تأمُّلات في طفولة بلا شاشات: في زمنٍ لم يكن للواي فاي فيه وجود، ولا لحسابات "التربية الإيجابية" أي ظهورٍ، كانت أمي تُربِّينا ببساطة وبدون إنترنت. لا جروبات واتساب
تأمُّلات في طفولة بلا شاشات:
في زمنٍ لم يكن للواي فاي فيه وجود، ولا لحسابات "التربية الإيجابية" أي ظهورٍ، كانت أمي تُربِّينا ببساطة وبدون إنترنت.
لا جروبات واتساب للأمهات، ولا منشورات تربوية، ولا كتب إلكترونية عن تطور الدماغ، ورغم ذلك نشأنا بحمد الله في بيئة مليئة بالهدوء والبساطة، ومعايير واضحة لا تتغير كل أسبوع.
أمي لم تكن تحتاج إلى محاضرات تربوية لكي تقول: "لا" بثبات، ولا كانت تشعر بالذنب إن منعت عنَّا شيئًا رأت أنه غير مناسب.
تربَّينا على أن للطعام وقتًا محددًا للجميع، وأن الكلام أثناء الطعام يجب أن يكون مؤدَّبًا، لا نأكل أمام التلفاز؛ بل نتحدَّث ونضحك معًا.
كنا نلعب في فناء المنزل، نقرأ الكتب الورقية، نكتب بخط اليد، وإذا تشاجرنا، لم تكن هناك مقاطع على إنستغرام تقول لأمي: "تدخلي فورًا" أو "اتركيهم يحلون مشاكلهم بأنفسهم"؛ بل كانت تستخدم فطرتها، وتعرف متى تتدخل ومتى تصمت؟
لم نكن نعرف شيئًا اسمه "مَلَل" إلا عندما نضطر إلى مرافقتها في زيارات طويلة، وحتى هذا الملل، كان جزءًا من تربيتنا على الصبر.
أمي لم تكن تتفَنَّن في إعداد أنشطة تربوية لنا؛ لكنها كانت تتقن شيئًا أكبر: أن تعيش معنا، كانت تراقبنا باهتمام، تستمع جيدًا، ولا تدير البيت من خلف شاشة.
والحق أن أمي ربَّتنا وهي تقرأ قليلًا؛ لكنها تطبق كثيرًا.
كانت أمي، دون وعي منها، تُربِّينا على البصيرة، وكلما قرأتُ الآن كتابًا تربويًّا جديدًا، أجد في داخلي صوتًا يقول: "أمي كانت تفعل هذا من قبل أن يُكتَب!"
واليوم، في وسط هذا الزخم التربوي الرقمي، أجد نفسي مشتاقة لتلك التربية الهادئة، ليس لأنها مثالية؛ بل لأنها كانت حقيقية، لم تكن أمي تنشئ لنا أرشيفَ صورِ طفولة في جوَّالاتها؛ بل كانت تنشئ فينا شيئًا أبقى: شخصيات تعرف مَن تكون، وإلى أين تسير؟
أكتب هذه الكلمات، وأنا أسمع صوت طفلي من الغرفة المجاورة، وأتساءل: كيف سيكون أثر تربيتي عليه؟
لكني أرجو، وأسأل الله، أن يكون له مني ولو بعض ما كانت أمي لنا.
وأحيانًا، حين أكون منهكة من دوَّامة المسؤوليات، أفتح درجًا من أدراج الذاكرة، وأتذكَّر أمي تجلس في صمت، تقشر الخضراوات، تسمع لنا، ولا تقاطعنا إلا لتضحك أو تنصح، لم تكن تمسك هاتفًا، ولا تتابع استشارات مباشرة؛ لكنها كانت تُعطي كل واحد منا وقته، كانت تملك تلك القدرة النادرة على أن تكون حاضرة تمامًا.
واليوم، حين أجد نفسي مُشتَّتة بين إشعارات الهاتف وأخبار العالم وقوائم المهام، أسأل نفسي: كيف أُعيد تلك "الحضرة" في بيتي؟ كيف أستعيد تلك الطُّمَأْنينة التي كانت تسكن وجه أمي حتى وهي تُوبِّخنا؟ لا أملك الجواب الكامل؛ لكنني أحاول أن أتعلمه كل يوم بمحاولتي أن أكون مع أطفالي كما كانت أُمِّي معنا: لا أسبقهم بالحكم، ولا أتهمهم بالكسل، ولا أسمح لشاشة أن تحتل المسافة بين أعيننا.
ربما لم يكن لدى أمي إنترنت؛ لكن كان لديها بصيرة، بصيرتها كانت ترى ما خلف السلوك، لا تقيِّمنا على لحظة الغضب أو الكسل أو النسيان؛ بل تنظر إلى ما وراء ذلك: هل نحن بخير؟ هل نحن في طريق مستقيم؟
كانت تعرف أن التربية ليست تدخلًا مستمرًّا؛ بل بناءٌ صامتٌ في الغالب، لم تكن تشرح كل تصرف لها؛ لكنها كانت تختار معاركها بحكمة، وتمرر الكثير دون أن تبدو مهزومة.
وكنت أظن وأنا طفل أن هذا هو الطبيعي؛ أن كل الأمهات يعرفن متى يتكلمن ومتى يصمتن، متى يتركن ومتى يتدخلن، متى يحتضن ومتى يقسوْنَ.
لكني الآن، وأنا أقف في مكاني كأم، أدرك أن ما ظنناه عاديًّا لم يكن كذلك أبدًا، كان نِعمةً، كان توفيقًا من الله لأمي، وكان حبلًا من نور امتدَّ من قلبها إلى قلوبنا.
أحيانًا أُمسك نفسي وأنا أردد كلماتها، بنفس نبرتها، كأن الزمن دار بي لأصبح كأني هي، فأبتسم … وأتساءل: هل سيكبر أطفالي يومًا ويكتبون عني كما أكتب عنها الآن؟
هل سأكون لهم تلك الأم التي ربَّتهم بلا صوت مرتفع، بلا تهديد، بلا شاشة تشغلها عنهم؟
لست مثالية، ولا أحاول أن أكون نسخة مكررة من أمي؛ لكني أحمل منها وصايا صامتة، لا تزال تعلمني ولو غابت عني أحيانًا.
في زمن امتلأ بكل شيء، أبحث مع طفلي عن اللاشيء: عن لحظات الصمت، وعن القصص التي تُروى من الذاكرة، وعن نظرات العيون لا نظرات الشاشة.
وإن نجحت في ذلك قليلًا، فالحمد لله.
وإن قصرت، فحسبكِ يا أمي أنكِ كنتِ مدرسة، وأن أثركِ لا يزال يعينني في طريقي.
يا رب، اجعل لي من بِرِّ أطفالي كما جعلت لأُمِّي منا.
واغفر لها ما قصرت، وبارك فيما أحسنت، وارحمها برحمتك الواسعة بحق ما زرعت فينا من نور وهدى.
وامنحنا يا الله شجاعة تربية تختلف، حين يكون الاختلاف حقًّا…وصبر الثبات، حين يكون الثبات هو النجاة.