يا ابن الحرف
ما كل ما يقال يكتب
وما كل ما يكتب يشفى به القلب
ثمة وجع لا يمسك
يمر من بين الأصابع كالماء
ويترك خلفه رائحة الغياب
أنا العابرة في دهشة المسافة
أجمع من طرقات الوقت فتات المعاني
وأُعيد ترتيبها على مائدة الانتظار
كلما اقتربت من ضوء
أطفأني السؤال
هل هذا الوهج لي
أم مجرد سراب
يستريح في صدري كطائر أضناه التحليق
أكلمه فيهمس لي
’اكتبيني’ فربما تهدأ لهفتي
فأكتب
ثم أكتشف أن الحروف ليست دواء
بل جرح آخر يبتسم كي لا يخيفني
ديباجة
أقولها كما لو كنتَ تسمعني الآن:
حين تقترب، يُخرسني الحنين
وحين تغيب
أتعلم لغة الصبر من رماد الوقت
كلّ الحكايات تبهت
إلا تلك التي تبدأ بعينيك...
ولا تنتهي أبدًا
فخذني عليك
ليس ضعفًا
بل لأنّ فيك أجد القوة
التي لا تهاب الفقد
وفيك يذوب الشتات
وتكتمل الحكاية
بالضياع الجميل فيك
موحش هذا العالم حين تختلط فيه النيات
وتتشابه الأقنعة
ويصبح اللطف غطاء
يخفي الخديعة
يأتيك من يبتسم للحروف
وفي داخله رغبة
في تشويه النقاء
لهذا أضع بيني وبينهم مسافة
من عقلٍ وحذر
فالقلب لا يحتمل طعنة تأتي من شاشة
ديباجة
أولئك الذين يُتقنون ابتسامة الود
ويُخفون في أعماقهم ملامحَ دخانٍ يحترق
لا يجيدون الحبّ
لكنّهم يتقنون التمثيل على الحُب
يقتربون من قلبك ليراقبوا سطوعه
فيدركون كم هو نادرٌ أن يظل النقاء مشتعلًا
فيحاولون إطفاءه ظنًا أنّ الظلمة تنتصر دائمًا
ولا يعلمون أنّ الضوء لا يموت
وأن الصفاء لا يُهزم إلا حين يشكّ بنفسه
فلا تُصادق كل يدٍ تمتد
فبعض الأكفِّ غبار
وبعض العيون مرايا مُضللة
وبعض الابتسامات فخاخٌ من حرير ..
الظلمة لا تطفئ الضوء
بل تمتحن وهجه
وتكشف كم في جوفه
من صبر على الاحتراق
فالنقاء ليس حرفة العابرين
بل ميلاد الأرواح الطاهرة
التي لم تلوثها الخديعة
ومهما توالت عليه خناجر الرياء
وتكالبت عليه ظلال الزيف
يظل ينزف صدقًا لا يستنزف
ويضيء من حيث أرادوا له أن ينطفئ
كقنديل لا يؤمن بالعتمة
لأن جذوته من الحق لا من الظنون
يشوهون الطهر حين تعجز
قلوبهم عن بلوغ صفائه
يختبئون خلف أقنعة الود
يلونون الزيف بألوان الرحمة
ويغرسون خناجرهم في خاصرة النقاء
ثم يتباكون على نزفه
لكنه الطهر لا يدنس
وإن تعفن حوله الهواء
فهو كالماء
مهما لوثوه عاد صافيًا
حين يلقى مجراه
يبقى شاهدًا على خبثهم
ويظل نقاؤه فضيحة لهم
قبل أن يكون لهم نجاة
ديباجة