المكان: مطار الرياض
الزمن: فجر بارد
الضوء الأبيض يتساقط من أعلى
كأنه غُربة جديدة
تلبس ليان بدلًا من رحيل العاشق
تمشي بين والديها بخطى ثابتة
لكن في أعماقها
دائرة الطقس والكاهن لا تزال تشتعل
تشعر أحيانًا أن الهواء حولها
أثقل من الآخرين
كأن شيئًا يسير بجانبها لكنه غير مرئي
الأم تمسح على كتفها بخوفٍ صامت
والأب يحاول أن يبدو قويًا
لكن صوته يرتجف حين يقول:
لا تخافين ياعين ابوك
بيكون خير بإذن الله
أهم شيء رجعنا للبيت
تبتسم ليان ابتسامة شاحبة
تعرف أن هذه الابتسامة كاذبة
لكنها لم تعد تملك غيرها
البيت في الرياض
يستقبلها بسكونٍ طويل
غرفتها كما تركتها
لكنها تشعر
كأن أحدًا نام على وسادتها
وترَك دفئه
حين تغمض عينيها تلك الليلة
ترى انعكاس الرماد
وشكل الجديلة
والنور الذي ابتلع المارد
لكن الصوت
الصوت اختفى
لأول مرة منذ سنتين
تنام دون همس
---
زيارة العمّ سعد وابنه ريان
“حين يكون القدر لطفًا متنكرًا في هيئة ضيف”
بعد ثلاثة أيام
يطرق العمّ سعد الباب
رجل كبير، قلبه واسع
وعيناه تشبهان منازل مطمئنة
إلى جانبه… ريان
شاب في منتصف العشرينات
ملامحه ساكنة
لكن سكونًا يشبه المطر الذي يسبق الربيع
حين رأى ليان لأول مرة
شعر أنها مُنهَكة .. شفافة
كأن نصفها هنا
والنصف الآخر في حكاية
لم يقرأها أحد
ابتسم لها باحترام وقال:
الحمدلله على سلامتك يا بنت عمي
تردّ بابتسامة خفيفة
أكثر صدقًا من كل ابتسامتها السابقة
الله يسلمك يا ريان
بينهما شيء لا يشبه الحب
بل يشبه راحة ممتدة
يشبه سلامًا لم تعرفه منذ زمن
بداية الاهتمام
“الرجل الذي لم يخف من ظلّها”
كان ريان يزورهم كثيرًا
يجلس مع العائلة
يسأل عن صحتها دون تطفّل
يضحك بخفة
ويخلق في البيت جوًا جديدًا
جوًا يشبه: الحياة ممكنة
تبدأ ليان تحكي معه أشياء بسيطة:
عن الجامعة
عن صديقتها التي تزوجت
عن خوفها من الأماكن المغلقة
وأحيانًا
كانت تكاد تقول له
“أنا لست بخير”
لكنها تصمت
ريان رأى ذلك الصمت
لم يسأل
لكنه قال لها مرة بهدوء:
أي وقت تحسين إن الكلام ثقيل
قولي لي بس (أنا هنا)، وأنا أفهم
الجملة دخلت قلبها بلا استئذان
لأول مرة منذ سنوات
تشعر أن هناك شخصًا
يريد أن يفهمها… لا أن يعالجها
ليلة المطر
حين يطرق العالم باب القلب دون استئذان
في إحدى الأمسيات
هطلت أمطار مفاجئة
كانت ليان واقفة عند نافذة المجلس
تنظر للمطر وكأنها تستعيد نفسها القديمة
يدخل ريان إلى الغرفة صدفة
يراها واقفة
وشعرها منسدل على كتفيها
بطريقة هادئة
ووجهها نصفه ضوء
ونصفه حزن لا يريد المغادرة
قال بابتسامة خفيفة:
تحبين المطر؟
أجابت بصوت منخفض:
أحس إنه يغسل شي في صدري
اقترب منها بخطوة
لكن دون أن يتجاوز حدودها وقال
أحيانًا المطر يعطينا بداية
مو بس غُسل
التفتت عليه لأول مرة مباشرة
نظرتها كانت طويلة…
كأنها تفكر:
هل يمكن أن تكون البداية عندك؟
تغيّر ليان
حين يضيء القلب… قبل أن يرانا أحد
بدأت ليان تتحسن
تضحك قليلًا
تأكل مع العائلة أكثر
لا تخاف من النوم وحدها
كانت تشعر بشي غريب
كأن الظلال التي كانت تطاردها
تتراجع
أو تُراقب من بعيد دون قوة
كانت تقول في سرها:
ربما انتهى
ربما النور انتصر
لكنها لم تكن تعلم
أن العاشق من نسل الشمس
لا يموت
بل ينتظر اللحظة المناسبة
الدراما الكبرى: هجوم العاشق
الذين يرحلون عن أجسادنا
يعودون لأرواحنا حين نضيء أكثر مما يجب
بعد شهر كامل من الهدوء
وفي ليلة ربيع دافئة
كانت ليان في غرفتها
تقرأ كتابًا أعطاها ريان
البيت هادئ
أمها تصلّي
والأب يشاهد الأخبار
وريان في المجلس مع العمّ سعد
أما ليان
فكانت تبتسم
ابتسامة تشبه الحياة
أكثر مما تشبهها منذ سنوات
ثم
فجأة
انطفأ المصباح فوق رأسها
وانكسر الصمت
كأن أحدًا مزّقه بيديه
النافذة فُتحت بقوة
والستارة ارتفعت للأعلى
كأن الهواء لا يأتي من الخارج
بل يندفع من داخل الغرفة نفسها
ظهر على المرآة
ذلك الرمز
رمز الجديلة
لكنه هذه المرة يتوهج
بضوء أحمر…
كما لم يحدث حتى عند الكاهن
صوتٌ عميق
حارق
لا يشبه الحنان القديم
بل يشبه العتاب
الذي يعقب الخيانة:
ليــــــــــــــان
كيف تختارين غيري؟
صرخت
سقط من يدها الكتاب
وتراجعت إلى الخلف
اشتعل شعرها بضوء خفيف
كأن يدًا غير مرئية تمسده بقوة
الأبواب تُغلق
الهواء يُختنق
والجديلة المرسومة بالضوء
تتحرك
تلتف
تتمدّد على الجدار
وتنزل منه
كأنها حية من نور مظلم
صوت العاشق يعلو:
وعدتِ بالنور
فاخترتِ ظلًا غير ظلّي؟
أنتِ لي
ولو صعدتِ للنور ألف مرة
سأعود
تصرخ ليان:
أتركنييييي! ريان ما له دخل!
يسود صمت مفاجئ
ثم يأتي صوت قريب جدًا
قريب من قلبها
كما كان دائمًا:
إذن… هو السبب
وهذا… يكسر العهد
تنطفئ الأنوار كلها
وتتحول الغرفة إلى دوامة ظلام
تلتف حول جسدها
وترفعها عن الأرض
كأنها تُسحب
إلى عالمٍ لا يرى
في الأسفل
ريان يسمع ارتطامًا
وصراخ ليان
فيقفز للدرج وهو يصرخ:
ليان!!!
يفتح الباب بقوة
لكن المشهد أسود
لا يُرى منه شيء
سوى عيني ليان
مفتوحتين
وفيهما انعكاس لهيبٍ
لا يشبه أي نور
هنااك صوته القادم من العدم
لا يسمعه الا ليان المسكينه
لن تأخَذَها يا ريان
فالذين يولدون من النار
لا يطفئهم الماء
ولا البشر