(لدَينا حَقيقةٌ ثابتةٌ لا بُدَّ من مُلاحَظَتِها في مَجالِ كُلِّ تَكليفٍ رَبَّانيٍّ: هي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى لا يُكَلِّفُ نَفسًا إلَّا وُسعَها، فمسؤوليَّةُ الإنسانِ تَنحَصِرُ في نِطاقِ ما يَدخُلُ في وُسعِه، وما يَستَطيعُه من عَمَلٍ، أمَّا ما هو خارِجٌ عن وُسعِ الإنسانُ واستِطاعَتِه، فليس عليه مسؤوليَّةٌ نَحوَه، يُضافُ إلى ذلك أنَّ نِسبةَ المسؤوليَّةِ تَتَناسَبُ طَردًا وعَكسًا مَعَ مِقدارِ الاستِطاعةِ...
فما كان منَ الطِّباعِ الفِطريَّةِ قابلًا للتَّعديلِ والتَّبديلِ، ولو في حُدودِ نِسَبٍ جُزئيَّةٍ؛ لدُخولِه تَحتَ سُلطانِ إرادةِ الإنسانِ وقُدرَتِه، كان خاضِعًا للمسؤوليَّةِ، وداخِلًا في إطارِها تِجاهَ التَّكاليفِ الرَّبَّانيَّةِ، وما لم يَكُنْ قابلًا للتَّعديلِ والتَّبديلِ؛ لخُروجِه عن سُلطانِ إرادةِ الإنسانِ وقُدرَتِه، فهو غَيرُ داخِلٍ في إطارِ المسؤوليَّةِ تِجاهَ التَّكاليفِ الرَّبَّانيَّةِ.
وبناءً على ذلك فإنَّنا نَقولُ وَفْقَ المَفاهيمِ الدِّينيَّةِ: لو لم يَكُنْ لدى كُلِّ إنسانٍ عاقِلٍ قُدرةٌ على اكتِسابِ حَدٍّ ما منَ الفضائِلِ الأخلاقيَّةِ، لَما كَلَّفه اللَّهُ ذلك.
وليس أمرُ قُدرةِ الإنسانِ على اكتِسابِ حَدٍّ ما من كُلِّ فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ بَعيدًا عنِ التَّصَوُّرِ والفهمِ، ولكِنَّه بحاجةٍ إلى مِقدارٍ مُناسِبٍ منَ التَّأمُّلِ والتَّفكيرِ.
أليستِ استِعداداتُ النَّاسِ لأنواعِ العُلومِ المُختَلفةِ مُتَفاوِتةً؛ فبَعضُهم أقدَرُ على تَعلُّمِ الفُنونِ الجَميلةِ من بَعض، وبَعضُهم أقدَرُ على تَعلُّمِ العُلومِ العَقليَّةِ من بَعضٍ، وبَعضُهم أقدَرُ على حِفظِ التَّواريخِ والحَوادِثِ أو حِفظِ النُّصوصِ من بَعضٍ؟
إنَّه... ما من إنسانٍ عاقِلٍ إلَّا ولدَيه قُدرةٌ على اكتِسابِ مِقدارٍ ما من فضائِلِ الأخلاقِ، وفي حُدودِ هذا المِقدارِ الذي يَستَطيعُه يَكونُ تَكليفُه، وتَكونُ مسؤوليَّتُه، ثمَّ في حُدودِه تَكونُ مُحاسَبَتُه ومُجازاتُه.
إنَّ أسرَعَ النَّاسِ استِجابةً لانفِعالِ الغَضَبِ يَستَطيعُ بوسائِلِ التَّربيةِ أن يَكتَسِبَ مِقدارًا ما من خُلُقِ الحِلمِ، ومَتى صَمَّمَ بإرادَتِه أن يَكتَسِبَ ذلك فإنَّه يَستَطيعُه؛ لذلك فهو مسؤولٌ عنِ اكتِسابِ ما يَستَطيعُه منه، فإذا هو أهمَل تَربيةَ نَفسِه، وتَركَها من غَيرِ تَهذيبٍ تَنمو نُموَّ أشواكِ الغابِ، فإنَّه سَيُحاسَبُ على إهمالِه، وسيَجني ثَمَراتِ تَقصيرِه.
وإنَّ أشَدَّ النَّاسِ بُخلًا وأنانيَّةً وحُبًّا للتَّمَلُّكِ يَستَطيعُ بوسائِلِ التَّربيةِ أن يَكتَسِبَ مِقدارًا ما من خُلُقِ حُبِّ العَطاءِ، ومَتى صَمَّمَ بإرادَتِه أن يَكتَسِبَ ذلك فإنَّه يَستَطيعُه؛ لذلك فهو مسؤولٌ عنِ اكتِسابِ القَدرِ الواجِبِ شَرعًا منه، فإذا هو أهمَل تَربيةَ نَفسِه، وتَركَها من غَيرِ تَهذيبٍ، فإنَّه سَيُحاسَبُ على إهمالِه، وسَيَجني ثَمَراتِ تَقصيرِه.
والمَفطورُ على نِسبةٍ كَبيرةٍ منَ الجُبنِ يَستَطيعُ أن يَكتَسِبَ بالتَّربيةِ المُقتَرِنةِ بالإرادةِ والتَّصميمِ مِقدارًا ما من خُلُقِ الشَّجاعةِ، قد لا يَبلُغُ به مَبلَغَ المَفطورِ على نِسبةٍ عاليةٍ منَ الشَّجاعةِ، ولكِنَّه مِقدارٌ يَكفيه لتَحقيقِ ما يَجِبُ عليه فيه أن يَكونَ شُجاعًا، وضِمنَ الحُدودِ التي هو مسؤولٌ فيها.
وأشَدُّ النَّاسِ أنانيَّةً في تَكوينِه الفِطريِّ يَستَطيعُ أن يَكتَسِبَ بالتَّربيةِ المُقتَرِنةِ بالإرادةِ والتَّصميمِ مِقدارًا ما منَ الغَيريَّةِ والإيثارِ، قد لا يَبلُغُ فيه مَبلغَ المَفطورِ على مَحَبَّةِ الآخَرينَ، والرَّغبةِ بأن يُؤثِرَهم على نَفسِه، ولكِنَّه مِقدارٌ يَكفيه لتَأديةِ الحُقوقِ الواجِبةِ عليه تِجاهَ الآخَرينَ.
وهكذا نَستَطيعُ أن نَقولَ: إنَّ أيَّةَ فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ باستِطاعةِ أيِّ إنسانٍ عاقِلٍ أن يَكتَسِبَ منها بالتَّربيةِ المُقتَرِنةِ بالإرادةِ والتَّصميمِ المِقدارَ الذي يَكفيه لتَأديةِ واجِبِ السُّلوكِ الأخلاقيِّ.
والنَّاسُ من بَعدِ ذلك يَتَفاوتونَ بمَدى سَبقِهم وارتِقائِهم في سُلَّمِ الفضائِلِ.
وتَفاوُتُ الاستِعداداتِ والطَّبائِعِ لا يُنافي وُجودَ استِعدادٍ عامٍّ صالحٍ لاكتِسابِ مِقدارٍ ما من أيِّ فرعٍ من فُروعِ الاختِصاصِ، سَواءٌ أكان ذلك من قَبيلِ العُلومِ، أو من قَبيلِ الفُنونِ، أو من قَبيلِ المَهاراتِ، أو من قَبيلِ الأخلاقِ.
وفي حُدودِ هذا الاستِعدادِ العامِّ ورَدَتِ التَّكاليفُ الشَّرعيَّةُ الرَّبَّانيَّةُ العامَّةُ، ثمَّ تَرتَقي من بَعدِه مسؤوليَّاتُ الأفرادِ بحَسَبِ ما وهَبَ اللَّهُ كُلًّا منهم مِن فِطَرٍ، وبحَسَبِ ما وَهبَ كُلًّا منهم منِ استِعداداتٍ خاصَّةٍ زائِدةٍ على نِسبةِ الاستِعدادِ العامِّ.
ولو أنَّ بَعضَ النَّاسِ كان مَحرومًا من أدنى حُدودِ الاستِعدادِ العامِّ الذي هو مَناطُ التَّكليفِ، فإنَّ التَّكليفَ لا يَتَوجَّهُ إليه أصلًا، ومن سُلِب منه هذا الاستِعدادُ بسَبَبِ ما ارتَفعَ عنه التَّكليفُ؛ ضَرورةَ اقتِرانِ التَّكليفِ بالاستِطاعةِ، كما أوضَحَت ذلك نُصوصُ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ.
ووَفقَ هذا الأساسِ جاءَتِ التَّكاليفُ الشَّرعيَّةُ بالتِزامِ فضائِلِ الأخلاقِ واجتِنابِ رَذائِلِها.
ووَفقَ هذا الأساسِ وضع الإسلامُ الخُطَطَ التَّربَويَّةَ التي تَنفعُ في التَّربيةِ على الأخلاقِ الفاضِلةِ؛ فالاستِعدادُ لذلك مَوجودٌ في الواقِعِ الإنسانيِّ، وإن اختَلفت نِسبةُ هذا الاستِعدادِ من شَخصٍ إلى آخَرَ. وفي الإصلاحِ التَّربَويِّ قد يَقبَلُ بَعضُ النَّاسِ بَعضَ فضائِلِ الأخلاقِ بسُهولةٍ، ولا يَقبَلُ بَعضَها الآخَرَ إلَّا بصُعوبةٍ ومُعالجةٍ طَويلةِ المَدى، وقد تَقِلُّ نِسبةُ استِجابَتِه) .
قال الغَزاليُّ: (لو كانتِ الأخلاقُ لا تَقبَلُ التَّغييرَ لبَطَلتِ الوصايا والمَواعِظُ والتَّأديباتُ... وكَيف يُنكَرُ هذا في حَقِّ الآدَميِّ، وتَغييرُ خَلقِ البَهيمةِ مُمكِنٌ؟! إذ يُنقَلُ البازي منَ الاستيحاشِ إلى الأُنسِ، والكَلبُ من شَرَهِ الأكلِ إلى التَّأدُّبِ والإمساكِ والتَّخليةِ، والفرَسُ منَ الجِماحِ إلى السَّلاسةِ والانقيادِ، وكُلُّ ذلك تَغييرٌ للأخلاقِ) .
4- التَّدريبُ العَمَليُّ والرِّياضةُ النَّفسيَّةُ
(إنَّ التَّدريبَ العَمَليَّ والمُمارَسةَ التَّطبيقيَّةَ ولو مَعَ التَّكَلُّفِ في أوَّلِ الأمرِ، وقَسرَ النَّفسِ على غَيرِ ما تَهوى: منَ الأمورِ التي تَكسِبُ النَّفسَ الإنسانيَّةَ العادةَ السُّلوكيَّةَ، طال الزَّمَنُ أو قَصُرَ.
والعادةُ لها تَغَلغُلٌ في النَّفسِ يَجعَلُها أمرًا مُحَبَّبًا، وحينَ تَتَمَكَّنُ في النَّفسِ تَكونُ بمَثابةِ الخُلُقِ الفِطريِّ، وحينَ تَصِلُ العادةُ إلى هذه المَرحَلةِ تَكونُ خُلُقًا مُكتَسَبًا، ولو لم تَكُنْ في الأصلِ الفِطريِّ أمرًا مَوجودًا.
وقد عَرَفنا أنَّ في النَّفسِ الإنسانيَّةِ استِعدادًا فِطريًّا لاكتِسابِ مِقدارٍ ما من كُلِّ فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ، وبمِقدارِ ما لدى الإنسانِ من هذا الاستِعدادِ تَكونُ مسؤوليَّتُه، ولو لم يَكُنْ لدى النُّفوسِ الإنسانيَّةِ هذا الاستِعدادُ لكان منَ العَبَثِ اتِّخاذُ أيَّةِ مُحاولةٍ لتَقويمِ أخلاقِ النَّاسِ. والقَواعِدُ التَّربَويَّةُ المُستَمَدَّةُ منَ الواقِعِ التَّجريبيِّ تُثبِتُ وُجودَ هذا الاستِعدادِ، واعتِمادًا عليه يَعمَلُ المُرَبُّونَ على تَهذيبِ أخلاقِ الأجيالِ التي يُشرِفونَ على تَربيَتِها، وقد ورَدَ في الأثَرِ: (العِلمُ بالتَّعلُّمِ، والحِلمُ بالتَّحَلُّمِ) .
وثَبَتَ أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ومَن يَستَعفِفْ يُعِفَّه اللَّهَ، ومَن يَستَغنِ يُغنِه اللهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ)) .
فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّ ناسًا منَ الأنصارِ سَألوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأعطاهم، ثمَّ سَألوه فأعطاهم، حتَّى إذا نَفِدَ ما عِندَه قال: ((ما يَكُنْ عِندي من خَيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومَن يَستَعفِفْ يُعِفَّه اللَّهُ، ومَن يَستَغنِ يُغنِه اللهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ، وما أعطيَ أحَدٌ عَطاءً خَيرًا وأوسَعَ منَ الصَّبرِ)) .
وضَرَبَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَثَلًا دَلَّ فيه على أنَّ التَّدريبَ العَمَليَّ ولو مَعَ التَّكَلُّفِ يَكسِبُ العادةَ الخُلُقيَّةَ حتَّى يَصيرَ الإنسانُ مِعطاءً غَيرَ بَخيلٍ، ولو لم يَكُنْ كَذلك أوَّلَ الأمرِ.
رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((مَثَلُ البَخيلِ والمُنفِقِ كمَثَلِ رَجُلينِ عليهما جُبَّتانِ من حديدٍ من ثُدِيِّهما إلى تراقيهما ، فأمَّا المُنفِقُ فلا يُنفِقُ إلَّا سَبَغَت أو وفَرَت على جِلدِه، حتَّى تُخفيَ بَنانَه، وتَعفوَ أثَرَه، وأمَّا البَخيلُ فلا يُريدُ أن يُنفِقَ شَيئًا إلَّا لزِقَت كُلُّ حَلقةٍ مَكانَها، فهو يوسِّعُها ولا تَتَّسِعُ)) .
فدَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ المُنفِقَ والبَخيلَ كانا في أوَّلِ الأمرِ مُتَساويَينِ في مِقدارِ الدِّرعَينِ.
أمَّا المُنفِقُ فقد رَبَتَ دِرعُه بالإنفاقِ حتَّى غَطَّت جِسمَه كُلَّه، بخِلافِ البَخيلِ الذي لم يُدَرِّبْ نَفسَه على الإنفاقِ، فإنَّ نَفسَه تَكُزُّ ، واللَّهُ يُضَيِّقُ عليه من وراءِ ذلك، فيَكونُ البُخلُ خُلُقًا مُتَمَكِّنًا من نَفسِه مُسَيطِرًا عليها.
ومن ذلك نَفهَمُ أمرَينِ: فِطريَّةَ الخُلُقِ، وقابليَّتَه للتَّعديلِ بالمُمارَسةِ والتَّدريبِ العَمَليِّ. إنَّ المُنفِقَ كان أوَّلَ الأمرِ كالبَخيل يُشبهانِ لابِسَي دِرعَينِ من حَديدٍ مُتَساويَينِ، ويَبدو أنَّ الدِّرعَ مِثالٌ لِما يَضغَطُ على الصَّدرِ عِندَ إرادةِ النَّفقةِ، فمَن يَتَدَرَّبُ على البَذلِ تَنفتِحُ نَفسُه كما يَتَّسِعُ الدِّرعُ فلا يَكونُ له ضَغطٌ، وأمَّا من يَعتادُ الإمساكَ فيَشتَدُّ ضاغِطُ البُخلِ على صَدرِه، فهو يُحِسُّ بالضِّيقِ الشَّديدِ كُلَّما أرادَ البَذلَ، ومَعَ مُرورِ الزَّمَنِ يَتَصَلَّبُ هذا الضَّاغِطُ.
واعتِمادًا على وُجودِ الاستِعدادِ الفِطريِّ لاكتِسابِ الخُلُقِ ورَدَتِ الأوامِرُ الدِّينيَّةُ بفضائِلِ الأخلاقِ، وورَدَتِ النَّواهي الدِّينيَّةُ عن رَذائِلِ الأخلاقِ.
ولكِن منَ المُلاحَظِ أنَّه قد يَبدَأُ التَّخَلُّقُ بخُلُقٍ ما عَمَلًا شاقًّا على النَّفسِ، إذا لم يَكُنْ في أصلِ طَبيعَتِها الفِطريَّةِ، ولكِنَّه بتَدريبِ النَّفسِ عليه وبالتَّمَرُّسِ والمِرانِ يُصبحُ سَجيَّةً ثابتةً يَندَفِعُ الإنسانُ إلى مُمارَسةِ ظَواهِرِها اندِفاعًا ذاتيًّا دونَ أن يَجِدَ أيَّةَ مَشَقَّةٍ أو مُعارَضةٍ أو عَقَبةٍ من داخِلِ نَفسِه، ولئِن وجَدَ شَيئًا من ذلك فإنَّ دافِعَ الخُلُقِ المُكتَسَبِ يَظَلُّ هو الدَّافِعَ الأغلَبَ، بشَرطِ أن يَكونَ التَّخَلُّقُ قد تحَوَّل فِعلًا إلى خُلُقٍ مُكتَسَبٍ.
وليس التَّدريبُ النَّفسيُّ ببَعيدِ الشَّبَهِ عنِ التَّدريبِ الجَسَديِّ، الذي يُكتَسَبُ به المَهاراتُ العَمَليَّةُ الجَسَديَّةُ) .
قال الغَزاليُّ: (فمَن أرادَ مَثَلًا أن يُحَصِّلَ لنَفسِه خُلُقَ الجودِ فطَريقُه أن يَتَكَلَّفَ تَعاطيَ فِعلِ الجَوادِ، وهو بَذلُ المالِ، فلا يَزالُ يُطالِبُ نَفسَه ويواظِبُ عليه تَكَلُّفًا مُجاهدًا نَفسَه فيه حتَّى يَصيرَ ذلك طَبعًا له، ويَتَيَسَّرَ عليه فيَصيرَ به جَوادًا، وكَذا من أرادَ أن يُحصِّلَ لنَفسِه خُلُقَ التَّواضُعِ وقد غَلبَ عليه الكِبرُ، فطَريقُه أن يواظِبَ على أفعالِ المُتَواضِعينَ مُدَّةً مَديدةً، وهو فيها مُجاهِدٌ نَفسَه ومُتَكَلِّفٌ إلى أن يَصيرَ ذلك خُلُقًا له وطَبعًا فيَتَيَسَّرَ عليه. وجَميعُ الأخلاقِ المَحمودةِ شَرعًا تَحصُلُ بهذا الطَّريقِ، وغايَتُه أن يَصيرَ الفِعلُ الصَّادِرُ منه لذيذًا؛ فالسَّخيُّ هو الذي يَستَلذُّ بَذلَ المالِ الذي يَبذُلُه دونَ الذي يَبذُلُه عن كَراهةٍ، والمُتَواضِعُ هو الذي يَستَلذُّ التَّواضُعَ، ولن ترسَخَ الأخلاقُ الدِّينيَّةُ في النَّفسِ ما لم تَتَعَوَّدِ النَّفسُ جَميعَ العاداتِ الحَسَنةِ، وما لم تَترُكْ جَميعَ الأفعالِ السَّيِّئةِ، وما لم تواظِبْ عليه مواظَبةَ من يَشتاقُ إلى الأفعالِ الجَميلةِ ويَتَنَعَّمُ بها، ويَكرَهُ الأفعالَ القَبيحةَ ويَتَألَّمُ بها) .
5- التَّفكُّرُ في الآثارِ المُتَرَتِّبةِ على حُسنِ الخُلُقِ:
(على المَرءِ أن يَستَذكِرَ دائِمًا ويَحتَسِبَ ثَوابَ حُسنِ الخُلُقِ.
عنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَألتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ البرِّ والإثمِ؟ فقال: ((البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، والإثمُ ما حاكَ في صَدرِك وكَرِهتَ أن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ)) .
وعن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أثقَلُ شَيءٍ في الميزانِ حُسنُ الخُلُقِ)) .
وعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ أكمَلَ المُؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا، وإنَّ حُسنَ الخُلُقِ ليَبلُغُ دَرَجةَ الصَّومِ والصَّلاةِ)) ) .
6- النَّظَرُ في عواقِبِ سُوءِ الخُلُقِ:
(وذلك بتَأمُّلِ ما يَجلِبُه سوءُ الخُلُقِ منَ الأسَفِ الدَّائِمِ، والهَمِّ المُلازِمِ، والحَسرةِ والنَّدامةِ، والبِغضةِ في قُلوبِ الخَلقِ؛ فذلك يَدعو المَرءَ إلى أن يَقصُرَ عن مَساوِئِ الأخلاقِ، ويَنبَعِثَ إلى مَحاسِنِها.
قال ابنُ القَيِّمِ: (ومن عُقوباتِها أي: المَعاصي وسوءِ الأخلاقِ سُقوطُ الجاهِ والمَنزِلةِ والكَرامةِ عِندَ اللهِ وعِندَ خَلقِه؛ فإنَّ أكرَمَ الخَلقِ عِندَ اللهِ أتقاهم، وأقرَبَهم منه مَنزِلةً أطوَعُهم له، وعلى قدرِ طاعةِ العَبدِ له تَكونُ مَنزِلتُه عِندَه، فإذا عَصاه وخالف أمرَه سَقَطَ من عَينِه، فأسقَطَه من قُلوبِ عِبادِه، وإذا لم يَبقَ له جاهٌ عِندَ الخَلقِ وهانَ عليهم، عامَلوه على حَسَبِ ذلك، فعاشَ بَينَهم أسوأَ عَيشٍ: خامِلَ الذِّكرِ، ساقِطَ القَدرِ، زَريَّ الحالِ، لا حُرمةَ له، فلا فرَحَ له ولا سُرورَ؛ فإنَّ خُمولَ الذِّكْرِ وسُقوطَ القَدرِ والجاهِ يَجلِبُ كُلَّ غَمٍّ وهَمٍّ وحُزنٍ، ولا سُرورَ مَعَه ولا فرَحَ، وأينَ هذا الألمُ من لذَّةِ المَعصيةِ؟! ومِن أعظَمِ نِعَمِ اللهِ على العَبدِ: أن يَرفعَ له بَينَ العالَمينَ ذِكرَه، ويُعلِيَ له قَدْرَه) .
... وليس هذا فحَسبُ، بَل تَأمَّلْ ما يَقولُ ابنُ القَيِّمِ أيضًا: (ومِن عُقوباتِها: أنَّها تَسلُبُ صاحِبَها أسماءَ المَدحِ والشَّرَفِ، وتَكسوه أسماءَ الذَّمِّ والصَّغارِ؛ فتَسلُبُه اسمَ المُؤمنِ، والبَرِّ، والمُحسِنِ، والمُتَّقي، والمُطيعِ، والمُنيبِ، والوليِّ، والوَرِعِ، والصَّالحِ، والعابِدِ، والخائِفِ، والأوَّابِ، والطَّيِّبِ، والمرضيِّ، ونَحوِها.
وتَكسوه اسمَ الفاجِرِ، والعاصي، والمُخالفِ، والمُسيءِ، والمُفسِدِ، والسَّارِقِ، والكاذِبِ، والخائِنِ، والغادِرِ وأمثالِها) .
وتَأمَّلْ عاقِبةَ هذه المَرأةِ التي كانت تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، ولكِنَّها سَيِّئةُ الخُلُقِ في مُعامَلتِها مَعَ جيرانِها.
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قيل للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانةَ تَقومُ اللَّيلَ وتَصومُ النَّهارَ، وتَفعلُ وتَصدَّقُ، وتُؤذي جيرانَها بلسانِها؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا خَيرَ فيها، هي من أهلِ النَّارِ. قالوا: وفُلانةُ تُصَلِّي المَكتوبةَ وتَصدَّقُ بأثوارٍ ، ولا تُؤذي أحَدًا. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هي من أهلِ الجَنَّةِ)) .
وعن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ من أحَبِّكُم إليَّ وأقرَبِكُم منِّي مَجلِسًا يَومَ القيامةِ أحاسِنَكُم أخلاقًا، وإنَّ من أبغَضِكُم إليَّ وأبعَدِكُم منِّي يَومَ القيامةِ الثَّرثارون والمُتَشَدِّقونَ والمُتَفَيهِقونَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، قد عَلِمنا الثَّرثارينَ والمُتَشَدِّقينَ، فما المُتَفيهِقونَ؟ قال: المُتَكَبِّرونَ )) .
التَّوقيرُ لُغةً:
والتَّوقيرُ: التَّعظيمُ والتَّبجيلُ .
التَّوقيرُ اصطِلاحًا:
قال ابنُ تَيميَّةَ: (التَّوقيرُ: اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما فيه سكينةٌ وطمأنينةٌ من الإجلالِ والإكرامِ، وأن يُعاملَ من التَّشريفِ والتَّكريمِ والتَّعظيمِ بما يصونُه عن كُلِّ ما يخرِجُه عن حَدِّ الوَقارِ) .
الحث على الاحترام والتوقير
أ- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
النَّاظِرُ في نُصوصِ السُّنَّةِ المُشرَّفةِ يلاحِظُ بجَلاءٍ ما اشتملَت عليه من حثٍّ على التَّوقيرِ والاحترامِ في مختَلِفِ صوَرِه وأشكالِه؛ فقد أمرَت السُّنَّةُ بحُسنِ المعاملةِ والبشاشةِ، والقولِ الحَسَنِ وبَذلِ السَّلامِ، ودعَت إلى تهذيبِ اللِّسانِ، والتَّحَلِّي بالتَّسامُحِ، ونَبذِ الفُحشِ والبذاءةِ حتَّى مع غيرِ المُسلِمِ، وبالجُملةِ فهي أمثلةٌ حَيَّةٌ وصُوَرٌ مُشرِقةٌ لمعاني الاحترامِ والتَّوقيرِ.
1- عن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، ((جاء شيخٌ يريدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأبطأ القومُ أن يُوَسِّعوا له، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس منَّا مَن لم يُوقِّرْ كبيرَنا، ويرحَمْ صغيرَنا)) . وفي روايةِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه: ((ويَعرِفُ شَرَفَ كَبيرِنا)) ، وهذا زَجرٌ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَولِه: ((ليس مِنَّا)) أي: ليس من أهلِ سُنَّتِنا وهَدْيِنا وطريقتِنا مَن لم يُوَقِّرِ الكبيرَ ويُعَظِّمْه، وهو شامِلٌ للشَّابِّ والشَّيخِ .
2- عن أبي مَسعودٍ عُقبةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يمسَحُ مناكِبَنا في الصَّلاةِ، ويقولُ: استَووا، ولا تختَلِفوا فتختَلِفَ قُلوبُكم، لِيَلِني منكم أولو الأحلامِ والنُّهى، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثمَّ الذين يَلونَهم. قال أبو مسعودٍ: فأنتم اليومَ أشَدُّ اختلافًا)) .
فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يحرِصُ على توقيرِ ذوي المكانةِ والعِلمِ والفَضلِ، وتصديرِهم في مقدِّمةِ المجالِسِ، كما في وُقوفِ ذوي الأحلامِ والنُّهى خَلفَ الإمامِ، ولا يكونُ ذلك في الغالِبِ إلَّا لكبارِ السِّنِّ ومن لديهم من العِلمِ والمكانةِ ما يستوجِبُ احترامَهم وتوقيرَهم، كما استوجب أن يقدَّموا فيكونوا في الصَّفِّ الأوَّلِ خَلفَ الإمامِ، ولا يختَصُّ هذا التَّقديمُ بالصَّلاةِ، بل السُّنَّةُ أن يُقَدَّمَ أهلُ الفَضلِ في كُلِّ مجمَعٍ إلى الإمامِ وكبيرِ المجلِسِ، كمجالسِ العِلمِ والقَضاءِ والذِّكرِ والمشاورةِ، ومواقِفِ القِتالِ، وإمامةِ الصَّلاةِ، والتَّدريسِ والإفتاءِ، وإسماعِ الحديثِ ونحوِها، ويكونُ النَّاسُ فيها على مراتِبِهم في العِلمِ والدِّينِ والعَقلِ، والشَّرَفِ والسِّنِّ والكفاءةِ .
3- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ((يُسَلِّمُ الصَّغيرَ على الكبيرِ...)) .
و(تسليمُ الصَّغيرِ لأجْلِ حَقِّ الكبيرِ؛ لأنَّه أُمِرَ بتوقيرِه والتَّواضُعِ له) .
ب- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ
- قال أبو حامِدٍ الغَزاليُّ: (تعلَمُ أنَّك لو طلَبْتَ مُنَزَّهًا عن كُلِّ عيبٍ اعتزَلْتَ عن الخَلقِ كافَّةً، ولن تجِدَ مَن تصاحِبُه أصلًا؛ فما من أحَدٍ من النَّاسِ إلَّا وله محاسِنُ ومَساوئُ، فإذا غلبَت المحاسِنُ المساوئَ فهو الغايةُ والمنتهى، فالمُؤمِنُ الكريمُ أبدًا يُحضِرُ في نفسِه محاسِنَ أخيه لينبَعِثَ من قَلبِه التَّوقيرُ والوُدُّ والاحترامُ، وأمَّا المُنافِقُ اللَّئيمُ فإنَّه أبدًا يلاحِظُ المساوئَ والعُيوبَ) .
- قال ابنُ المبارَكِ: (حَقٌّ على العاقِلِ ألَّا يستخِفَّ بثلاثةٍ: العُلَماءِ، والسَّلاطينِ، والإخوانِ؛ فإنَّه مَن استخَفَّ بالعُلَماءِ ذَهَبت آخِرَتُه، ومن استخَفَّ بالسُّلطانِ ذهَبت دُنياه، ومَن استخَفَّ بالإخوانِ ذهَبَت مروءتُه) .
- عن العَبَّاسِ بنِ عبدِ العظيمِ العَنبريِّ، قال: (كنتُ عِندَ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ وجاءه عليُّ بنُ المدينيِّ راكِبًا على دابَّةٍ، قال: فتناظَرا في الشَّهادةِ وارتفَعَت أصواتُهما حتَّى خِفتُ أن يقَعَ بَيْنَهما جفاءٌ، وكان أحمدُ يرى الشَّهادةَ، وعليٌّ يأبى ويدفَعُ، فلمَّا أراد عليٌّ الانصرافَ قام أحمدُ فأخَذ برِكابِه) .
- قال ابنُ حَزمٍ: (اتَّفَقوا على توقيرِ أهلِ القرآنِ والإسلامِ، والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكذلك الخليفةُ والفاضِلُ والعالِمُ) .
- وعن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، قال: (من السُّنَّةِ أن يُوَقَّرَ أربعةٌ: العالِمُ، وذو الشَّيبةِ، والسُّلطانُ، والوالِدُ) .
- وقال يحيى بنُ مُعاذٍ: (إنَّ العبدَ على قَدرِ حُبِّه لمولاه يحبِّبُه إلى خَلقِه، وعلى قَدرِ توقيرِه لأمرِه يُوَقِّرُه خَلْقُه ...) .
- وعن الحُسَينِ الوَرَّاقِ، قال: سألتُ أبا عُثمانَ عن الصُّحبةِ، فقال: (الصُّحبةُ مع اللَّهِ عزَّ وجَلَّ بحُسنِ الأدَبِ ودوامِ الهَيبةِ والمراقَبةِ، والصُّحبةُ مع الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باتِّباعِ سُنَّتِه ولُزومِ ظاهِرِ العِلمِ، والصُّحبةُ مع أولياءِ اللَّهِ بالاحترامِ والحُرمةِ، والصُّحبةُ مع الأهلِ والولَدِ بحُسنِ الخُلُقِ، والصُّحبةُ مع الإخوانِ بدَوامِ البِشرِ والانبِساطِ ما لم يكُنْ إثمًا، والصُّحبةُ مع الجُهَّالِ بالدُّعاءِ لهم والرَّحمةِ عليهم، ورُؤيةِ نِعمةِ اللَّهِ عليك أن عافاك ممَّا ابتلاهم به) .
- وقال سَهلٌ التُّستَريُّ: (لا يزالُ النَّاسُ بخيرِ ما عظَّموا السُّلطانَ والعُلَماءَ، فإذا عَظَّموا هذين أصلَح اللَّهُ دُنياهم وأُخراهم، وإذا استخفُّوا بهذين أفسَدوا دُنياهم وأُخراهم) .