في تلك الليلة
لم أنم…
كنتُ أُغمض عينيَّ لأهرب من الحنين،
فإذا بي أراك، تمشي نحوي كما يأتي الضوءُ من آخر الغيم.
رأيتك تبتسم،
وكانت ابتسامتك كفصلٍ من ربيعٍ نسيَ أن يرحل.
اقتربتَ،..
وسمعتُ دقّات قلبي تُعرّفك بي قبل أن أنطق.
لم أقل شيئًا… لم يكن في الحلم كلام،
كانت الأرواح وحدها تتحدّث،
وكان الصمت أجمل لغةٍ بيننا.
شعرتُ أنّ المسافات تنكمش،
وأنّ العالم كلّه يتّسع لقلبين فقط: قلبي وقلبك.
حتى الهواء صار ألين، كأنّه يخاف أن يوقظنا من المعجزة.
وحين حاولتُ أن ألمسك،
تبعثرتُ بين اليقظة والمنام،
أردتُ أن أحتفظ بك ولو لحظةً أطول،
لكن الحلم كان كطيفٍ خجولٍ… يبتعد كلما اشتدّ التعلّق.
استيقظتُ وملامحك على وسادتي،
كأنّك كنتَ هنا حقًّا،
كأنّ الحلم لم يكن حلمًا،
بل زيارةَ حنينٍ أرسلها قلبك إلى قلبي في ليلٍ واحد.
ومنذ تلك الليلة…
كلّما أغمضتُ عيني،
أدعوك بلطفٍ أن تعود،
فثمّة حلمٌ لم يكتمل،
وثمّة قلبٌ لا يكتفي من رؤياك.
رؤياكِ في حُلْمي؟
لم يكن خيالًا عابرًا ولا صدفة نوم
كان! حضورًا يطرق القلب قبل الجفن
ويزرع الدفء في صدرٍ اعتاد الصقيع
رأيتكِ تمشين في عتمة الليل
فأشرقَ المساءُ من خطاكِ
وكأن الوقتَ انحنى ليحفظ ظلكِ
وكأن القدرَ قال
هذه امرأةٌ لا تمرُّ عبثًا
لم تكن رؤياكِ حُلمًا
بل رسالةً من الغيب
تُخبرني أن البعيدَ ليس ببعيد
وأن الغيابَ مهما تعاظم
لا ينتصر على قلبٍ يعرف طريقه
استيقظتُ وفي صدري يقينٌ
وفي عيني أثرُ نورك
حتى رأيتك تُغادرين النوم
وتبقين في الذاكرةِ حيّة
كأن الحلمَ لا يريد أن ينتهي
وكأني لم أعد أعرف نفسي بدونك ..
أحب صمتي
حين يقارع مشاعري
فكأنه قسورة تنازل
نشيج قلب في غياهبه
يجأر الحنين في لجة سكوتي
ويتفتت اللجين في مزاريب روحي
فأغدو بين ركام الصبر وتبر الوجع
أتنفس وجدي كأنني
أستنشق الرماد بعد احتراق
لا أدري أأنوح على كنه الفقد
أم أسبح لج الصبر في محراب الوجد
حيث تنطفئ الأصوات كلها
ولا يبقى إلا رجع أنيني
ينازع الصمت
ديباجة
كأسٌ من زقوم
يسقي الفؤاد لظى الوجد
تغلي به الأحشاء
كقدر في ليل الغواية
يطوق النبض مسد الحنين
فإذا بالشوق مأفونُ الحيلة
يتجرعُ اللظى كأنه شهدًا
يلسعهُ الأسى بنار من ذاكرة لا تبرد
ويبتسم- كأن الوجع طيبُ المذاق
فيه اتساعُ الأفق وملحُ الذاكرة
وشيء من صوت البحر
حين يصافح الرمل بعد جزره
ويبتسم للنار كروح أَلفت العذاب فاستلذته
ديباجة