طقس اللذة-
ميثاق بين الروح وما تشتهيه
ارتجاف وفتنة الاكتمال
وبرق يوقظ ما خمد من النبض
وهج يسري في العصب
كأنه وادي السحر انسكب في العروق
في طقسها- تتبدل الموازين
تقاس بما يذوب فيها
من عقال الحذر
لا تأتي حين تستدعى
بل تنبثق من تلقاء روح
اشتعلت رغبةً
هي عطش يروى بالظمأ
وجوع يشبعه الحرمان
وسكون يضج في باطنه
ألف رعشة من حياة
في طقسها- تخلع الأقنعةُ
وتنكشف الينابيع
هي جنون العارفين
ورعشةُ الذين أدركوا
أن اللذة ليست لحمًا يؤكل
بل عبق يستنشق ونهر من لجين
ديباجة
إن الأرواح لأمّارةٌ بالحنين
تعودُ إلى مواطن الضوء
كلّما أثقلها الرماد
وتسعى في زوايا المساء
تبحث عن طقسٍ يعيد اتّزانها
عن نافذةٍ تفتحها على نفسها
دون خوفٍ من الصدى
فالسكينةُ ليست غياب الضجيج
بل طقسٌ خفيّ تُمارسه القلوب
حين تضيقُ بالأيام
تجلسُ على مقعد الانتظار
وتنصتُ لنبضها
كأنّه تسبيحٌ في دجى الليل
أليس المطر طقسًا؟
حين يهبطُ كاعترافٍ من السماء
يغسل الوجعَ من الشوارع والذاكرة معًا
وأليست الكتابة طقسًا؟
حين نرسم الحرفَ بالدمع
فنصير نحن الورق ونحن الحبر.
أليس العشقُ طقسًا؟
حين يتوضّأ القلبُ بنبضٍ واحد
ويصلي للعابرِ
في الذاكرة وكأنه قبلةُ الحياة
أليست الأنوثةُ طقسًا؟
حين تتزيّن الروحُ بالحياء
وتفوح من الخطوةِ
رائحةُ الورد والدهشة معًا
أليس الخوفُ طقسًا؟
حين نرتجفُ من المجهول
لكننا نمسكُ بأطراف الأمل
كطفلٍ يتعلّق بثوبِ أمّه
أليست الشجاعةُ طقسًا؟
حين نقفُ في وجهِ الريحِ والدمعُ يسبقُنا
ونمضي رغم انكسارِ الصوت
لأننا آمَنّا أن النورَ
لا يولدُ إلا من رحمِ العتمة
كلُّها طقوسٌ يا أنا
تُعيد تشكيلنا كلَّ يوم
وتُعلّمنا أن الحياةَ كومة إحساس
وأننا حين نحبّ، أو نخاف، أو نحلم
نمارس أقدسَ طقوسِ الوجود
كلّ واحدٍ منّا
يحملُ مذبحًا صغيرًا في صدره
يُشعلُ عليه شمعةَ الأمل
كلّما أظلم الطريق
توأم الحرف والروح
ديباجة
كأن الحرف بين يديكِ
يتهجّى الوجود من جديد
كم أبهرتني قدرتك
على أن تُخرجي من العاديّ
معنى مقدّسًا
وأن تجعلي من التفاصيل الصغيرة
محرابًا للسكينة
نصّكِ لا يُقرأ، بل يُتنفّس
ويترك في القلب أثر طقسٍ لا ينتهي
بورك هذا النبض المضيء
طقس استئناس الصمت-
أطفئ نيران الحرف
وأجلس في ظل نفسي
كما يجلس الحكيم على عتبة التأمل
أصغي إلى رفيف المعاني وهي تولد ببطء
كأجنحة فراشات تخرج من شرنقة
صديق عتيق
علمني أن أزن الكلمة قبل أن أنطقها
وأن الهدوء أشد وقعًا من الصراخ
كوقع المزن حين يهمس في قلب الصحراء
أستأنس به كما يُؤنس البدوي نجمه
وأحتمي به من لغو العالم
كما يحتمي الغيم بقمة الجبال
وحين أعود إلى الكلام
أعود بهدوء من خرجت من منسك مقدس
وقد تعلمت أن الصمتَ ليس انكسارًا
بل رفعة من عرف
متى يُنصت ومتى يُفصح
ديباجة
لا أرفعُ للفرحِ لافتة،
ولا أستدعي التصفيقَ لأجل نبضٍ تفتّحَ في صدري.
أعرفه حين يجيء خفيفًا،
يمشي على أطراف السرور،
كزهرةٍ تخجل من الضوء فتنفتحُ في ظلّها،
وتنادي الحياة همسًا لا صراخًا.
أفرح كما تُضيء نجمةٌ ضائعة في آخر الليل،
صوتي هادئ، وقلبي يرقص وحده،
كفنجان دفءٍ يتلصّص على برد العالم،
بين أناملي وأهدابي،
لا يسمع أنينه الحلو إلا الله وروحي.
أمشي بثقلٍ يعرفُ طريقه،
وخفةٍ لا تشرح نفسها لأحد،
كأنني أحمل سرًّا من نور،
وأخشى عليه من العيون التي تتقن كسر البريق.
في صوتي انحناءة رضا،
وفي نظرتي بياض النجاة،
وفي داخلي انتصارٌ يبتسم ثم يصمت.
أكتب للحياة بلا فخرٍ ولا ادّعاء:
“أنا ممتنة… ونعمة الله لا تُعلن، بل تُعبد.”
فأحمده بقلبي قبل لساني،
وأقبّل العطاء بالدعاء،
وأخبّئ بهجتي بين أضلاعٍ تعرف أن السرّ إذا ظهر نَقَص.
أفرح وكأن الفرح زائرٌ طيّب،
يدقّ باب الروح بلطف،
فأفتح له صدري لا نوافذ العالم،
وأفرش له سكينةً من حرير،
وأقول:
“ابقَ هنا… فالأشياء الثمينة تولد في الخفاء،
وتُحفظ من ضوضاءِ السطوع.”
ما بيني وبين السعادة عهدٌ غير مكتوب؛
أن تأتي خفية كالدعاء،
وأن أغمرها حنانًا لا استعراضًا،
فالفرح الحقيقي لا يتجمّل ولا يتباهى…
هو سحابة نور،
وعطر لا يُرى،
وحضورٌ يُلمَس بالروح قبل العين.