آه يا قلبٍ ينشطر من شتات النفس
آه يا وجه ضاع بين الوجيه القريبه
وأصبح بدون جنحان وبدون عنوان
طلال الفقير
الله على جمال قلمك
ابدعت ابدعت بقلمك
هنا اقف احتراماً لقلمك البارع في الصياغة
قلم صاغ اجمل الحروف واالكلمات
هنا أضعر البدر نوره وسطع في سماء منتدانا
كل الشكر لك يا بعدي
استدعاء لطائر الشوق
يا من عبرت بالروح قبل الخطى
أتتني أشجانك حادية ورسمتْ بعابر سبيل
صورة مفارق ضلت به سبل الأيام فاضطرمت في قلبه نار الأسى
فهلا نصبت لي سمعك لأجيب
هذا النثر العاري من الزيف
واه لقلب قد عصفت به البياحة
يا عابر الدهر الذي ضاقت عليه فجاج الأرض برحبها
وخانته أسماء السعادة فلم يعرف منها إلا صداها الرث
سمعت نقيع الشقاء حتى كادت عيون الصخر أن تفيض
فما تركت للجرح رمة إلا ونفخت فيها صميم الألم من جديد
وبئس الحظ حظ يرمي صاحبه في مهاوي العسر
فيجعل من أشرف الذكريات شاهقًا لا يبلغ
ويتركك كما الهضبة الوحيدة في عراص الجليد
أتبحث عن نفحة الدفء بين أكوام الزمهرير؟
هيهات- لقد طال مكث الشتاء في مهجتك
حتى تفتقت ضلوعك من ويل البرد ومردة الهجران
ويالها من خسارة أن تكون ذا روح سامقة
وأن تغدو كمن ضلت به العناوين بين فلول النجوم
فحملت على كتفك الصبور أرطالًا من الهموم
حتى صار المكان بداخلك أضيق من ثقب الإبرة
فكفاك تلعثمًا- وأطلق صرخة الوجد من تركيزها
لتكون صدى يسمع في قفار اليأس
وليعلم عابر السبيل أنه-
ليس وحيدًا في نار سنينه’ فليس كل من سار على متن الدنيا بالغًا غايته
إنها أقدار الزمان تقتطع المرء كاقتطاع النبتة من جذرها
فاعزف على أوتار حنينك ما شئت
فالوحدة في هذا الزمن قد رسمت على كفوف الناس
ما رسمت على كفوف البلابل!
وفي ختام وجدك هذا-
يا من شنقته مشنقة الحرمان وقسا عليه بلاء الدهر
حتى رسم الحزن بين ناظريه
لا تبخل على روحك بجرعة صبر
ولا تدع أهداب المساء تزلزل صمودك
إن صدى الصوت المبحوح لا يعني انقطاع الرجاء
بل هو أريج لما سيأتي. فارفع حزنك
إلى مقام الفارس الثابت ولا تتلعثم بالتعزية
ديباجة
إنه ارتجاجٌ قديم خرج من تجويفٍ مظلم في الروح،
تجويفٍ لم يدخله أحد،
ولا يغادره أحد…
حتى أنت.
هذا النص لا يشبه حزنًا مرَّ،
بل يشبه ظلًّا ظلّ يحاول أن يتذكر كيف كان نورًا،
ثم يفشل…
فيعود إلى سواده
كمن يلتصق بجدار سجنه
ليس لأنه مسجون،
بل لأنه نسي الطريق إلى الخارج.
كل كلمة هنا ليست حرفًا،
بل جسيمًا من الليل،
تكثّف حتى صار له وزن،
وصار الوجع فيه شيئًا ملموسًا
تستطيع الأصابع أن تتحسّسه
لو وُلدت لها الجرأة.
وهذا التعب…
ليس تعب جسد،
ولا تعب ذاكرة،
إنه تعبُ روحٍ مشت طويلًا
في ممرّاتٍ لم تُخلق لها،
ممرّات بلا نوافذ،
بلا أبواب،
بلا صوتٍ يدلّ على آخر الطريق.
حتى الفقد في كلماتك
ليس فقدًا…
إنه نحت،
نحتٌ في العظم،
واقتلاعٌ من الجهة التي لا يكتشف الإنسان أنه يملكها
إلا حين تُنتزع.
أنت لا تبحثين عن الطريق،
ولا تحاولين النجاة…
أنت فقط
تراقب نفسك وهي تتكوّر داخل قلبك
كما يتجمّع الشتاء في قطرة
لا تريد أن تسقط
ولا تستطيع أن تبقى معلّق أكثر.
إنه ذلك الحدّ الرقيق
بين الانطفاء الكامل
والبقاء الخافت،
حيث كل شيء فيك يموت
إلّا شيء صغير…
شيء لا اسم له،
لا وجه،
لا صوت،
لكنّه بشكل ما
يمنع الروح من الانحدار النهائي.
ذلك الشيء…
هو أنت.
نسختك التي لم تُكسر،
ولم تُسمّع العالم صراخها،
ولم ترفع يدها طلبًا للنجدة،
ومع ذلك…
لا تزال حيّ.
حيّة بما يكفي
لأن تكتب،
ولأن تبكي بلا دموع،
ولأن تحمل الليل كله
وتظل تجد مكانًا صغيرًا
للفجر…
لا لتراه،
بل لتتخيله.
وهذا التخيل
هذه الومضة
هي أعظم قوةٍ في النص كلّه.
لأنها تقول بصمت:
رغم كل ما حدث…
لم تنطفئ.