في صالة مطارعاصمة عربية على قيد التدنيس ...جلس فاضل غارقا في يحر أحلامه التي أبت إلا أن يزداد ضغطها عليه كي يتخذ قرار الهجرة ويبدأ تنفيذه. كان فاضل يعد الايام
في صالة مطارعاصمة عربية على قيد التدنيس ...جلس فاضل غارقا في يحر أحلامه التي أبت إلا أن يزداد ضغطها عليه كي يتخذ قرار الهجرة ويبدأ تنفيذه.
كان فاضل يعد الايام والليالي لينفذ والده وعده بأن يؤمن له مصاريف السفر بعد جني محصول العنب من ( كرمهم الصغير)
وهو يعيش في فضاء جميل يسير به إلى غامض مدهش ، يلجأ فيه الى الحلم ، وليس في نيته رجم الغيب ، بل يريد أن يحزم صرة عمره ويرحل عله يستعيد بعضا من كرامته التي سلبت منه.
قبل سفره بأيام قليلة كان لقاءه الأخير مع سعاد في البستان القريب من بيت أهلها ، سعاد حبه الأول والاخير ، فحبه لها يمتد مسافات بعيدة ويشغل مساحات ناصعة من الصدق والتفاني ليعيش في عمق مشاعرها وفضاءات قلبها ومدارات أحاسيسها.
أخفت سعاد وردة حمراء في منديل ابيض كتذكار يحتفظ به فاضل .
وفي هدأة الليل والتهاب المشاعر واختلاط وجع الفراق بوعود مؤجلة للقاء جديد يكونان فيه حلم يذرفه التأويل من فنجان عرافة.
اخترق هذا السكون صوت انفجار برميل ، سقط على بيت سعاد فأحاله الى ركام ، وتكون هي الناجية الوحيدة من بين افراد عائلتها .
يتذكر قاضل كل هذه الاحداث ، يتململ ، يعدل جلسته ، يحاول تناسي هذه الذكرى المؤلمة ، ويمسح دمعة أبت عينه إلا ان تذرفها
ويأتي صوت مذيعة المطار الداخلية :على الركاب المغادرين على متن الرحلة ( 512 ) المتجهة إلى ( بنغازي ) التوجه إلى البوابة رقم ( 13 ) وشكرا.
أقلعت الطائرة وبدأ فاضل يتذكر ايامه في الوطن : يتذكر صوت المؤذن الساحر ، وخرير الماء في جدول يخترق البساتين الخضراء ، يتذكر البيادر ، ومواسم الحصاد ، ومواويل الحصادين الشجية .
يتذكر صوت امه تدعوه لتناول العشاء ، وسعال والده ورائحة ( المعسل ) التي كانت تملأ المكان ، وطرائف أخيه جابر الذي أدمنه الظرف ، ومداعباته لأخواته . ووعد من ابي فاضل بشراء دراجة نارية لجابر في موسم قطاف العنب القادم.
يتذكر خصام سعاد العذب كرضاها ، والذي كان لايزيد قلبيهما إلا قربا ، ولا النزق إلا ألقاً ، خصاما لاينقضي إلا وقد ذابت روحه شوقا ، وشوقها توقا وتوقهما سعادة حلاوتها في شغاف قلبيهما.
لم يجد فاضل صعوبة في الحصول على شريحة جديدة لهاتفه النقال في مطار بنغازي ، كانت فرحته عارمة وهو يكتب رسالته الاولى الى سعاد:
حبيبتي ياطهرا يتوضأ منه الضوء ، يامن كنتي وستبقين ضمادا لوتيني المجروح بدمعكِ الصادق ، البيلسان في رحاب روحكِ النقية وحتى نلتقي لكِ حبي وقبلاتي.
ورسائل اخرى طمأن من خلالها أهله بوصوله وانه بخير.
بعد وصوله الى بنغازي بثلاثة ايام التقى فاضل بالسمسار الذي سيؤمن انتقاله إلى ايطاليا وتم الاتفاق بينهما على المقابل المادي وموعد الرحلة.
في الموعد المحدد ، ومن ضفاف ساحل مهجور كانت بداية النهاية ، فعندما تعزف الحان الامل فوق جبال من رخام ، تشرق نجمة بؤس ، على مآسي العيون التي تاهت في ظلمة الاقدار ،لابد وأن تعلو عقيرة حزينة في بحور تلونت برماد الفقد.
على طرف القارب جلس فاضل وهو يرتدي سترة النجاة ، يمسك هاتفه النقال ليقرأ آخر رسالة وصلته من سعاد :
متى ستأخذني اليك ياحبيبي وتدثرني بدفء عينيك ؟ متى سنلتقي وترقص لنا النجمات على أنغام ( المونامور) وتفرح لعناقنا زهور النرجس وتتمايل اغصان الزيزفون طربا ، وتبدع الأبجدية في وصف شغفنا .
ساعات تمضي والقارب يمخر عباب البحر ، وأصوات الهاربين الى المجهول تختلط مع هدير الموج تقطع سكون الليل وفاضل مستسلم لأمل الوصول وكان يظنه قريب .
يزداد ارتفاع الامواج ساعة بعد اخرى ، ويبدأ القارب بالتمايل ، ترتفع اصوات الابتهال والدعاء ، يغمض فاضل اهدابه وخلف أبواب الاحلام تسود العتمة ، ويذهب الليل في سبات طويل ، وترفض تباشير الفجر أن تظهر .
وسعاد تبحث عن حبيبها بين امواج الأثير ، تسأل فوهاته خبرا يطمئنها ، تسامر البحر ، وتسأله عن قارب ابحر الى موانئ مجهولة .
ام فاضل تغني:
يافاضل الله على الغربة ماليا حدا يسليني
ولهانه روحي على الصحبة مع دمعي تنزل شراييني
لما اخذوني على قبري شالوني بنعش الغريبين
يقطع غناءها صوت برميل متفجر يسقط على كرم العنب
ثم سكون الا من صوت لحن جنائزي
وقبالة السواحل الايطالية
وجد الصيادون على سطح الماء
منديل ابيض .... ووردة حمراء .. وبينهما نور يشع من طهر لاينتهي
مرارة النهاية مؤلمه
وكانني ارى احداثها في سيناريو واقعي
القصة جميلة بمفردات مدهشه
لغويا ومن تسلسل للاحداث
ابدعت بكل ما فيها من روعه
قلم مميز
بورك عطاءك البراء
.
يستحق التكريم
بالتقييم والختم
الاضافه وللتنبيهات
مع أرق التحايا والتقدير