( مركز رفع الصوروالملفات   )
 

 
 
أهلاً وسهلاً بكم في منتدانا العزيز! يسعدنا انضمامكم إلى هذا الصرح المميز، ونتمنى لكم أطيب الأوقات برفقة إخوتكم وأخواتكم في المنتدى. نود تذكيركم بأن تبادل الإيميلات، أرقام الهواتف، أو أي حسابات خاصة عبر المشاركات أو الرسائل الخاصة ممنوع تمامًا حفاظًا على خصوصيتكم وسلامتكم. دعونا نحافظ معًا على بيئة آمنة، راقية، وممتعة للجميع. نتمنى لكم قضاء وقت جميل ومفيد! كلمة الإدارة:


العودة   منتديات ضي البدر > .ღ اسلاميات ღ > ۩۞۩ ضي الركن الإسلامي ۩۞۩
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-20-2025, 09:21 AM   #17



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



تابع – مقدمات في الأخلاق والسلوك

خصائِصُ الأخلاقِ الإسلاميَّةِ

أوَّلًا: الأخلاقُ الإسلاميَّةُ رَبَّانيَّةُ المَصدَرِ
الأخلاقُ الإسلاميَّةُ مصدَرُها كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا مَدخَلَ فيها للآراءِ البَشَريَّةِ، أوِ النُّظُمِ الوضعيَّةِ، أوِ الأفكارِ الفلسَفيَّةِ.
ولذا اتَّسَمَتِ الأخلاقُ الإسلاميَّةُ بسِمةِ الخُلودِ والصِّدقِ والصِّحَّةِ.
ثانيًا: الشُّمولُ والتَّكامُلُ
من خَصائِصِ الأخلاقِ الإسلاميَّةِ: أنَّها شامِلةٌ ومُتَكامِلةٌ، وهي خاصِّيَّةٌ مُنبَثِقةٌ منَ الخاصِّيَّةِ الأولى، وهي الرَّبَّانيَّةُ؛ وذلك لأنَّها تُراعي الإنسانَ والمُجتَمَعَ الذي يَعيشُ فيه، وأهدافَ حَياتِه طِبقًا للتَّصَوُّرِ الإسلاميِّ، تُحَدِّدُ أهدافَ الحَياةِ وغايَتَها وما وراءَها، وتَشمَلُ كافَّةَ مَناشِطِ الإنسانِ وتَوجُّهاتِه، وتَستَوعِبُ حَياتَه كُلَّها من جَميعِ جَوانِبِها، ثمَّ هي أيضًا لا تَقِفُ عِندَ حَدِّ الحَياةِ الدُّنيا.
ثالثًا: الأخلاقُ الإسلاميَّةُ صالحةٌ لكُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ
لمَّا كانتِ الأخلاقُ الإسلاميَّةُ رَبَّانيَّةَ المَصدَرِ، كانت صالحةً لجَميعِ النَّاسِ في كُلِّ زَمانٍ وفي أيِّ مَكانٍ، نَظَرًا لِما تَتَمَيَّزُ به من خَصائِصَ، فلا يَطرَأُ عليها أيُّ تَغييرٍ أو تَبديلٍ بسَبَبِ تَغَيُّرِ الظُّروفِ والأزمانِ؛ لأنَّها ليست نِتاجًا بَشَريًّا، بل هي وَحيٌ منَ اللهِ تعالى لنَبيِّه.
رابعًا: الإقناعُ العَقليُّ والوِجدانيُّ
تَشريعاتُ الإسلامِ تُوافِقُ العُقولَ الصَّحيحةَ، وتتواءمُ مَعَ الفِطَرِ السَّليمةِ، وتَحصُلُ القَناعةُ الكامِلةُ والانسِجامُ التَّامُّ مَعَ ما أتَت به الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ من نُظُمٍ أخلاقيَّةٍ.
فالأخلاقُ الإسلاميَّةُ بها يَقنَعُ العَقلُ السَّليمُ، ويَرضى بها القَلبُ، فيَجِدُ الإنسانُ ارتياحًا واطمِئنانًا تِجاهَ الحَسَنِ منَ الأخلاقِ، ويَجِدُ نُفرةً وقَلقًا تِجاهَ السَّيِّئِ منَ الأخلاقِ.
خامِسًا: المسؤوليَّةُ
الأخلاقُ الإسلاميَّةُ تَجعلُ الإنسانَ مسؤولًا عَمَّا يَصدُرُ منه في كُلِّ جَوانِبِ الحَياةِ، سَواءٌ كانت هذه المسؤوليَّةُ مسؤوليَّةً شَخصيَّةً أم مسؤوليَّةً جَماعيَّةً، ولا تَجعلُه اتِّكاليًّا لا يَأبَهُ بما يَدورُ حَولَه من أشياءَ، وهذه خاصِّيَّةٌ من خَصائِصِ أخلاقِنا انفرَدَت بها الشَّريعةُ الغَرَّاءُ.
ونَعني بالمسؤوليَّةِ الشَّخصيَّةِ أنَّ الإنسانَ مسؤولٌ عَمَّا يَصدُرُ منه عن نَفسِه؛ إن كان خَيرًا فخَيرٌ، وإن كان شَرًّا فشَرٌّ، وفي هذا الصَّدَدِ يَقولُ اللهُ تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: 21].
ويقولُ تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ علَى نَفْسِهِ [النساء: 111] .
ويقولُ تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: 36] .
فهذه الآياتُ وغَيرُها تُبَيِّنُ لنا مَدى المسؤوليَّةِ التي تَقَعُ على عاتِقِ الإنسانِ عَمَّا يَصدُرُ منه. ويَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وإنَّ العَبدَ ليَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ من سَخَطِ اللَّهِ لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جَهَنَّمَ)) ، يَقولُ ابنُ حَجَرٍ في شَرحِ الحَديثِ: ("لا يُلقي لها بالًا": أي: لا يَتَأمَّلُ بخاطِرِه، ولا يَتَفكَّرُ في عاقِبَتِها، ولا يَظُنُّ أنَّها تُؤثِّرُ شَيئًا) ، فقَبل أن تَخرُجَ الكَلمةُ من فيك أعطِ نَفسَك فُرصةً للتَّفكيرِ، هل ما سَتَقولُه يُرضي اللهَ أم يُغضِبُه؟ هَل تَكونُ عاقِبَتُه خَيرًا أم شَرًّا؟ وطالما لم تَخرُجْ فأنتَ مالِكُها، فإذا خَرَجَت كُنتَ أسيرَها، وإذا كان هذا في الكَلامِ ففي سائِرِ التَّصَرُّفاتِ من بابِ أَولى.
ونَعني بالمسؤوليَّةِ العامَّةِ (الجَماعيَّةِ): تلك المسؤوليَّةَ التي تُراعي الصَّالحَ العامَّ للنَّاسِ، فلا يَكونُ الرَّجُلُ إمَّعةً مُتَكاسِلًا... أو سَلبيًّا، بل عليه أن يَأمُرَ بالمَعروفِ، وأن يَنهى عنِ المُنكَرِ: ((مَن رَأى منكُم مُنكَرًا فليُغَيِّرْه بيَدِه، فإن لم يَستَطِعْ فبلِسانِه، فإن لم يَستَطِعْ فبقَلبِه، وذلك أضعَفُ الإيمانِ)) .
سادِسًا: العِبرةُ بالظَّاهرِ والباطِنِ منَ الأعمالِ مَعًا
أخلاقُنا الإسلاميَّةُ لا تَكتَفي بالظَّاهرِ منَ الأعمالِ، ولا تَحكُمُ عليه بالخَيرِ والشَّرِّ بمُقتَضى الظَّاهرِ فقَط، بل يَمتَدُّ الحُكمُ ليَشمَلَ النَّوايا والمَقاصِدَ، وهي أمورٌ باطِنيَّةٌ؛ فالعِبرة إذًا بالنِّيَّةِ، يَقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوى)) ... والنِّيَّةُ هي مَدارُ التَّكليفِ، وعلى ذلك فالإسلامُ يُراعي نيَّةَ الإنسانِ في الحُكمِ على عَمَلِه الظَّاهرِ.
سابعًا: الرَّقابةُ الدِّينيَّةُ
الرَّقابةُ: تَعني مُراقَبةَ المُسلمِ لجانِب مَولاه سُبحانَه في جَميعِ أمورِ الحَياةِ.
وعلى هذا فإنَّ الرَّقابةَ في أخلاقِنا الإسلاميَّةِ لها مَدلولُها المُستَقِلُّ والمُختَلِفُ عنِ الرَّقابةِ في مَصادِرِ الأخلاقِ الأخرى؛ حَيثُ تَكونُ رَقابةً خارِجيَّةً منَ الغَيرِ تَتَمَثَّلُ في رَقابةِ السُّلطةِ والأفرادِ.
أمَّا الرَّقابةُ في الإسلامِ فهي رَقابةٌ ذاتيَّةٌ في المَقامِ الأوَّلِ، وهي رَقابةٌ نابعةٌ منَ التَّربيةِ الإسلاميَّةِ الصَّحيحةِ، ومن إيقاظِ الضَّميرِ، فإذا كان المُسلمُ يَعلمُ أنَّ اللهَ مَعَه، وأنَّه مُطَّلعٌ على حَرَكاتِه وسَكَناتِه، فإنَّه يَكونُ رَقيبًا على نَفسِه، ولا يَحتاجُ إلى رَقابةِ الغَيرِ عليه؛ يَقولُ تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: 4] ، ويقولُ سُبحانَه: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه: 7] ، ويقولُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ علَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1] ، فإذا قَرَأ المُسلِمُ هذه الآياتِ وعَرَف مَعناها فإنَّه حينَئِذٍ يَتَيَقَّنُ أنَّه إذا تَمَكَّنَ منَ الإفلاتِ من رَقابةِ السُّلطةِ، فإنَّه لن يَتَمَكَّنَ منَ الإفلاتِ من رَقابة اللَّهِ، وهذا في حَدِّ ذاتِه أكبَرُ ضَمانٍ لعَدَمِ الانحِرافِ والانسياقِ إلى الأخلاقِ المَذمومةِ.
ثامنًا: الأخلاقُ الإسلاميَّةُ تَرتَبطُ بالجَزاءِ الدُّنيَويِّ والأخرَويِّ
أخلاقُ الإسلامِ تَرتَبطُ ارتِباطًا وثيقًا بالجَزاءِ، سَواءٌ في الدُّنيا أوِ الآخِرةِ؛ لذا وُجِدَ الوعدُ والوعيدُ، والتَّرغيبُ والتَّرهيبُ.
فالأخيارُ منَ النَّاسِ: جَزاؤُهم عَظيمٌ في الدُّنيا والآخِرةِ: ومن ذلك ما أعَدَّه اللهُ لهم في الآخِرةِ كما في قولِه تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 72] .
وكَذلك ما وعَدَهمُ اللهُ به في الدُّنيا منَ الجَزاءِ العاجِلِ؛ قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2-3] ، وقال أيضًا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] .
وأمَّا الأشرارُ منَ النَّاسِ فقد تَوعَّدَهمُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ كما في قَولِه تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: 19-22] .
وأمَّا جزاؤهم في الدُّنيا فمثالُه قَولُه تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112] .

( يتبع - اكتسابُ الأخلاقِ )




رد مع اقتباس
قديم 11-20-2025, 09:22 AM   #18



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



تابع – مقدمات في الأخلاق والسلوك

اكتسابُ الأخلاقِ

(لدَينا حَقيقةٌ ثابتةٌ لا بُدَّ من مُلاحَظَتِها في مَجالِ كُلِّ تَكليفٍ رَبَّانيٍّ: هي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى لا يُكَلِّفُ نَفسًا إلَّا وُسعَها، فمسؤوليَّةُ الإنسانِ تَنحَصِرُ في نِطاقِ ما يَدخُلُ في وُسعِه، وما يَستَطيعُه من عَمَلٍ، أمَّا ما هو خارِجٌ عن وُسعِ الإنسانُ واستِطاعَتِه، فليس عليه مسؤوليَّةٌ نَحوَه، يُضافُ إلى ذلك أنَّ نِسبةَ المسؤوليَّةِ تَتَناسَبُ طَردًا وعَكسًا مَعَ مِقدارِ الاستِطاعةِ...
فما كان منَ الطِّباعِ الفِطريَّةِ قابلًا للتَّعديلِ والتَّبديلِ، ولو في حُدودِ نِسَبٍ جُزئيَّةٍ؛ لدُخولِه تَحتَ سُلطانِ إرادةِ الإنسانِ وقُدرَتِه، كان خاضِعًا للمسؤوليَّةِ، وداخِلًا في إطارِها تِجاهَ التَّكاليفِ الرَّبَّانيَّةِ، وما لم يَكُنْ قابلًا للتَّعديلِ والتَّبديلِ؛ لخُروجِه عن سُلطانِ إرادةِ الإنسانِ وقُدرَتِه، فهو غَيرُ داخِلٍ في إطارِ المسؤوليَّةِ تِجاهَ التَّكاليفِ الرَّبَّانيَّةِ.
وبناءً على ذلك فإنَّنا نَقولُ وَفْقَ المَفاهيمِ الدِّينيَّةِ: لو لم يَكُنْ لدى كُلِّ إنسانٍ عاقِلٍ قُدرةٌ على اكتِسابِ حَدٍّ ما منَ الفضائِلِ الأخلاقيَّةِ، لَما كَلَّفه اللَّهُ ذلك.
وليس أمرُ قُدرةِ الإنسانِ على اكتِسابِ حَدٍّ ما من كُلِّ فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ بَعيدًا عنِ التَّصَوُّرِ والفهمِ، ولكِنَّه بحاجةٍ إلى مِقدارٍ مُناسِبٍ منَ التَّأمُّلِ والتَّفكيرِ.
أليستِ استِعداداتُ النَّاسِ لأنواعِ العُلومِ المُختَلفةِ مُتَفاوِتةً؛ فبَعضُهم أقدَرُ على تَعلُّمِ الفُنونِ الجَميلةِ من بَعض، وبَعضُهم أقدَرُ على تَعلُّمِ العُلومِ العَقليَّةِ من بَعضٍ، وبَعضُهم أقدَرُ على حِفظِ التَّواريخِ والحَوادِثِ أو حِفظِ النُّصوصِ من بَعضٍ؟
إنَّه... ما من إنسانٍ عاقِلٍ إلَّا ولدَيه قُدرةٌ على اكتِسابِ مِقدارٍ ما من فضائِلِ الأخلاقِ، وفي حُدودِ هذا المِقدارِ الذي يَستَطيعُه يَكونُ تَكليفُه، وتَكونُ مسؤوليَّتُه، ثمَّ في حُدودِه تَكونُ مُحاسَبَتُه ومُجازاتُه.
إنَّ أسرَعَ النَّاسِ استِجابةً لانفِعالِ الغَضَبِ يَستَطيعُ بوسائِلِ التَّربيةِ أن يَكتَسِبَ مِقدارًا ما من خُلُقِ الحِلمِ، ومَتى صَمَّمَ بإرادَتِه أن يَكتَسِبَ ذلك فإنَّه يَستَطيعُه؛ لذلك فهو مسؤولٌ عنِ اكتِسابِ ما يَستَطيعُه منه، فإذا هو أهمَل تَربيةَ نَفسِه، وتَركَها من غَيرِ تَهذيبٍ تَنمو نُموَّ أشواكِ الغابِ، فإنَّه سَيُحاسَبُ على إهمالِه، وسيَجني ثَمَراتِ تَقصيرِه.
وإنَّ أشَدَّ النَّاسِ بُخلًا وأنانيَّةً وحُبًّا للتَّمَلُّكِ يَستَطيعُ بوسائِلِ التَّربيةِ أن يَكتَسِبَ مِقدارًا ما من خُلُقِ حُبِّ العَطاءِ، ومَتى صَمَّمَ بإرادَتِه أن يَكتَسِبَ ذلك فإنَّه يَستَطيعُه؛ لذلك فهو مسؤولٌ عنِ اكتِسابِ القَدرِ الواجِبِ شَرعًا منه، فإذا هو أهمَل تَربيةَ نَفسِه، وتَركَها من غَيرِ تَهذيبٍ، فإنَّه سَيُحاسَبُ على إهمالِه، وسَيَجني ثَمَراتِ تَقصيرِه.
والمَفطورُ على نِسبةٍ كَبيرةٍ منَ الجُبنِ يَستَطيعُ أن يَكتَسِبَ بالتَّربيةِ المُقتَرِنةِ بالإرادةِ والتَّصميمِ مِقدارًا ما من خُلُقِ الشَّجاعةِ، قد لا يَبلُغُ به مَبلَغَ المَفطورِ على نِسبةٍ عاليةٍ منَ الشَّجاعةِ، ولكِنَّه مِقدارٌ يَكفيه لتَحقيقِ ما يَجِبُ عليه فيه أن يَكونَ شُجاعًا، وضِمنَ الحُدودِ التي هو مسؤولٌ فيها.
وأشَدُّ النَّاسِ أنانيَّةً في تَكوينِه الفِطريِّ يَستَطيعُ أن يَكتَسِبَ بالتَّربيةِ المُقتَرِنةِ بالإرادةِ والتَّصميمِ مِقدارًا ما منَ الغَيريَّةِ والإيثارِ، قد لا يَبلُغُ فيه مَبلغَ المَفطورِ على مَحَبَّةِ الآخَرينَ، والرَّغبةِ بأن يُؤثِرَهم على نَفسِه، ولكِنَّه مِقدارٌ يَكفيه لتَأديةِ الحُقوقِ الواجِبةِ عليه تِجاهَ الآخَرينَ.
وهكذا نَستَطيعُ أن نَقولَ: إنَّ أيَّةَ فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ باستِطاعةِ أيِّ إنسانٍ عاقِلٍ أن يَكتَسِبَ منها بالتَّربيةِ المُقتَرِنةِ بالإرادةِ والتَّصميمِ المِقدارَ الذي يَكفيه لتَأديةِ واجِبِ السُّلوكِ الأخلاقيِّ.
والنَّاسُ من بَعدِ ذلك يَتَفاوتونَ بمَدى سَبقِهم وارتِقائِهم في سُلَّمِ الفضائِلِ.
وتَفاوُتُ الاستِعداداتِ والطَّبائِعِ لا يُنافي وُجودَ استِعدادٍ عامٍّ صالحٍ لاكتِسابِ مِقدارٍ ما من أيِّ فرعٍ من فُروعِ الاختِصاصِ، سَواءٌ أكان ذلك من قَبيلِ العُلومِ، أو من قَبيلِ الفُنونِ، أو من قَبيلِ المَهاراتِ، أو من قَبيلِ الأخلاقِ.
وفي حُدودِ هذا الاستِعدادِ العامِّ ورَدَتِ التَّكاليفُ الشَّرعيَّةُ الرَّبَّانيَّةُ العامَّةُ، ثمَّ تَرتَقي من بَعدِه مسؤوليَّاتُ الأفرادِ بحَسَبِ ما وهَبَ اللَّهُ كُلًّا منهم مِن فِطَرٍ، وبحَسَبِ ما وَهبَ كُلًّا منهم منِ استِعداداتٍ خاصَّةٍ زائِدةٍ على نِسبةِ الاستِعدادِ العامِّ.
ولو أنَّ بَعضَ النَّاسِ كان مَحرومًا من أدنى حُدودِ الاستِعدادِ العامِّ الذي هو مَناطُ التَّكليفِ، فإنَّ التَّكليفَ لا يَتَوجَّهُ إليه أصلًا، ومن سُلِب منه هذا الاستِعدادُ بسَبَبِ ما ارتَفعَ عنه التَّكليفُ؛ ضَرورةَ اقتِرانِ التَّكليفِ بالاستِطاعةِ، كما أوضَحَت ذلك نُصوصُ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ.
ووَفقَ هذا الأساسِ جاءَتِ التَّكاليفُ الشَّرعيَّةُ بالتِزامِ فضائِلِ الأخلاقِ واجتِنابِ رَذائِلِها.
ووَفقَ هذا الأساسِ وضع الإسلامُ الخُطَطَ التَّربَويَّةَ التي تَنفعُ في التَّربيةِ على الأخلاقِ الفاضِلةِ؛ فالاستِعدادُ لذلك مَوجودٌ في الواقِعِ الإنسانيِّ، وإن اختَلفت نِسبةُ هذا الاستِعدادِ من شَخصٍ إلى آخَرَ. وفي الإصلاحِ التَّربَويِّ قد يَقبَلُ بَعضُ النَّاسِ بَعضَ فضائِلِ الأخلاقِ بسُهولةٍ، ولا يَقبَلُ بَعضَها الآخَرَ إلَّا بصُعوبةٍ ومُعالجةٍ طَويلةِ المَدى، وقد تَقِلُّ نِسبةُ استِجابَتِه) .
قال الغَزاليُّ: (لو كانتِ الأخلاقُ لا تَقبَلُ التَّغييرَ لبَطَلتِ الوصايا والمَواعِظُ والتَّأديباتُ... وكَيف يُنكَرُ هذا في حَقِّ الآدَميِّ، وتَغييرُ خَلقِ البَهيمةِ مُمكِنٌ؟! إذ يُنقَلُ البازي منَ الاستيحاشِ إلى الأُنسِ، والكَلبُ من شَرَهِ الأكلِ إلى التَّأدُّبِ والإمساكِ والتَّخليةِ، والفرَسُ منَ الجِماحِ إلى السَّلاسةِ والانقيادِ، وكُلُّ ذلك تَغييرٌ للأخلاقِ) .

( يتبع – وسائل اكتساب الأخلاق )




رد مع اقتباس
قديم 11-20-2025, 09:25 AM   #19



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



تابع – مقدمات في الأخلاق والسلوك

وسائِلُ اكتسابِ الأخلاقِ

1- تصحيحُ العقيدةِ
إنَّ العَقيدةَ تَنعَكِسُ ولا بُدَّ على أخلاقِ مُعتَقِدِها؛ فالطَّريقُ لتَصحيحِ الأخلاقِ هو تَصحيحُ العَقيدةِ (فالسُّلوكُ ثَمَرةٌ لِما يَحمِلُه الإنسانُ من مُعتَقَدٍ، وما يَدينُ به من دينٍ، والانحِرافُ في السُّلوكِ ناتِجٌ عن خَللٍ في المُعتَقدِ، فالعَقيدةُ هي السُّنَّةُ، وهي الإيمانُ الجازِمُ باللهِ تعالى، وبما يَجِبُ له منَ التَّوحيدِ والإيمانِ بمَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه، واليَومِ الآخِرِ، والقدَرِ خَيرِه وشَرِّه، وبما يَتَفرَّعُ عن هذه الأصولِ، ويَلحَقُ بها ممَّا هو من أصولِ الإيمانِ، وأكمَلُ المُؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم أخلاقًا؛ فإذا صَحَّتِ العَقيدةُ حَسُنَتِ الأخلاقُ تَبَعًا لذلك؛ فالعَقيدةُ الصَّحيحةُ: عَقيدةُ السَّلفِ، عَقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ التي تَحمِلُ صاحِبَها على مَكارِمِ الأخلاقِ، وتَردَعُه عن مَساوِئِها.
كما قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أكمَلُ المُؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا)) .
وقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أكمَلُ المُؤمنينَ أحسَنُهم خُلُقًا، وخيارُكُم خيارُكُم لنِسائِهم)) . وقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ أكمَلَ المُؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا، وإنَّ حُسنَ الخُلُقِ ليَبلُغُ دَرَجةَ الصَّومِ والصَّلاةِ)) ) .
2- العِباداتُ:
إنَّ (العِباداتِ التي شُرِعَت في الإسلامِ واعتُبِرَت أركانًا في الإيمانِ به ليست طُقوسًا مُبهَمةً في النَّوعِ الذي يَربُطُ الإنسانَ بالغُيوبِ المَجهولةِ، ويُكَلِّفُه بأداءِ أعمالٍ غامِضةٍ، وحَرَكاتٍ لا مَعنى لها، كَلَّا، كَلَّا؛ فالفرائِضُ التي ألزَمَ الإسلامُ بها كُلَّ مُنتَسِبٍ إليه هي تَمارينُ مُتَكَرِّرةٌ لتَعويدِ المَرءِ أن يَحيا بأخلاقٍ صَحيحةٍ، وأن يَظَلَّ مُستَمسِكًا بهذه الأخلاقِ مَهما تَغَيَّرَت أمامَه الحَياةُ.
والقُرآنُ الكَريمُ والسُّنَّةُ المُطَهَّرةُ يَكشِفانِ -بوُضوحٍ- عن هذه الحَقائِقِ.
فالصَّلاةُ الواجِبةُ عِندَما أمرَ اللَّهُ بها أبانَ الحِكمةَ من إقامَتِها، وقال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [العنكبوت: 45] .
فالابتِعادُ عنِ الرَّذائِل والتَّطهيرُ من سوءِ القَولِ وسوءِ العَمَلِ، هو حَقيقةُ الصَّلاةِ...
والزَّكاةُ المَفروضةُ ليست ضَريبةً تُؤخَذُ منَ الجُيوب بل هي -أوَّلًا- غَرسٌ لمَشاعِرِ الحَنانِ والرَّأفةِ، وتَوطيدٌ لعلاقاتِ التَّعارُفِ والأُلفةِ بَين شَتَّى الطَّبَقاتِ.
وقد نَصَّ القُرآنُ على الغايةِ من إخراجِ الزَّكاةِ بقَولِه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا [التوبة: 103] .
فتَنظيفُ النَّفسِ من أدرانِ النَّقصِ والتَّسامي بالمُجتَمَعِ إلى مُستَوًى أنبَلَ هو الحِكمةُ الأولى.
وكَذلك شَرَعَ الإسلامُ الصَّومَ فلم يَنظُرْ إليه على أنَّه حِرمانٌ مُؤَقَّتٌ من بَعضِ الأطعِمةِ والأشرِبةِ، بَل اعتَبَرَه خُطوةً إلى حِرمانِ النَّفسِ دائِمًا من شَهَواتِها المَحظورةِ ونَزَواتها المَنكورةِ.
وإقرارًا لهذا المَعنى قال الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليس للَّهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طَعامَه وشَرابَه)) .
وقد يَحسَبُ الإنسانُ أنَّ السَّفرَ إلى البقاعِ المُقدَّسةِ الذي كُلِّف به المُستَطيعُ واعتُبِرَ من فرائِضِ الإسلامِ على بَعضِ أتباعهِ؛ يَحسَبُ الإنسانُ هذا السَّفرَ رِحلةً مُجَرَّدةً عنِ المَعاني الخُلُقيَّةِ، ومِثلًا لما قد تَحتَويه الأديانُ أحيانًا من تعبُّداتٍ غَيبيَّةٍ. وهذا خَطَأٌ؛ إذ يَقولُ اللهُ تعالى -في الحَديثِ عن هذه الشَّعيرةِ-: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [الحج: 197]) .
3- الارتباطُ بالقرآنِ الكريمِ:
لا شَكَّ أنَّ القُرآنَ كِتابُ هِدايةٍ ومَنهَجُ حَياةٍ، ولا شَكَّ أنَّ الارتِباطَ به قِراءةً وتَدَبُّرًا وعَمَلًا من أعظَمِ الوسائِلِ لتَحقيقِ الهدايةِ والحَياةِ الكَريمةِ والأخلاقِ الفاضِلةِ؛ قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9] .
وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] .
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57] .
قال ابنُ كَثيرٍ: (مَّوعِظةٌ: زاجِرٌ عنِ الفواحِشِ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، أي: منَ الشُّبَهِ والشُّكوكِ، وهو إزالةُ ما فيها من رِجسٍ ودَنَسٍ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ، أي: مُحَصِّلٌ لها الهدايةَ والرَّحمةَ منَ اللهِ تعالى، وإنَّما ذلك للمُؤمنينَ به والمُصَدِّقينَ الموقِنينَ) .
وقال جَلَّ ثناؤه: وَنَزَّلْنَا علَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] .
قال السَّعديُّ: (يَستَضيئونَ به في ظُلُماتِ الكُفرِ والبِدَعِ، والأهواءِ المُرْديةِ، ويَعرِفونَ به الحَقائِقَ، ويهتَدونَ به إلى الصِّراطِ المُستَقيمِ) .
وقال الشِّنقيطيُّ: (هذه الآيةُ الكَريمةُ أجمَل اللَّهُ جَلَّ وعلا فيها جَميعَ ما في القُرآنِ منَ الهُدى إلى خَيرِ طَريقٍ وأعدَلِها وأصوَبِها، فلو تَتَبَّعْنا تَفصيلَها على وَجهِ الكَمالِ لأتَينا على جَميعِ القُرآنِ العَظيمِ؛ لشُمولِها لجَميعِ ما فيه منَ الهدى إلى خَيرِ الدُّنيا والآخِرةِ) .
وكم في هذا الكتابِ العظيمِ من توجيهٍ وهدايةٍ، فقال سُبحانَه: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ علَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ علَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ [البقرة: 231] .
فالقُرآنُ الكَريمُ اشتَمَل على الأمثالِ والقِصَصِ والعِبَرِ هدايةً لخَيرَي الدُّنيا والآخِرةِ.
فأمَّا الأمثالُ القُرآنيَّةُ فمن أفضَلِ الوسائِلِ لغَرسِ القِيَمِ الإسلاميَّةِ وتَهذيبِ النُّفوسِ والأفكارِ، وتَغييرِ السُّلوكِ والاعتِبارِ، ومن خِلالِها يُعيدُ المَرءُ تَرتيبَ نَفسِه بالتَّفكيرِ والإمعانِ، والعَمَلِ على إصلاحِ النَّفسِ وتَربيَتِها.
وأمَّا القَصَصُ القُرآنيُّ فله أثَرٌ بالغٌ في نَفسِ القارِئِ والسَّامِعِ، تَهفو لها النُّفوسُ، وتَطمَئِنُّ بها القُلوبُ، وتَسمو بها الأرواحُ، فيها منَ السِّحرِ الأخَّاذِ للسَّمعِ والفُؤادِ، وفيها منَ الفوائِدِ والعِبَرِ والدُّروسِ والإرشادِ والدَّلالاتِ لمَن أمعنَ النَّظَرَ، وألقى السَّمعَ وهو شَهيدٌ.
قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ علَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: 2-3] ) .

( يتبع )




رد مع اقتباس
قديم 11-20-2025, 09:27 AM   #20



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



تابع – مقدمات في الأخلاق والسلوك

وسائِلُ اكتسابِ الأخلاقِ

4- التَّدريبُ العَمَليُّ والرِّياضةُ النَّفسيَّةُ
(إنَّ التَّدريبَ العَمَليَّ والمُمارَسةَ التَّطبيقيَّةَ ولو مَعَ التَّكَلُّفِ في أوَّلِ الأمرِ، وقَسرَ النَّفسِ على غَيرِ ما تَهوى: منَ الأمورِ التي تَكسِبُ النَّفسَ الإنسانيَّةَ العادةَ السُّلوكيَّةَ، طال الزَّمَنُ أو قَصُرَ.
والعادةُ لها تَغَلغُلٌ في النَّفسِ يَجعَلُها أمرًا مُحَبَّبًا، وحينَ تَتَمَكَّنُ في النَّفسِ تَكونُ بمَثابةِ الخُلُقِ الفِطريِّ، وحينَ تَصِلُ العادةُ إلى هذه المَرحَلةِ تَكونُ خُلُقًا مُكتَسَبًا، ولو لم تَكُنْ في الأصلِ الفِطريِّ أمرًا مَوجودًا.
وقد عَرَفنا أنَّ في النَّفسِ الإنسانيَّةِ استِعدادًا فِطريًّا لاكتِسابِ مِقدارٍ ما من كُلِّ فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ، وبمِقدارِ ما لدى الإنسانِ من هذا الاستِعدادِ تَكونُ مسؤوليَّتُه، ولو لم يَكُنْ لدى النُّفوسِ الإنسانيَّةِ هذا الاستِعدادُ لكان منَ العَبَثِ اتِّخاذُ أيَّةِ مُحاولةٍ لتَقويمِ أخلاقِ النَّاسِ. والقَواعِدُ التَّربَويَّةُ المُستَمَدَّةُ منَ الواقِعِ التَّجريبيِّ تُثبِتُ وُجودَ هذا الاستِعدادِ، واعتِمادًا عليه يَعمَلُ المُرَبُّونَ على تَهذيبِ أخلاقِ الأجيالِ التي يُشرِفونَ على تَربيَتِها، وقد ورَدَ في الأثَرِ: (العِلمُ بالتَّعلُّمِ، والحِلمُ بالتَّحَلُّمِ) .
وثَبَتَ أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ومَن يَستَعفِفْ يُعِفَّه اللَّهَ، ومَن يَستَغنِ يُغنِه اللهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ)) .
فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّ ناسًا منَ الأنصارِ سَألوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأعطاهم، ثمَّ سَألوه فأعطاهم، حتَّى إذا نَفِدَ ما عِندَه قال: ((ما يَكُنْ عِندي من خَيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومَن يَستَعفِفْ يُعِفَّه اللَّهُ، ومَن يَستَغنِ يُغنِه اللهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ، وما أعطيَ أحَدٌ عَطاءً خَيرًا وأوسَعَ منَ الصَّبرِ)) .
وضَرَبَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَثَلًا دَلَّ فيه على أنَّ التَّدريبَ العَمَليَّ ولو مَعَ التَّكَلُّفِ يَكسِبُ العادةَ الخُلُقيَّةَ حتَّى يَصيرَ الإنسانُ مِعطاءً غَيرَ بَخيلٍ، ولو لم يَكُنْ كَذلك أوَّلَ الأمرِ.
رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((مَثَلُ البَخيلِ والمُنفِقِ كمَثَلِ رَجُلينِ عليهما جُبَّتانِ من حديدٍ من ثُدِيِّهما إلى تراقيهما ، فأمَّا المُنفِقُ فلا يُنفِقُ إلَّا سَبَغَت أو وفَرَت على جِلدِه، حتَّى تُخفيَ بَنانَه، وتَعفوَ أثَرَه، وأمَّا البَخيلُ فلا يُريدُ أن يُنفِقَ شَيئًا إلَّا لزِقَت كُلُّ حَلقةٍ مَكانَها، فهو يوسِّعُها ولا تَتَّسِعُ)) .
فدَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ المُنفِقَ والبَخيلَ كانا في أوَّلِ الأمرِ مُتَساويَينِ في مِقدارِ الدِّرعَينِ.
أمَّا المُنفِقُ فقد رَبَتَ دِرعُه بالإنفاقِ حتَّى غَطَّت جِسمَه كُلَّه، بخِلافِ البَخيلِ الذي لم يُدَرِّبْ نَفسَه على الإنفاقِ، فإنَّ نَفسَه تَكُزُّ ، واللَّهُ يُضَيِّقُ عليه من وراءِ ذلك، فيَكونُ البُخلُ خُلُقًا مُتَمَكِّنًا من نَفسِه مُسَيطِرًا عليها.
ومن ذلك نَفهَمُ أمرَينِ: فِطريَّةَ الخُلُقِ، وقابليَّتَه للتَّعديلِ بالمُمارَسةِ والتَّدريبِ العَمَليِّ. إنَّ المُنفِقَ كان أوَّلَ الأمرِ كالبَخيل يُشبهانِ لابِسَي دِرعَينِ من حَديدٍ مُتَساويَينِ، ويَبدو أنَّ الدِّرعَ مِثالٌ لِما يَضغَطُ على الصَّدرِ عِندَ إرادةِ النَّفقةِ، فمَن يَتَدَرَّبُ على البَذلِ تَنفتِحُ نَفسُه كما يَتَّسِعُ الدِّرعُ فلا يَكونُ له ضَغطٌ، وأمَّا من يَعتادُ الإمساكَ فيَشتَدُّ ضاغِطُ البُخلِ على صَدرِه، فهو يُحِسُّ بالضِّيقِ الشَّديدِ كُلَّما أرادَ البَذلَ، ومَعَ مُرورِ الزَّمَنِ يَتَصَلَّبُ هذا الضَّاغِطُ.
واعتِمادًا على وُجودِ الاستِعدادِ الفِطريِّ لاكتِسابِ الخُلُقِ ورَدَتِ الأوامِرُ الدِّينيَّةُ بفضائِلِ الأخلاقِ، وورَدَتِ النَّواهي الدِّينيَّةُ عن رَذائِلِ الأخلاقِ.
ولكِن منَ المُلاحَظِ أنَّه قد يَبدَأُ التَّخَلُّقُ بخُلُقٍ ما عَمَلًا شاقًّا على النَّفسِ، إذا لم يَكُنْ في أصلِ طَبيعَتِها الفِطريَّةِ، ولكِنَّه بتَدريبِ النَّفسِ عليه وبالتَّمَرُّسِ والمِرانِ يُصبحُ سَجيَّةً ثابتةً يَندَفِعُ الإنسانُ إلى مُمارَسةِ ظَواهِرِها اندِفاعًا ذاتيًّا دونَ أن يَجِدَ أيَّةَ مَشَقَّةٍ أو مُعارَضةٍ أو عَقَبةٍ من داخِلِ نَفسِه، ولئِن وجَدَ شَيئًا من ذلك فإنَّ دافِعَ الخُلُقِ المُكتَسَبِ يَظَلُّ هو الدَّافِعَ الأغلَبَ، بشَرطِ أن يَكونَ التَّخَلُّقُ قد تحَوَّل فِعلًا إلى خُلُقٍ مُكتَسَبٍ.
وليس التَّدريبُ النَّفسيُّ ببَعيدِ الشَّبَهِ عنِ التَّدريبِ الجَسَديِّ، الذي يُكتَسَبُ به المَهاراتُ العَمَليَّةُ الجَسَديَّةُ) .
قال الغَزاليُّ: (فمَن أرادَ مَثَلًا أن يُحَصِّلَ لنَفسِه خُلُقَ الجودِ فطَريقُه أن يَتَكَلَّفَ تَعاطيَ فِعلِ الجَوادِ، وهو بَذلُ المالِ، فلا يَزالُ يُطالِبُ نَفسَه ويواظِبُ عليه تَكَلُّفًا مُجاهدًا نَفسَه فيه حتَّى يَصيرَ ذلك طَبعًا له، ويَتَيَسَّرَ عليه فيَصيرَ به جَوادًا، وكَذا من أرادَ أن يُحصِّلَ لنَفسِه خُلُقَ التَّواضُعِ وقد غَلبَ عليه الكِبرُ، فطَريقُه أن يواظِبَ على أفعالِ المُتَواضِعينَ مُدَّةً مَديدةً، وهو فيها مُجاهِدٌ نَفسَه ومُتَكَلِّفٌ إلى أن يَصيرَ ذلك خُلُقًا له وطَبعًا فيَتَيَسَّرَ عليه. وجَميعُ الأخلاقِ المَحمودةِ شَرعًا تَحصُلُ بهذا الطَّريقِ، وغايَتُه أن يَصيرَ الفِعلُ الصَّادِرُ منه لذيذًا؛ فالسَّخيُّ هو الذي يَستَلذُّ بَذلَ المالِ الذي يَبذُلُه دونَ الذي يَبذُلُه عن كَراهةٍ، والمُتَواضِعُ هو الذي يَستَلذُّ التَّواضُعَ، ولن ترسَخَ الأخلاقُ الدِّينيَّةُ في النَّفسِ ما لم تَتَعَوَّدِ النَّفسُ جَميعَ العاداتِ الحَسَنةِ، وما لم تَترُكْ جَميعَ الأفعالِ السَّيِّئةِ، وما لم تواظِبْ عليه مواظَبةَ من يَشتاقُ إلى الأفعالِ الجَميلةِ ويَتَنَعَّمُ بها، ويَكرَهُ الأفعالَ القَبيحةَ ويَتَألَّمُ بها) .
5- التَّفكُّرُ في الآثارِ المُتَرَتِّبةِ على حُسنِ الخُلُقِ:
(على المَرءِ أن يَستَذكِرَ دائِمًا ويَحتَسِبَ ثَوابَ حُسنِ الخُلُقِ.
عنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَألتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ البرِّ والإثمِ؟ فقال: ((البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، والإثمُ ما حاكَ في صَدرِك وكَرِهتَ أن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ)) .
وعن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أثقَلُ شَيءٍ في الميزانِ حُسنُ الخُلُقِ)) .
وعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ أكمَلَ المُؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا، وإنَّ حُسنَ الخُلُقِ ليَبلُغُ دَرَجةَ الصَّومِ والصَّلاةِ)) ) .
6- النَّظَرُ في عواقِبِ سُوءِ الخُلُقِ:
(وذلك بتَأمُّلِ ما يَجلِبُه سوءُ الخُلُقِ منَ الأسَفِ الدَّائِمِ، والهَمِّ المُلازِمِ، والحَسرةِ والنَّدامةِ، والبِغضةِ في قُلوبِ الخَلقِ؛ فذلك يَدعو المَرءَ إلى أن يَقصُرَ عن مَساوِئِ الأخلاقِ، ويَنبَعِثَ إلى مَحاسِنِها.
قال ابنُ القَيِّمِ: (ومن عُقوباتِها أي: المَعاصي وسوءِ الأخلاقِ سُقوطُ الجاهِ والمَنزِلةِ والكَرامةِ عِندَ اللهِ وعِندَ خَلقِه؛ فإنَّ أكرَمَ الخَلقِ عِندَ اللهِ أتقاهم، وأقرَبَهم منه مَنزِلةً أطوَعُهم له، وعلى قدرِ طاعةِ العَبدِ له تَكونُ مَنزِلتُه عِندَه، فإذا عَصاه وخالف أمرَه سَقَطَ من عَينِه، فأسقَطَه من قُلوبِ عِبادِه، وإذا لم يَبقَ له جاهٌ عِندَ الخَلقِ وهانَ عليهم، عامَلوه على حَسَبِ ذلك، فعاشَ بَينَهم أسوأَ عَيشٍ: خامِلَ الذِّكرِ، ساقِطَ القَدرِ، زَريَّ الحالِ، لا حُرمةَ له، فلا فرَحَ له ولا سُرورَ؛ فإنَّ خُمولَ الذِّكْرِ وسُقوطَ القَدرِ والجاهِ يَجلِبُ كُلَّ غَمٍّ وهَمٍّ وحُزنٍ، ولا سُرورَ مَعَه ولا فرَحَ، وأينَ هذا الألمُ من لذَّةِ المَعصيةِ؟! ومِن أعظَمِ نِعَمِ اللهِ على العَبدِ: أن يَرفعَ له بَينَ العالَمينَ ذِكرَه، ويُعلِيَ له قَدْرَه) .
... وليس هذا فحَسبُ، بَل تَأمَّلْ ما يَقولُ ابنُ القَيِّمِ أيضًا: (ومِن عُقوباتِها: أنَّها تَسلُبُ صاحِبَها أسماءَ المَدحِ والشَّرَفِ، وتَكسوه أسماءَ الذَّمِّ والصَّغارِ؛ فتَسلُبُه اسمَ المُؤمنِ، والبَرِّ، والمُحسِنِ، والمُتَّقي، والمُطيعِ، والمُنيبِ، والوليِّ، والوَرِعِ، والصَّالحِ، والعابِدِ، والخائِفِ، والأوَّابِ، والطَّيِّبِ، والمرضيِّ، ونَحوِها.
وتَكسوه اسمَ الفاجِرِ، والعاصي، والمُخالفِ، والمُسيءِ، والمُفسِدِ، والسَّارِقِ، والكاذِبِ، والخائِنِ، والغادِرِ وأمثالِها) .
وتَأمَّلْ عاقِبةَ هذه المَرأةِ التي كانت تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، ولكِنَّها سَيِّئةُ الخُلُقِ في مُعامَلتِها مَعَ جيرانِها.
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قيل للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانةَ تَقومُ اللَّيلَ وتَصومُ النَّهارَ، وتَفعلُ وتَصدَّقُ، وتُؤذي جيرانَها بلسانِها؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا خَيرَ فيها، هي من أهلِ النَّارِ. قالوا: وفُلانةُ تُصَلِّي المَكتوبةَ وتَصدَّقُ بأثوارٍ ، ولا تُؤذي أحَدًا. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هي من أهلِ الجَنَّةِ)) .
وعن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ من أحَبِّكُم إليَّ وأقرَبِكُم منِّي مَجلِسًا يَومَ القيامةِ أحاسِنَكُم أخلاقًا، وإنَّ من أبغَضِكُم إليَّ وأبعَدِكُم منِّي يَومَ القيامةِ الثَّرثارون والمُتَشَدِّقونَ والمُتَفَيهِقونَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، قد عَلِمنا الثَّرثارينَ والمُتَشَدِّقينَ، فما المُتَفيهِقونَ؟ قال: المُتَكَبِّرونَ )) .

( يتبع )




رد مع اقتباس
قديم 11-20-2025, 09:31 AM   #21



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



تابع – مقدمات في الأخلاق والسلوك

وسائِلُ اكتسابِ الأخلاقِ

7- الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنكَرِ، والتَّواصي بالحَقِّ
(القُرآنُ الكَريمُ يوصي ويَفرِضُ ضَرورةَ التَّذكيرِ، والأمرِ بالمَعروفِ، والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، والتَّواصي بالحَقِّ والصَّبرِ، يَقولُ سُبحانَه وتعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55]، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: 110] .
وإنَّ التَّذكيرَ والأمرَ بالمَعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ والتَّواصيَ من أساليبِ التَّربيةِ الإسلاميَّةِ التي بَدَت خِلالَ أحاديثِ المُرَبِّي الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي طَريقةِ التَّواصي دَعوةُ كُلِّ مُسلمٍ إلى أن يَكونَ مُرَبِّيًا يُعَلِّمُ أخاه المُسلمَ. والتَّذكيرُ بالخَيرِ والحَقِّ والدَّعوةُ إليهما، والتَّنبيهُ إلى الشَّرِّ والضَّرَرِ والنَّهيُ عنهما: هو من صَميمِ الأساليبِ التَّربَويَّةِ الإسلاميَّةِ لتَنميةِ القِيَمِ والأخلاقِ الإسلاميَّةِ في نَفسِ المُسلمِ، وفي الحَديثِ الشَّريفِ أنَّ أبا ذَرٍّ لمَّا بَلغَه مَبعَثُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لأخيه: اركَبْ إلى هذا الوادي فاسمَعْ من قَولِه، فرَجَعَ فقال: "رَأيته يَأمُرُ بمَكارِمِ الأخلاقِ" .
8- عُلُوُّ الهِمَّةِ:
فعُلوُّ الهمَّةِ يَستَلزِمُ الجِدَّ، والتَّرَفُّعَ عنِ الدَّنايا، ومُحَقَّراتِ الأمورِ.
عن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ كَريمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ ومَعاليَ الأخلاقِ، ويُبغِضُ سَفسافَها)) .
وسَفسَافهُا: أي: حَقيرُها ورَديئُها. وشَرَفُ النَّفسِ أن يَصونَها عنِ الدَّنايا، والهمَّةُ العاليةُ لا تَزالُ بصاحِبها تَزجُرُه عن مَواقِفِ الذُّلِّ، واكتِسابِ الرَّذائِلِ، وحِرمانِ الفضائِلِ، حتَّى تَرفعَه من أدنى دَرَكاتِ الحَضيضِ إلى أعلى مَقاماتِ المجدِ والسُّؤدُدِ.
قال ابنُ القَيِّمِ في الفوائِدِ: (فمَن علت هَمَّته وخَشَعَت نَفسُه اتَّصَف بكُلِّ خُلُقٍ جَميلٍ، ومَن دَنَت هَمَّتُه وطَغَت نَفسُه اتَّصَف بكُلِّ خُلُقٍ رَذيلٍ) .
وقال أيضًا: (فالنُّفوسُ الشَّريفةُ لا تَرضى منَ الأشياءِ إلَّا بأعلاها وأفضَلِها وأحمَدِها عاقِبةً، والنُّفوسُ الدَّنيئةُ تَحومُ حَولَ الدَّناءاتِ، وتَقَعُ عليها كما يَقَعُ الذُّبابُ على الأقذارِ؛ فالنُّفوسُ العليَّةُ لا تَرضى بالظُّلمِ، ولا بالفواحِشِ، ولا بالسَّرِقةِ ولا بالخيانةِ؛ لأنَّها أكبَرُ من ذلك وأجَلُّ، والنُّفوسُ المَهينةُ الحَقيرةُ الخَسيسةُ بالضِّدِّ من ذلك) .
فإذا حَرَصَ المَرءُ على اكتِسابِ الفضائِلِ، وألزَمَ نَفسَه على التَّخَلُّقِ بالمَحاسِنِ، ولم يَرضَ من مَنقَبةٍ إلَّا بأعلاها، ولم يَقِفْ عِندَ فضيلةٍ إلَّا وطَلب الزِّيادةَ عليها؛ نال مَكارِمَ الأخلاقِ .
9- الصَّبرُ:
قال ابنُ قَيِّمِ الجَوزيَّةِ رَحِمَه اللَّهُ: (حُسنُ الخُلُقِ يَقومُ على أربَعةِ أركانٍ، لا يُتَصَوَّرُ قيامُ ساقِه إلَّا عليها: الصَّبرُ، والعِفَّةُ، والشَّجاعةُ، والعَدلُ) .
وقال: (وهو على ثَلاثةِ أنواعٍ: صَبرٌ باللهِ، وصَبرٌ للَّهِ، وصَبرٌ مَعَ اللهِ.
فالأوَّلُ: صَبرُ الاستِعانة به، ورُؤيَتُه أنَّه هو المُصَبِّرُ، وأنَّ صَبرَ العَبدِ برَبِّه لا بنَفسِه، كما قال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127] .
والثَّاني: الصَّبرُ للَّهِ، وهو أن يَكونَ الباعِثُ له على الصَّبرِ مَحَبَّةَ اللهِ، وإرادةَ وجهِه، والتَّقَرُّبَ إليه لا لإظهارِ قوَّةِ النَّفسِ، والاستِحمادِ إلى الخَلقِ.
الثَّالثُ: الصَّبرُ مَعَ اللهِ، وهو دَوَرانُ العَبدِ مَعَ مُرادِ اللهِ الدِّينيِّ منه، ومَعَ أحكامِه الدِّينيَّةِ، صابرًا نَفسَه مَعَها، سائِرًا بسَيرِها.. أينَ ما تَوجَّهَت رَكائِبُها) .
وقال الماوَرْديُّ: (وليس لمَن قَلَّ صَبرُه على طاعةِ اللهِ تعالى حَظٌّ من بِرٍّ، ولا نَصيبٌ من صَلاحٍ، ومَن لم يَرَ لنَفسِه صَبرًا يَكسِبُها ثَوابًا، ويَدفعُ عنها عِقابًا، كان مَعَ سوءِ الاختيارِ بَعيدًا منَ الرَّشادِ، حَقيقًا بالضَّلالِ) .
(وعلى العاقِلِ احتِسابُ الأجرِ عِندَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فهذا الأمرُ من أعظَمِ ما يُعينُ على اكتِسابِ الأخلاقِ الفاضِلةِ، وتَحَمُّلِ أذى النَّاسِ؛ فإذا أيقَنَ المُسلِمُ أنَّ اللهَ سَيَجزيه على حُسنِ خُلُقِه ومُجاهَدتِه سيهونُ عليه ما يَلقاه في ذلك السَّبيلِ؛ قال تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 96] ، وقال سُبحانَه: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان: 12] ) .
10- الموعِظةُ والنُّصحُ:
(التَّربيةُ بالوَعظِ لها دَورُها الهامُّ في غَرسِ القِيَمِ الإسلاميَّةِ بمَيادينِها المُختَلفةِ، وهي قد تَكونُ في صورةٍ مُباشِرةٍ على شَكلِ نَصائِحَ، فالإنسانُ "قد يُصغي ويَرغَبُ في سَماعِ النُّصحِ من مُحِبِّيه وناصِحيه، فالنُّصحُ والوَعظُ يُصبحُ في هذه الحالةِ ذا تَأثيرٍ بَليغٍ في نَفسِ المُخاطَبِ" .
والقُرآنُ الكَريمُ زاخِرٌ بالمَواعِظِيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس: 57] ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ [النساء: 58] .
وفي الحَديثِ الشَّريفِ عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((المَرءُ على دينِ خَليلِه ؛ فليَنظُرْ أحَدُكُم من يُخالِلُ)) .
والمَوعِظةُ المُؤَثِّرةُ تَفتَحُ طَريقَها إلى النَّفسِ مُباشَرةً؛ ممَّا يُؤَثِّرُ في تَغييرِ سُلوكِ الفردِ، وإكسابِه الصِّفاتِ المَرغوبَ فيها، وكَمالَ الخُلُقِ: عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: "أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ ومَعَه بلالٌ، فظَنَّ أنَّه لم يُسمِعِ النِّساءَ، فوعظَهنَّ وأمرَهنَّ بالصَّدَقةِ، فجَعلتِ المَرأةُ تُلقِي القُرطَ والخاتمَ، وبلالٌ يأخُذُ في طَرَفِ ثَوبِه)) .
وفي المَواعِظِ القُرآنيَّةِ نلحَظُ أسلوبًا تَربَويًّا رائِعًا: يَبغي كَمالَ الإنسانِ، بحَيثُ يَجِبُ أن يَتَمَثَّلَها المُعلِّمُ والمُتَعلِّمُ؛ إذ هي صادِرةٌ عن حِكمةٍ، وليس عن هَوًى، والمِثالُ على ذلك نَأخُذُ خُلاصةً من عِظةِ لُقمانَ لابنِه، التي تَهدُفُ إلى:
أ- أن يَكونَ اللَّهُ هو مَصدَرَ السُّلوكِ، بمَعنى إيمانِ الإنسانِ به، واتِّباعِ شَريعَتِه، وذلك هو مُحَدِّدُ سُلوكِ الإنسانِ، وهو الهَدَفُ والغايةُ لسُلوكِه، بمَعنى أن يَكونَ مُخلِصًا للَّهِ، وذلك عن طَريقِ عَدَمِ الإشراكِ باللهِ، والشُّكرِ له.
ب- أن يَكونَ السُّلوكُ كما حَدَّدَته المَوعِظةُ في قَصدٍ واعتِدالٍ في كُلِّ شَيءٍ، فلا مُغالاةَ ولا تَفريطَ، إنَّما تَوسُّطٌ واعتِدالٌ، وهذا يَعكِسُ هَدَفَ التَّربيةِ الإسلاميَّةِ السُّلوكيَّةِ: أنَّها تُنشِئُ إنسانًا مُعتَدِلًا في سُلوكِه وفي عَقيدَتِه.
وهكذا يَبدو دَورُ الوعظِ كَوسيلةٍ في التَّربيةِ الإسلاميَّةِ، تَصلُحُ في مَيدانِ التَّربيةِ الخُلُقيَّةِ، كما هي في مَيدانِ التَّربيةِ الاجتِماعيَّةِ والعَقليَّةِ وباقي المَيادينِ الإسلاميَّةِ) .

( يتبع )




رد مع اقتباس
قديم 11-20-2025, 09:32 AM   #22



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



موضوعنا القادم سيكون ان شاء الله عن ( الاحترام والتوقير )




رد مع اقتباس
قديم 11-22-2025, 11:36 PM   #23



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



الاحترام والتوقير

معنى الاحترامِ والتَّوقيرِ لُغةً واصطِلاحًا
الاحترامُ لُغةً:
الاحترامُ: مِن الحُرمةِ، وهي: المهابةُ، يقالُ: احترمه، أي: كرَّمه وأكبَرَه، وأحسَنَ معاملتَه حُبًّا ومهابةً .

الاحترامُ اصطِلاحًا:
الاحترامُ هو الإكبارُ والمهابةُ ورَعيُ الحُرمةِ وحُسنُ المعاملةِ .

التَّوقيرُ لُغةً:
والتَّوقيرُ: التَّعظيمُ والتَّبجيلُ .
التَّوقيرُ اصطِلاحًا:
قال ابنُ تَيميَّةَ: (التَّوقيرُ: اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما فيه سكينةٌ وطمأنينةٌ من الإجلالِ والإكرامِ، وأن يُعاملَ من التَّشريفِ والتَّكريمِ والتَّعظيمِ بما يصونُه عن كُلِّ ما يخرِجُه عن حَدِّ الوَقارِ) .

الحث على الاحترام والتوقير

أ- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
النَّاظِرُ في نُصوصِ السُّنَّةِ المُشرَّفةِ يلاحِظُ بجَلاءٍ ما اشتملَت عليه من حثٍّ على التَّوقيرِ والاحترامِ في مختَلِفِ صوَرِه وأشكالِه؛ فقد أمرَت السُّنَّةُ بحُسنِ المعاملةِ والبشاشةِ، والقولِ الحَسَنِ وبَذلِ السَّلامِ، ودعَت إلى تهذيبِ اللِّسانِ، والتَّحَلِّي بالتَّسامُحِ، ونَبذِ الفُحشِ والبذاءةِ حتَّى مع غيرِ المُسلِمِ، وبالجُملةِ فهي أمثلةٌ حَيَّةٌ وصُوَرٌ مُشرِقةٌ لمعاني الاحترامِ والتَّوقيرِ.
1- عن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، ((جاء شيخٌ يريدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأبطأ القومُ أن يُوَسِّعوا له، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس منَّا مَن لم يُوقِّرْ كبيرَنا، ويرحَمْ صغيرَنا)) . وفي روايةِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه: ((ويَعرِفُ شَرَفَ كَبيرِنا)) ، وهذا زَجرٌ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَولِه: ((ليس مِنَّا)) أي: ليس من أهلِ سُنَّتِنا وهَدْيِنا وطريقتِنا مَن لم يُوَقِّرِ الكبيرَ ويُعَظِّمْه، وهو شامِلٌ للشَّابِّ والشَّيخِ .
2- عن أبي مَسعودٍ عُقبةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يمسَحُ مناكِبَنا في الصَّلاةِ، ويقولُ: استَووا، ولا تختَلِفوا فتختَلِفَ قُلوبُكم، لِيَلِني منكم أولو الأحلامِ والنُّهى، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثمَّ الذين يَلونَهم. قال أبو مسعودٍ: فأنتم اليومَ أشَدُّ اختلافًا)) .
فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يحرِصُ على توقيرِ ذوي المكانةِ والعِلمِ والفَضلِ، وتصديرِهم في مقدِّمةِ المجالِسِ، كما في وُقوفِ ذوي الأحلامِ والنُّهى خَلفَ الإمامِ، ولا يكونُ ذلك في الغالِبِ إلَّا لكبارِ السِّنِّ ومن لديهم من العِلمِ والمكانةِ ما يستوجِبُ احترامَهم وتوقيرَهم، كما استوجب أن يقدَّموا فيكونوا في الصَّفِّ الأوَّلِ خَلفَ الإمامِ، ولا يختَصُّ هذا التَّقديمُ بالصَّلاةِ، بل السُّنَّةُ أن يُقَدَّمَ أهلُ الفَضلِ في كُلِّ مجمَعٍ إلى الإمامِ وكبيرِ المجلِسِ، كمجالسِ العِلمِ والقَضاءِ والذِّكرِ والمشاورةِ، ومواقِفِ القِتالِ، وإمامةِ الصَّلاةِ، والتَّدريسِ والإفتاءِ، وإسماعِ الحديثِ ونحوِها، ويكونُ النَّاسُ فيها على مراتِبِهم في العِلمِ والدِّينِ والعَقلِ، والشَّرَفِ والسِّنِّ والكفاءةِ .
3- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ((يُسَلِّمُ الصَّغيرَ على الكبيرِ...)) .
و(تسليمُ الصَّغيرِ لأجْلِ حَقِّ الكبيرِ؛ لأنَّه أُمِرَ بتوقيرِه والتَّواضُعِ له) .


ب- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ
- قال أبو حامِدٍ الغَزاليُّ: (تعلَمُ أنَّك لو طلَبْتَ مُنَزَّهًا عن كُلِّ عيبٍ اعتزَلْتَ عن الخَلقِ كافَّةً، ولن تجِدَ مَن تصاحِبُه أصلًا؛ فما من أحَدٍ من النَّاسِ إلَّا وله محاسِنُ ومَساوئُ، فإذا غلبَت المحاسِنُ المساوئَ فهو الغايةُ والمنتهى، فالمُؤمِنُ الكريمُ أبدًا يُحضِرُ في نفسِه محاسِنَ أخيه لينبَعِثَ من قَلبِه التَّوقيرُ والوُدُّ والاحترامُ، وأمَّا المُنافِقُ اللَّئيمُ فإنَّه أبدًا يلاحِظُ المساوئَ والعُيوبَ) .
- قال ابنُ المبارَكِ: (حَقٌّ على العاقِلِ ألَّا يستخِفَّ بثلاثةٍ: العُلَماءِ، والسَّلاطينِ، والإخوانِ؛ فإنَّه مَن استخَفَّ بالعُلَماءِ ذَهَبت آخِرَتُه، ومن استخَفَّ بالسُّلطانِ ذهَبت دُنياه، ومَن استخَفَّ بالإخوانِ ذهَبَت مروءتُه) .
- عن العَبَّاسِ بنِ عبدِ العظيمِ العَنبريِّ، قال: (كنتُ عِندَ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ وجاءه عليُّ بنُ المدينيِّ راكِبًا على دابَّةٍ، قال: فتناظَرا في الشَّهادةِ وارتفَعَت أصواتُهما حتَّى خِفتُ أن يقَعَ بَيْنَهما جفاءٌ، وكان أحمدُ يرى الشَّهادةَ، وعليٌّ يأبى ويدفَعُ، فلمَّا أراد عليٌّ الانصرافَ قام أحمدُ فأخَذ برِكابِه) .
- قال ابنُ حَزمٍ: (اتَّفَقوا على توقيرِ أهلِ القرآنِ والإسلامِ، والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكذلك الخليفةُ والفاضِلُ والعالِمُ) .
- وعن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، قال: (من السُّنَّةِ أن يُوَقَّرَ أربعةٌ: العالِمُ، وذو الشَّيبةِ، والسُّلطانُ، والوالِدُ) .
- وقال يحيى بنُ مُعاذٍ: (إنَّ العبدَ على قَدرِ حُبِّه لمولاه يحبِّبُه إلى خَلقِه، وعلى قَدرِ توقيرِه لأمرِه يُوَقِّرُه خَلْقُه ...) .
- وعن الحُسَينِ الوَرَّاقِ، قال: سألتُ أبا عُثمانَ عن الصُّحبةِ، فقال: (الصُّحبةُ مع اللَّهِ عزَّ وجَلَّ بحُسنِ الأدَبِ ودوامِ الهَيبةِ والمراقَبةِ، والصُّحبةُ مع الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باتِّباعِ سُنَّتِه ولُزومِ ظاهِرِ العِلمِ، والصُّحبةُ مع أولياءِ اللَّهِ بالاحترامِ والحُرمةِ، والصُّحبةُ مع الأهلِ والولَدِ بحُسنِ الخُلُقِ، والصُّحبةُ مع الإخوانِ بدَوامِ البِشرِ والانبِساطِ ما لم يكُنْ إثمًا، والصُّحبةُ مع الجُهَّالِ بالدُّعاءِ لهم والرَّحمةِ عليهم، ورُؤيةِ نِعمةِ اللَّهِ عليك أن عافاك ممَّا ابتلاهم به) .
- وقال سَهلٌ التُّستَريُّ: (لا يزالُ النَّاسُ بخيرِ ما عظَّموا السُّلطانَ والعُلَماءَ، فإذا عَظَّموا هذين أصلَح اللَّهُ دُنياهم وأُخراهم، وإذا استخفُّوا بهذين أفسَدوا دُنياهم وأُخراهم) .


( يتبع )




رد مع اقتباس
قديم 11-22-2025, 11:41 PM   #24



 
 عضويتي » 146
 جيت فيذا » Nov 2025
 آخر حضور » 12-19-2025 (01:15 AM)
آبدآعاتي » 26,167
 حاليآ في » الكويت
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه
جنسي  »
 التقييم » البراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond reputeالبراء الحريري has a reputation beyond repute
الاعجابات المتلقاة » 349
الاعجابات المُرسلة » 208
تم شكري » » 0
شكرت » 0
 آوسِمتي »

البراء الحريري غير متواجد حالياً

افتراضي



تابع – الاحترام والتوقير

فوائِدُ الاحترامِ والتَّوقيرِ بَيْنَ النَّاسِ
1- يَعصِمُ من الوقوعِ في التَّعدِّي بالقَولِ أو الفِعلِ، فتُصانُ الحُرُماتُ وتُحفَظُ الأعراضُ.
2- يدفَعُ أسبابَ العداوةِ والبغضاءِ.
3- به يتحَقَّقُ العَدلُ ويُنَزَّلُ كُلُّ واحدٍ مَنزِلتَه.
4- من أسبابِ تقارُبِ وِجهاتِ النَّظرِ ودَفعِ الخِلافِ.
5- من أسبابِ تقويةِ أواصِرِ المحبَّةِ بَيْنَ النَّاسِ.
6- فيه امتِثالٌ لتعاليمِ الشَّرعِ الكريمِ.
7- يجلِبُ محبَّةَ اللَّهِ تعالى ومحبَّةَ النَّاسِ.
8- تقويةُ العلاقاتِ وغَرسُ الثِّقةِ بَيْنَ أفرادِ المجتَمَعِ.
9- من أسبابِ كَسبِ القُلوبِ ونجاحِ الدَّعَواتِ.

أقسامُ الاحترامِ والتَّوقيرِ
يمكِنُ تقسيمُ الاحترامِ والتَّوقيرِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
الأوَّلُ: الاحترامُ والتَّوقيرُ في القولِ، وذلك باستعمالِ الكلامِ الحسَنِ المشتَمِلِ على إظهارِ الأدَبِ، والتَّقديرِ وإنزالِ النَّاسِ منازِلَهم اللَّائقةَ بهم، ومخاطبتِهم خِطابًا يَدُلُّ على احترامِهم وتقديرِهم.
الثَّاني: الاحترامُ والتَّوقيرُ في الفِعلِ، وذلك بالمعاملةِ اللَّائقةِ لمن نتعامَلُ معهم، وتقديمِهم والاستماعِ إليهم
الثَّالِثُ: الاحترامُ والتَّوقيرُ بالتَّركِ، وذلك بتركِ كُلِّ قولٍ أو فعلٍ يتضَمَّنُ الإساءةَ، أو يَحصُلُ به الأذى أو الانتِقاصُ.

مظاهِرُ وصُوَرُ الاحترامِ والتَّوقيرِ
1- توقيرُ المُسلِمِ لرَبِّه سُبحانَه وتعظيمُه بما يليقُ به، وهذا التَّوقيرُ للهِ سُبحانَه ينتُجُ عنه احترامُ أوامِرِه ونواهيه، وتعظيمُ دينِه وشَرعِه، وحِرصُ المُسلِمِ على التَّحلِّي بجميلِ الصِّفاتِ التي أَمَر بها سُبحانَه، فهذا التَّوقيرُ يُثمِرُ الخيرَ للعبدِ في الدُّنيا والآخرةِ، ويُثمِرُ التَّخلُّقَ بالأخلاقِ التي يعودُ أثَرُها ونَفعُها على النَّاسِ في معاشرتِهم والتَّعامُلِ معهم.
قال اللَّه تعالى حكايةً عن نبيِّه نوحٍ عليه السَّلامُ أنَّه قال لقومِه عندما كفَروا به وبرسالتِه: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح: 13] ، أي: ما لكم لا ترون للهِ عَظَمةً، وقيل: ولا تُعَظِّمون اللَّهَ حَقَّ عَظمتِه ، فاستخدمَ لَفظَ الوَقارِ في معنى التَّوقيرِ والتَّعظيمِ للهِ تعالى بما يليقُ به سُبحانَه من كمالِ التَّعظيمِ والتَّبجيلِ.
2- احترامُ وتوقيرُ المُسلِمِ لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتعظيمِ أمرِه ونهيِه، واتِّباعِ آثارِه، والسَّيرِ على طريقتِه، وألَّا يُقدِّمَ شيئًا على ما جاء به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قال اللَّه تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: 8 - 9] .
قال ابنُ كثيرٍ: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ، قال ابنُ عبَّاسٍ وغيرُ واحِدٍ: يُعَظِّموه. وَتُوَقِّرُوهُ من التَّوقيرِ، وهو الاحترامُ والإجلالُ والإعظامُ) .
وقال السَّعديُّ: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ أي: تُعَزِّروا الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتُوَقِّروه، أي: تُعَظِّموه وتُجِلُّوه، وتقوموا بحُقوقِه، كما كانت له المِنَّةُ العظيمةُ برِقابِكم) .
وقال اللَّهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [الحجرات: 1 - 4] ، فبيَّن سُبحانَه أنَّ الذين يَخفِضون أصواتَهم عِندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم توقيرًا وتبجيلًا له، أولئك هم الذين امتحَن اللَّهُ قلوبَهم لتَقواه، وأخلصَهم لها، ولهم مَغفرةٌ لذُنوبِهم، ولهم ثوابٌ عظيمٌ عِندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، فيُدخِلُهم الجنَّةَ .
وقال اللَّهُ تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: 63] في تلك الآيةِ يَظهَرُ الأمرُ بتوقيرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واحترامِه؛ فقد نهى اللَّهُ سُبحانَه المُسلِمين أن ينادوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِثلَ مُناداتِهم بعضِهم بعضًا، وقد التَزم الصَّحابةُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم الأدَبَ في مناداتِه، فكانوا ينادونه: يا رسولَ اللَّهِ، ويا نبيَّ اللَّهِ، أو يا أيُّها النَّبيُّ، ويا أيُّها الرَّسولُ .
وقال القاضي عِياضٌ: (اعلَمْ أنَّ حُرمةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعدَ مَوتِه وتوقيرَه وتعظيمَه لازمٌ كما كان حالَ حياتِه، وذلك عِندَ ذِكرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذِكرِ حَديثِه وسُنَّتِه، وسماعِ اسمِه وسيرتِه، ومعاملةِ آلِه وعِترتِه ، وتعظيمَ أهلِ بَيتِه وصَحابتِه) .
وعن حمَّادِ بنِ زَيدٍ، قال: (كنَّا عِندَ أيُّوبَ فسَمِع لَغَطًا، فقال: ما هذا اللَّغَطُ؟ أمَا بلَغَهم أنَّ رفعَ الصَّوتِ عِندَ الحديثِ عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كرفعِ الصَّوتِ عليه في حياتِه) .
3- احترامُ أُولي الأمرِ وتوقيرُهم، ومن مظاهِرِ احترامِهم السَّمعُ والطَّاعةُ لهم في غيرِ معصيةٍ، وتركُ التَّشغيبِ عليهم، وعَدَمُ سَبِّهم أو إهانتِهم، وما ذلك إلَّا لِما قد يترَتَّبُ على مخالفةِ هذه الأوامِرِ من إحداثِ الفِتنةِ بَيْنَ النَّاسِ، وما قد يُفضي إلى الشُّرورِ.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (وأولو الأمرِ أصحابُ الأمرِ وذَووه، وهم الذين يأمُرون النَّاسَ، وذلك يشتركُ فيه أهلُ اليَدِ والقُدرةِ، وأهلُ العِلمِ والكلامِ؛ فلهذا كان أولو الأمرِ صِنفَينِ: العُلَماءُ والأمراءُ. فإذا صلَحوا صلَح النَّاسُ، وإذا فسَدوا فسَد النَّاسُ) .
وقال القَرافيُّ: (ضَبطُ المصالحِ العامَّةِ واجِبٌ، ولا تنضَبِطُ إلَّا بعَظَمةِ الأئمَّةِ في نفسِ الرَّعيَّةِ، ومتى اختُلِف عليهم أو أُهينوا تعذَّرت المصلحةُ) .
وقال ابنُ حِبَّانَ: (الواجِبُ على كُلِّ مَن يغشى السُّلطانَ وامتُحِن بصُحبتِه ألَّا يَعُدَّ شَتمَه شَتمًا ولا إغلاظُه إغلاظًا ولا التَّقصيرُ في حَقِّه ذَنبًا؛ لأنَّ رِيحَ العِزَّةِ بسَطَت لسانَه ويَدَه بالغِلظةِ، فإن أنزله الوالي منزلةً رفيعةً من نفسِه فلا يَثِقَنَّ بها، وليجانِبْ معه كلامَ المَلَقِ، والإكثارَ من الدُّعاءِ في كُلِّ وقتٍ، وكثرةَ الانبساطِ؛ فرُبَّ كَلِمةٍ أثارت الوحشةَ، بل يجتَهِدُ في توقيرِه وتعظيمِه عِندَ النَّاسِ، فإنْ غَضِبَ فليحتَلْ في تسكينِ غَضَبِه باللِّينِ والمداراةِ، ولا يكونُ سببًا لتهييجِه) .

( يتبع )




رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

(عرض الكل الاعضاء الذين شاهدو هذا الموضوع: 17
, , , , , , , , , , , , , ,

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:34 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.
استضافه ودعم وتطوير وحمايه من استضافة تعاون