الألم خلفي، لا لأنه اختفى
بل لأنني تعبت من حمله سأمضي بخطوات بطيئة، نعم، لكن ثابتة.
لن أكون كما كنت تلك التي تعطي بلا حساب، وتثق بلا ضمان.
سأكون أهدأ، أعمق، وأقسى قليلًا .. القسوة التي تحمي لا التي تؤذي.
هو رحل إلى عالم يشبهه واختاره وأنا سأرحل إلى عالم يشبهني.
عالم لا يحتاج فيه قلبي أن يثبت قيمته، ولا تُختبر فيه إنسانيتي.
عالم أكون فيه كافية، كما أنا، بلا نقصان.
وهكذا لن يكون الوداع خسارة، بل بداية.
بداية لنسخةٍ مني لا تنطفئ بسهولة،
ولا تنكسر من أول خذلان.