في خلوة العاشق
حيث يسدل الصمت ستاره كعباءة من ذاب في قبلة لم تكتمل
أجلس وحدي بلا ملامح
وفي الظل الذي خلفته قامتك
يتسرب صوتي إلى هواء لا يسمع إلا أنين الأرواح التي تاقت
فيتحول رغيفي المنزل من غيب المزن إلى طيفك الأول
لا يقاس بالقمح
بل بلهفة اللمسة حين خلقت من نار وماء وارتباك
قلبي هناك في منعطف من مدارج الحجاز السفلى
لا يجيب عن أسئلة الطين
ولا يلتفت إلى وشايات الجوع
فحين أقول سلاما
يكون فمي جمرة تنادي وجهك
في ظلمة لا وطن لها
كأنك كلما اقتربت
تجسدت في هيئة جبل
وتواريت خلف نخلة هجرت خصرها في مدائن صالح
ثقل الذكرى
كأساك حين جفت
يوقد في صدري نيرانا
تسكبها مزامير نداك
وأنا كالمتيّم الذي أضناه الشوق في محراب جسد لم يفتح
أرقب الزمن من شرفة في آخر العناق
وفي كل لحظة هجر
أبصر نقشك على صحف إدريس
وفي كل انكسار
تولد قبلة لا أعرف لمن
زورقي غارق في بحار لا جهة لها
تجرّه أمواج ذنوب تشبه نعاسك حين تنامين على حرفي
لكن في عمق السكون
حيث تتلاقى الأرواح بلا لغة
تتكسر جرة الفكر
وتفيض من الصمت شهقة
لا تقال بل ترتكب
يا أنت
يا ابنة الضوء حين تمرد
ويا آخر الرعشات في سفر النور
أنت السر الممتد بين الرمل والعتمة
كل ما فيك صلاة لم تود
ونشوة لم تحدث بعد
تسير روحي على طريقك بلا اسم
تنتظر تشتاق وتذوب في محراب من غيابك
وأستجير بملامحك في بين مالك
حيث تآمرت النبوءات علينا
وصدى عاد وثمود يرتج بين نهديك
علّي أفهم كيف ينبت الحنين من شقوق الخوف
وكيف يثمر الرجاء في جسد نسي كيف يعانق
تبت يداي إذ تشبثت بنار ليست من وهجك
وما أغنت عني خلواتي
ولا كسبت سوى رمادك
ففي دروب العاشقين
تتجلّى الروح كطيف امرأة تاهت بين الأزمنة
وحين تهجر الأضواء محياك
تبقى الخلوة
ويبقى رغيفي النازل من غيب المزن
آية من آيات الجوع إليك
يتلى على فتنتك
وأنا إذ أمشي على ركامك
أتفيأ ظلال صبر لا يحد
وأذر على خطاي رماد من قبّلوا قبلك
من الأنبياء والمجانين والشعراء الذين
غفروا لكل أنثى إلا لحضورك
فلعلي إن أفنيتني فيك
أبلغ من مقام الرغيف منزلا
حيث لا خبز إلا عناقك
ولا ماء إلا شهقتك الأولى
وحيث الحرف يصلّى عليه سبعا
قبل أن يكتب على ظهرك
وحيث السكوت ليس صمتا
بل شهقة تتأمل وجهك في مرآتي
فهذي يدي مبسوطة
تبايع غيابك
وتنقض عهد الوضوح
لتكتب بالشظايا
آخر سورة من سفر الجسد
يا أنت أمضي على جرف من شوق في أعالي نجد
يا وهم المعنى حين يرتل نفسه في شهوتي
إن كنت سرابا فأنا الظمأ الذي لم يعبد غيرك
تمت أو كادت أن تبدأ
حيث تهب الريح كنائحة عبر ربى الحنين
وتتناثر خطى العاشقين في رمال
حفِظت أسماءهم ولم تحفظ وجوههم
وفي مدائن صالح
حيث تهمس الصخور بما لم تقله السماء
أسمع صدى قبلتي الأخيرة
يرتد بين الأضرحة كأنين نبي خذله العشق
فأبكيك كما بكت النخلة ظلها
وأنتظرك كما ينتظر الوحي نبيًا لا يجيء
فإن ضللتك
فلتكن ضلالتي مثل هدى الرمال
تهتدي بي كل ناقة وجد
ويتلى عليك في غيابي سفر العاشق
الذي أقام خيمته في مهبّ الطلعة
وخبأ اسمك بين ضلعين من سهاد
ويا ليت الهوى كان حجرا في تبوك
أرجم به قلبي كلما تذكرتك
خاتمة الرغيف الذي بورك في غيب المزن
هنا لا تقرأ الفاتحة بل تفتح الجراح القديمة كأنها آيات
ولا يستغفر من الذنوب بل يكشف عنها وجهها الآخر
هنا محراب الرغيف الهابط من الغيب أصلي ضد الريح
ضد قبلة الجموع المطمئنة
فأنا لا أتقن طمأنينة الطقوس
ولأن ذنوبي ليست كذنوبهم
بل كانت شرارات في حضرة الجمر