احمي سمعي وبصري (خطبة)-1 د. محمد بن مجدوع الشهري في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينبَ بنت جحش، زوجَ النبي
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينبَ بنت جحش، زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ غَيرةً عليَّ، قالت: فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله مع عائشة في مِرطِها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلْنَني إليك يسألْنَك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقُب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طَرْفَه، هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرَفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعتُ بها لم أنشَبها حتى أنحيتُ عليها، قالت: فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إنها ابنةُ أبي بكر)).
يا ألله! ما أعظم الموقف وما أنصفه! زوجتان لرجل، كلٌّ منهما تريد أن تنتصر لنفسها في حضرة ضَرَّتِها.
أما في الغيبة ومن ورائها، فهو الإنصاف والعدل وقول الحق؛ قالت عائشة رضي الله عنها وهي تتحدث عن زينب في غيبتها: ((وكانت زينب تُساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أرَ امرأةً قطُّ خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدقَ حديثًا، وأوصل للرحِم، وأعظم صدقةً، وأشدَّ ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدَّق به، وتقرَّب به إلى الله تعالى))؛ [متفق عليه].
طابت منابتها فطاب صنيعها
إن الفِعال إلى المنابت تُنسَبُ
ويأتي دور زينب في الحديث عن ضرتها عائشة في غيبتها.
لما رُمِيَتِ الصِّدِّيقة بالإفك وتأخر الوحي، وضاق الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: ((فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ماذا علمتِ أو رأيتِ؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ على عائشة إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تُساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع)).
بعض المعادن قد غلت أثمانها
ما خالص الإبريز كالفخارِ
بين الخلائق في الخِلال تفاوت
والشهد لا ينقاس بالجمارِ
تلكم هن النساء الناصعات من جيل العدل والإنصاف.
مَن تقول مِن النساء لمن تساميها في المنزلة عند زوجها أو من قريناتها: (أحمي سمعي وبصري، ما أعلم عن فلانة إلا خيرًا)؟
من يحتمي بالورع، فلا يقول عن قرينه في العمل أو المنصب: (أحمي سمعي وبصري، ما أعلم عن فلان إلا خيرًا)؟
إن من المصائب - والمصائب جمَّة - أن يُبتلى المرء بصديق له يأمنه، يعرف منه ما لا يعرفه غيره، فيغدر به بالسعي إلى ذي سلطان أو جاه أو مال أو غيره، ليذكره عنده بغير الجميل، ويتعرض له بالوقِيعة والوِشاية؛ ليُجازى بجائزة، إنما هي لُعاعة من الدنيا، طعامٌ، أو كساء، أو دينار، أو إطراء، إنما هي بمثلها في جهنمَ.
أخرج أبو داود في سننه، وصححه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أكل برجل مسلم أكلةً، فإن الله يُطعمه مثلها في جهنم، ومن كُسِيَ برجل مسلم ثوبًا، فإن الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مسلم مقامَ سُمعة ورياء، فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة)).
و((من رمى مسلمًا بشيء يريد شَينه به، حبسه الله على جسر جهنم، حتى يخرج مما قال))؛ [أخرجه أهل السنن].
ألم تر أن الليث ليس يُضيره
إذا نبحت يومًا عليه کلابُ
حقُّ المسلم على أخيه أن ينصره إذا ظُلم، ويذُب عن عِرضه إذا خِيض فيه، فإن في ذلك أجرًا عظيمًا، وفي خِذلانه إثمًا مبينًا، والمؤمن مرآة المؤمن، يحُوطه من ورائه.
ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((من حمى مؤمنًا من منافق، بعث الله له مَلَكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن ردَّ عن عِرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضعٍ يُنتقص فيه من عِرضه، ويُنتهك فيه من حُرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته)).
وهذا ما التزمه القدوات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق إخوانهم.
ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في القوم في تبوك قال: ((ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل: يا رسول الله، حبسه بُرداه والنظر في عِطفيه، فقال معاذ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا))، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مقرًّا لإنكار معاذ على ذلك المغتاب لأخيه، ومشرعًا لمثله بالرد والذب.
فإن من أعظم ما يفكِّك بنيان الأمة، ويهُدُّ أركانها، ويهدد الفضيلة - الطعنَ في الأعراض والاستطالة على الحرمات.
﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229].
أستغفر الله لي ولكم، وللمسلمين والمسلمات، فاستغفروه، إن ربنا لغفور شكور.