الفصل الأول/؛ رواد الصمت في كنف اليتم- في ربع مهجور تناسته القبائل؛ حيث الحزن أذياله؛ وحيث البؤس خيمة منصوبة كان ’يامن‘ يرعى لياليه. ’يامن‘ نجمٌ في حنادِس الوجد- كان غصن
الفصل الأول/؛
رواد الصمت في كنف اليتم-
في ربع مهجور تناسته القبائل؛ حيث الحزن أذياله؛ وحيث البؤس خيمة منصوبة
كان ’يامن‘ يرعى لياليه.
’يامن‘ نجمٌ في حنادِس الوجد-
كان غصن بان نحيف؛ كأن الأزمة عضته بأنيابها حتى برت متنه
جسد لزِم الضمور حتى غدًا كالمرو الهزيل؛ لا يحمل من اللحم إلا قدر ما يقيم صلبه.
أما وجهه فكان صفحة بدر غشاها غبار الترحال؛ بياض تنازعه الصفرة
ولكن فيه جمال المهر الوحشي قبل أن تروضه المواسم.
عينان كعيني مُقرمدة في وهجها؛ يلمع فيهما شجى باق؛ وتساؤل كالحراب يفضي إلى لا شيء.
وشعره ذاك الجزيل المنعكس؛ كأسلاك الديباج المجعودة؛ يدلو على محاجر تخبر عن كبد قرحة. ’يامن‘ في مشيته يخطر كالأسياف؛ مع علمه أن جوفه محل قفر من الأنس
هو كالرمل المستطير؛ لا يقر له قرار ولا مفر له من عاصفة اليتم.
المنزل حيز قاس كصفاة-
حجرته كانت بؤس العيش متجسدًا هي صفاة نحتتها شظف المعيشة؛
لا تصلح لإقامة الحيين.
الجدران فيها غور وبروز؛ وقد تهرأ طينها حتى كأنها أطلال منازل بعد سنة بسوس
التصدعات فيها ندوب بينة؛ هي كرؤوس الأفاعي تتسلل إلى روحه لا تهدأ ولا تبرح.
مضجعه كان حصيرًا عاديًا؛ خَلق من طول المراح؛ لا يقي من ندى الأرض المستبدة.
هو موطن العزاء ومضرب الحاجة.
لم يحو الكنف غير جلد بال هو وعاؤه؛ وقربة عطشها الزمن
كل ما فيها هو كبقايا دِمنٍ لم يبق لها عصور الجفاف من ري.
الكوة متنفس المتنمر؛ كوة ضيقة كعين الإبرة؛ لا تطل إلا على بوادي مقفرة
لا تهب النور بل تعيره كسهم خاطئ يجد طريقه إلى حيزه المأسور.
هكذا كان ’يامن‘ فردًا في لجة الخذلان؛ يعض على الحصر بفم الصبر
شاهدًا على أن الفاقةقدر؛ وأن النفس الأبية تظل صافية كالذهب
وإن خبا ميزانها في حلبة الدهر.