احمي سمعي وبصري (خطبة)-2 د. محمد بن مجدوع الشهري الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين؛ أما بعد: فالوقيعة في الأعراض بضاعة الجبناء، وكفُّ
احمي سمعي وبصري (خطبة)-2
د. محمد بن مجدوع الشهري
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين؛
أما بعد:
فالوقيعة في الأعراض بضاعة الجبناء، وكفُّ اللسان عن المسلمين سِمة العلماء، وكلٌّ إلى جنسه يحِن؛ العلماء الربانيون حفظوا الله فحفِظهم وطهَّر ألسنتهم، اجتنبوا الغِيبة والطعن، والهمز واللمز، كما تُجتنب النجاسات، لا يسمحون بأن تُدار في مجالسهم.
يقول أحدهم: صحِبت فلانًا عشرين سنة، والله ما سمعت منه كلمةَ عتاب.
ويقول آخر: والله ما اغتبتُ مسلمًا مذ علمت أن الله حرَّم الغِيبة.
وكان الإمام أبو عبدالله البخاري إذا أراد أن يضعِّف رجلًا في الحديث، قال: "فيه نظر"، وكان يقول: "إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبتُ أحدًا".
قال ابن معين إمام علم الرجال في الحديث: "إنا لَنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة"، قال ابن جنيد: "فدخلت على ابن أبي حاتم، وهو يحدِّث بكتاب الجرح والتعديل، فحدثته بهذا، فبكى، وارتعدت يداه، وسقط الكتاب، وجعل يبكي ويستعيدني الحكايةَ".
سلفٌ إذا مر الزمان بذكرهم
وقف الزمان لهم مجلًّا مكبرا
اللسان والكلام نعمة عظيمة، تكون من خلالها العبادات القولية المتنوعة، كما تكون من خلالها أيضًا قضاء الحاجات، والترويح عن النفس، غير أنها من أهم الجوارح التي ينبغي مراعاتها سلبًا وإيجابًا.
في حديث معاذ رضي الله عنه الطويل، وفيه: ((فأخذ بلسانه فقال: كفَّ عليك هذا، قلت: يا رسول الله، وإنَّا لَمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: ثكِلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟)).
فاللسان يسرق الحسنات بعمله للسيئات؛ من الغِيبة، أو النميمة، أو قول الزور، أو شتم الناس، وسبهم، والسخرية منهم، وغير ذلك.
وقد يكون لسانك نهرًا يجري لك بالحسنات العظيمة في أعمال يسيرة؛ كما في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقيت إبراهيم ليلةَ أُسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قِيعان، وأن غِراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))، ومما يتعين على الإنسان أن يشغل لسانه بطاعة مولاه؛ كما ورد في الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال لسانك رَطْبًا من ذكر الله)).
إن من أيسر الأشياء وأسهلها أن يلفِظ الإنسان تلك الكلمات، لكن قد لا يستشعر ما وراءها من الأجر العظيم، أو الإثم الكبير، حسب تلك اللفظة، فاختر ألفاظك، وكلماتك، كما تختار أطايبَ الطعام؛ فإنك تعرف بما تتحدث به.
يقول أبو بكر رضي الله عنه وهو يمسك بلسان نفسه: "هذا الذي أوردني الموارد"، وقالوا: "من كثُر كلامه كثر سقْطُه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه".
وقالوا: اللسان عضلة، وخلفه كل معضلة، فما أكثر ما نتكلم به، وما أقل ما نتثبت فيه، إلا من رحم الله؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده))، فجمع هذا الحديث العظيم بين القول والفعل، وهناك آفات للسان يجب الحذر منها؛
ومن ذلك:
1- الكذب، وهو دليل على ضعف شخصية هذا الكاذب.
2- الغِيبة والنميمة، سواء كانت بالهمز - وهو الفعل - أو باللمز – وهو القول - قال تعالى:
﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 11].
3- إفشاء الأسرار، فهو باب التفرق، والاختلاف، ونافذته.
4- السب واللعن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يكون اللَّعَّانون شفعاءَ، ولا شهداء يوم القيامة)).
5- الكلام فيما لا يعني، وهو من معاول هدم البناء الخلقي، ولو كان كلامنا فيما يعنينا، لَهُدِينا ووُقينا.
6- المِراء والجدال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترك المِراء، وإن كان محقًّا...)).
اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الغِيبة وقول الزور، وأموالنا من الربا وأكل الحرام، واحفظنا بحفظك، واستر علينا بسترك، يا عزيز يا رحيم.
اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا وأعراضنا، ومن أراد بنا سوءًا، فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره.