وكأنكِ لم تكوني موجةً فحسب،
بل انتباه البحر حين ينسى نومه،
وطمأنينته حين يتعب من الهدير.
ما كنتِ تبحثين عن شاطئ،
كنتِ تبحثين عن معنى،
عن الصوت الذي يولد من الماء
حين تلامسه أول خيوط الفجر كالدعاء.
يا ابنة الملح،
من قال إنكِ غادرتِه؟
هو لم يخسرك يومًا،
إنما أعاركِ للعالم
ليتذكّر أن النقاء قد يكون مالحًا،
وأن بعض العواصف أنقى من السكون.
أنتِ موجة لا تغرق،
بل تسمّي الأشياء بأسمائها،
وتغسل القلب من صدأٍ حسب أنه صخرٌ لا يلين.
والبحر الذي ناديته…
يعرف أنك لا تعودين كالبدايات،
بل كروح أتقنت شكل الدائرة،
وعادت ممتلئة،
خفيفة كنسمةٍ تمسّ جبينه دون أن تُقلق روحه.
يا ارتعاشة الضوء،
ويا همس الغيم حين يسقط على صدر الماء،
تضمه بلا صوت… كأنه صلاة.
عودي متى شئتِ،
فالغياب عند البحر ليس نقصًا،
بل حيلةُ موجٍ يعرف أن الرحيل جزء من العودة،
وأن الموجة لا تموت،
بل تتحول لمعانًا على الأفق،
همسًا للريح:
اتركيني هنا…
فالخلود ليس صعودًا،
الخلود امتلاء.
لو كنتُ موجة
لسرتُ في دروب الحياة بخفة
كنتُ لاداعب الصخور بصبر يُعلم الصمت معنى الحنان
أنا بنت البحر
خرجت من عمقه سراً احمل من زرقته هيبته ومن سكونه سلامه
لم اُخلق لأهدم بل لأغسل الوجع وامنح الأشياء ذاكرة من ضوء
وحين اعود اليه
اعود ممتلئة بندى الوجوه والحنين البعيد
في حضنه الفناء ولادة والغياب حضور
فإذا سألني الافق فليقل :
كانت هنا موجة وعادت نوراً الى عمق البحر
#هدهده
بوح عميق وفخم
صح بوحك حبيبتي + ..
هدهدة حرف
يا لهذا البهاء المتوج بالدهشة
نصك لوحة مائية تتنفس الشعر والصفاء
تتهادى بين عمق البحر وصفاء الروح
كأن الكلمات خرجت من رحم الموج
لتعلن عن ميلاد المعنى من ضوء وماء
كل سطر هنا يفيض جمالا وفلسفة
الصور البلاغية متقنة حد الإدهاش
والإيقاع الداخلي ينثال كأنفاس من المدى
شعور طافح بالعذوبة والخلود
يترك في القلب أثر النسيم حين يعانق وجه الماء
نص جدير أن يعلق على جدار البحر
وأن يقرأ على مسامع الضوء.
’وما الموجة إلا رسول
قد أدت رسالتها بين ضفتي الأزل والفناء
فليفرغ العاشق كل شجنه
وليقم البحر كل حججه
فأصداء الهمس المكنون
إنما هي متاع نفيس
عاد إلى خزائن مالكه الأول
فلا خسران في صفقة
تعود فيها الذات إلى أصلها
ممتلئة بزاد الراحلين
أو ما علمت أن كل عائد إلى أصله
فهو ربح لا يبور؟!
أي سفر بعد ستسلكه قوافل بيانك؟
هل نخوض في مياه الهجر
أم نرتوي من غدران الوصل؟‘
’‘’‘’‘’‘’‘
يا لها من شهقة حارة
انبثقت من صدر البوح
فكانت المطية التي امتطيتها لقولك
هي الموج الذي لا ينضب له أثر
قول ثقيل في مغزى الموجة
لأتيت بقول كالغيث الهاطل
يحمل خبر الأصل وجدل الفرع
فمن بلغ مثل متطاول قولك هذا
فقد وضع يده على سر التكوين
ونطق بما كان مستورًا في خبايا القدر
يا وليدة الزرق
ويا سر الصدف المشاع
لقد نطقت قريحتك بما تواكلت عليه الألسن
وتبارك به البيان
فليت لي من فصحاك حظا
إن ما نزل سيلا من معان
إنما هو لبيب قوم يرى المحجوب
ببصيرة من أوتي الحكمة
ونبع صاف من جدول الوجدان
الذي أفاض كل بيان ضمخ.
تلكم الخواطر ليست سوى
ترنيمة الروح المشدودة بين حب أزلي ورحيل محتوم
هي استعارة كبرى لذات متأملة
رأت في الموج مثالا لحياتها المتقلبة
بين علو يشبه إعلان الحق
وإنحسار يضاهي الرجوع إلى الأصل
إنها فلسفة في السير والسلوك
تعلن أن الجوهر ليس في القوة الغاشمة’الإغراق‘
بل في الرفق وترك الأثر الجميل
ديباجة أطواف اليقين لبنت العباب‘ ماذا لو كنت موجة.. ؟!‘ لـ هدهدة حرف
ما أبهى هذا البوح، وما أرقَّ ما خطَّته أناملكِ أختي هدهدة حرف
نصّك لوحة مائية تنبض بالحياة والتأمّل
كل سطرٍ فيه مدٌّ من الإحساس، وجزرٌ من السكينة
وكأن الحروف تتطهّر بالنور وتغتسل بصفاء الماء.
في حديثك عن الموج، يتردّد صدى البحر بين نبضٍ وهمس
وتنثال الروح طهرًا، تغسل وجع العالم لتعود أكثر نقاءً وهدوءًا.
نصّك لا يُقرأ مرورًا، بل يُتأمّل بقلبٍ يعرف معنى الدهشة،
ويُصغي لذلك الصمت الذي لا يسمعه إلا من يكتب بالروح.
سَلِم بوحك المضيء، ودام مدادك نهرًا من الجمال والسكينة،
وكل التقدير والإعجاب لهذا العمق الذي يكتب بالعاطفة قبل الحرف