خطبة جمعة عن "الهواتف والإنترنت ووسائل التواصل" الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الأوَّلين والآخرين، وسلامٌ على عباد الله الصالحين، أما بعد: فالإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الأوَّلين والآخرين، وسلامٌ على عباد الله الصالحين، أما بعد:
فالإسلام دين الأخلاق والآداب، ولكلِّ شيءٍ أدبٌ وذوقٌ وأخلاق، على المسلم أن يراعيها، وسنذكر في هذه الخطبة آدابَ استعمالِ الهاتف والإنترنتِ والشاشات:
1- على المسلم أن يستعمل هذه الوسائل الحديثة بقدر الحاجة بلا زيادة، ويستعملها فيما ينفعه في دينه ودنياه بأدب وذوق، فإذا أراد مثلًا أن يتصل بالهاتف فليتأكد من صحة الرقم المطلوب حتى لا يُزعِج الآخرين، ويتصل في وقتٍ مناسب، فإن لم يُجب صاحبُه فليُرسِل له رسالةً نصيةً، ويبدأ المتَّصِل كلامه بالسلام، ويُجيبه الآخر برد السلام، ولا يطيلُ الكلام بلا حاجة، ويختم كلامَه بالسلام، ولتكن رنَّةُ الهاتف مباحةً مناسبةً، ليس فيها معازف، ولا تكن مزعجة، ولا يجوز التواصل بين الرجال والنساء بلا ضرورةٍ أو حاجةٍ؛ كاستفتاءِ عالِم أو استشارةِ طبيب، مع عدم خضوع المرأة بالقول فيطمعَ الذي في قلبه مرض، وعلى المرأة إن جاءها اتصالٌ من رقمٍ غريبٍ ألَّا تبادر بإجابته، وإن علِمت أنه سفيهٌ فلتعمل حظرًا فلا يستطيع الاتصالَ بها مرة أخرى، ولتحذر المسلمةُ من الانشغال بالهاتف فتقصر في الأعمال المنزلية، ولتحذر من متابعة المسلسلات والأفلام والموضات التي تُفسد الأخلاق والفِطرة، وليحذر كل مسلم ومسلمة من تضييع وقته مع الهاتف والإنترنت والشاشات فيما لا ينفعه في دينه ولا دنياه، ولا بأس بالترفيه عن النفس أحيانًا بالمباحات من غير إسراف، وليحذر أن تشغله هذه الوسائل عن ذكر الله، وعن الصلوات الخمس في أوقاتها، أو عن صلاة النافلة وتلاوة القرآن، وليحذر العاقل من تضييع وقته في الألعاب والدردشات التافهة، وليحذر المسلم من السهر فتفوته صلاةُ الفجر جماعة، فالمؤمن الموفَّق يسارع في الطاعة، ويغتنم شبابَه قبل هَرَمِه، وفراغَه قبل شُغلِه، وحياتَه قبل موتِه، فلا تُلهيه هذه الوسائل عن التقرب إلى ربِّه بالعبادة، وطلب العلم النافع والأعمال الصالحة، وإتقانِ الأعمال الدنيوية النافعة لنفسه وأهله ومجتمعه.
2- غض البصر عن الحرام، فالجوَّالات ووسائل التواصل والإعلام مع كونها نعمةً عظيمةً إلا أنها تشتمل على فتنٍ عظيمةٍ، ومفاسدَ كثيرةٍ، وفيها دعاةٌ إلى الشهوات والشبهات، فليعتز المسلم بإيمانه، وليكن من الذين وصفهم الله بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]، وقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص: 55]، واللغو كل ما لا فائدة فيه من قول أو فعل، مثل: الأفلام الخليعة، والمسلسلات الفاجرة، والمباريات الملهية، والدردشات التافهة، والمقاطع الخيالية الكاذبة، والألعاب المشتملة على المخالفات الشرعية، التي تتضمن ما يفسد العقيدة والأخلاق والعقول والفِطرة.
3- الخوف من الله عند الخلوات، فعند الخلوة بهذه الوسائل يتبين المؤمنُ القويُّ صاحبُ القلبِ السليم المنيبِ الذي لا يطمئن إلا بذكر الله، وضعيفُ الإيمان الذي في قلبه مرضُ الشهوات، فالحذرَ الحذرَ من ذنوب الخلوات، فإنها أعظمُ أسبابِ النفاقِ والانتكاسات، ومَن وقع في بعض السيئات فليبادر إلى التوبة، والله يحب التوَّابين.
4- تقوى الله في السرِّ والعلن، والسفر والحضر، ومن اتقى الله كفاه وأسعده، وإذا صلح القلب صلحت الجوارح، فعلى مستخدم هذه الوسائل أن يتقي الله في سمعه وبصره ولسانه ويده، وليتق الله فيما يقول ويكتب، وليحذر من إيذاء المسلمين بالغيبة أو النَّميمة أو الكذب، وليحرص على التبين والتثبت في الأخبار؛ كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]، وأكثرُ نَقَلةِ الأخبار اليوم ليسوا مؤتمنين، وأغلبُهم مجهولون، لا يجوز الجزمُ بأخبارهم التي لا يتواطؤون عليها، وكثيرًا ما يكتفون بمصدر واحد غير موثوق به، وقد يزيدون في الخبر الصحيح ما ليس منه، وليحذر العاقلُ من التصديق بكل ما يراه ويسمعه في الشاشات والإذاعات، فما أكثرَ الكذبَ والخداعَ والتضليلَ والتهويلَ في هذا الزمان على المشاهدين والمستمعين! لا سيما بعد ظهور الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمه بعض الناس في الشر والتدليس، ومن علامات الساعة: انتشار الكذب، وتصديق الكاذب، والله المستعان.
5- الحرصُ على الاستفادة من هذه الوسائل فيما ينفع في الدين والدنيا، والحرصُ على متابعة العلماء والدعاة والصالحين الحريصين على نفع المسلمين في دينهم ودنياهم، والإعراضُ عن متابعة التافهين والتافهات، والضائعين والضائعات، ولا يكن ممن يُكثِّر متابعيهم ومشاهديهم فيُشَجِّعهم على الاستمرار على باطلهم وغفلتهم، وليكن من الدعاة إلى الله في هذه الوسائل ولو بالنشر والدلالة على الخير، وليحرص على الاستفادة من التطبيقات المتنوعة النافعة التي يمكنه تنزيلها في هاتفه؛ كتطبيقات تعليم تجويد القرآن الكريم وتفسيره؛ كتطبيق سورة، وتطبيق المصحف المعلِّم، وتطبيقات الأذكار، وتطبيق جامع الكتب التسعة، وغيرها من التطبيقات العلمية المتنوعة، ويستفيد من القنوات والمواقع الإسلامية التي تَزيدُ الناظرَ فيها إيمانًا وعِلمًا وعملًا صالحًا، ويجد فيها من يُذكِّره بالله ويُعلِّمه، وينصحه في دينه ودنياه، وهي بحمد الله كثيرة، مثل: مؤسسةِ الدُّرَرِ السَّنِيَّة، وشبكةِ الألوكة، وموقعِ الإسلام سؤال وجواب، وإسلامِ ويب، وفيه ركنٌ للاستشارات، وركنٌ للفتوى، وفيه بوَّابةٌ خاصة بالصُّم بلغة الإشارة.
6- الحذر من المشاركة في المسابقات والمواقع المشبوهة المشتملة على القمار والغَرر والخِداع، وعدمُ الاغترارِ بالمواقع التجارية المجهولة، والرسائلِ الخادعة، والإعلاناتِ الجذَّابة المتنوعة، وعدمُ التطفُّل بالنظر في المواقع المحرَّمة، ومن حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه.
اللهم أحسِنْ إسلامنا، وحبِّبْ إلينا الإيمان وزيِّنْه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلنا من الراشدين، وبارك لنا في القرآن العظيم، وارزقنا تلاوته وتدبُّره والعمل به، واجعله حجة لنا لا علينا، اللهم إنا نسألك خيرَ ما في هذا الزمان من الوسائل التي يسَّرتَ اختراعها، ونعوذ بك من شرِّها، ونعوذُ بك أن نُفتن بها، اللهم اجعلنا من الصالحين المصلِحين، وثبِّتنا على دِينِك حتى نلقاك غير مفتونين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم عليك بالكفرة والظالمين الذين يُفسِدون في الأرض ولا يصلحون، واكفنا شرَّ ما يعملون، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.