طقس اللهفة-
ارتعاش روحي قبل أن يلتقي الجسد
نبض قلبي الذي يسبق الخطوة
وانتظاري الذي يتسلل بين الأنفاس
فيملأ كل فجوة بالاشتياق
ألتقط كل لحظة صغيرة
كل نظرة أو همسة
فيصبح الصمت حكاية
والهواء رسالة
وكل شعور متوهج بين شغف وحنين
كأن الروح تصرخ وتهمس بلا توقف
ديباجة
طقس وجل ذات حنين-
يأتيني الوجل
على عاجلة من روح تترقب
يأتيني كوثب ظبية خشيت سهام الصياد
وكلما تشهى الفؤاد إشراقًا من أمس ولى
وجل ترقب شدة الحنين حين يستفحل
فتتبعه رعدة مخفية
خوف أن يزيل هذا الشوق قناع التجلد
الذي نصبته طويلاً
يهمس لي وجلي كل حين حذار
من عمق بقائهم في جوفك
أن أتذكر كل شيء بتفاصيله
فكأن الحنين سيل جارف
والوجل هو حائل”الصمت
الذي أرحوه أن يصمد أمامه
ديباجة
قلمُ ديباجة
ذلك الوتدُ الذي تُشدّ به خيمةُ المعنى
والسراجُ الذي لا يخونُ نورَه مهما توغّل الليل
حبرُهُ ليس سوادًا بل بصيرةٌ تُبرِقُ من بين السطور
وخطُّهُ ليس كتابةً بل أثرٌ يمشي على مهلٍ
كأنّهُ يعرفُ كيف يُعيد تشكيل القلب من جديد
ما إن يلامس الورق
حتى تنهض الكلماتُ من سباتها كجندٍ مُنادى
وتستقيم الجملُ كأنّها صفّ من نورٍ
يتقدّمُهُ يقينٌ لا يتلعثم
قلمُ ديباجة
صوتُ الكاتب حين يصمت
وهيبةُ الحرف حين ينهض
وروحٌ لا تُجيدُ إلّا فنَّ أن تُنصت لها القلوب
قبل أن يقرؤها النظر
إنه ليس قلمًا
بل هيئةُ بيانٍ تمشي على أطراف المعنى
وتترك وراءها أثرًا
يشبه وقارَ المطر حين يهبط
على أرضٍ تنتظر ..
طقس نزغة البغت -
ذات غفلة باغتتني
غفلة كانت ساعة سكون
حين ظنت النفس أنها
نضت عنها عبء الذكرى
فجاءت كنزغة حادة
كطعنة رمح لم يره الرامي
بل وصل إلى سويداء الفؤاد
باغتتني بصوت ليس له رنين مسموع
بل له وقع خفي يشبه حفيف الأغصان
في واد قديم
كنت أحسب أني عبرته وتجاوزته
لم تكن سوى يقظة لشعلة لم تخمد قط
مخبؤة تحت ثقل الأيام
تزيل نقاب الأمن الذي زيفته على وجهي
وتقول لي
أين المفر مما نبت في داخلك وتجذر
كل ما أوهمت به النفس
من قوة وصلابة
رأيته يتداعى أمام هذه الوثبة المفاجئة
فأعلم أن دواء الحنين ليس في الغفلة
بل في مواجهة هذا السيل الذي لا يتوقف
ديباجة
طقس ستر الصمت الهش-
الصمت
وهل الصمت إلا جنة المتعبدِين
في محراب الذكرى
ألبسه درعًا أتوارى خلفه
أظن أنه يحجب صدى الوجدان
عن سمع الدنيا
لكنه صمت مهزوز
لا يكف عن الترنح من داخله
ففي خلوته يصبح اللسان سيفًا
والسر محاربًا لا يجد له غمدًا
تجتمع الكلمات في حنجرة مغلقة
فتصير عقدًا تخنق البوح كلما أراد الانعتاق
يفقدني سبل الخلاص!
أخشى زلة لسان
وأخاف نظرة تفضح بؤس القلب
فيبقي جمر شوقي مضمونًا بين الضلوع
ويبقى صمتي شفيفًا كحرير الديباج
يوهم بالقوة
لكنه ينشق عند أدنى همسة لطيف غابر
يهوي من عليائه إلى درك الحنين
بلا صوت ينقذه
ديباجة
اشتدّ بردُ روحي،
وكأنّ الشتاء اختار أن يقيم في صدري إقامةً لا رحيل بعدها.
صقيعٌ يتسلّل إلى أطراف كياني،
يعضّها ببطءٍ موجع،
وريحٌ عاتية تجوب ممرّات قلبي
كأنّها تبحث عن ذكرى تاهت بين الظلال.
يتساقط الثلج على خطواتي،
فيثقّل دربي،
ويحوّل المسافات إلى بياضٍ صامت لا ينبض بالحياة.
حتى الوقت..
كأنّه يتجمّد في عروقي،
يمدّ لحظاته كخيطٍ باردٍ لا ينقطع،
ويُبطئ نبضي كي لا يوقظ جرحًا راقدًا.
وفي هذا الفصل القاسي،
تبدو روحي معلّقة بين نفسين،
تتعلم كيف تُصغي لصمتها،
وكيف تحتمل برد الوحدة حين يصبح أثقل من الثلج،
وأقرب إلى الظلّ من النور.
إنه شتاء داخلي،
لا يتشكّل من غيمٍ ومطر،
بل من شقوقٍ خفيّة
تبني حول قلبي طبقاتٍ من الصقيع..
صقيعٌ لا يذوبه إلا دفءٌ لم يأتِ بعد،
وربما ظلٌّ من حنينٍ دفين.