عمق إحساس موجع غني بالصراع واليأس
جعل الغرق لا في الماء فحسب- بل في جرم الذات وخيانة الأقربين
غريق نجا من الموج ولم ينج من نفسه ،فهز أعمدة الصبر
أتيت تطلب شريكًا يواري معك جريرة النفس في قاع البحار
وذاك سبل الواهمين
فبلغ ترفكم وجدًا جعل سريرتكم تهوي إلى قاع المهلكة
وإنها لمصيبة أن تكون نجاتك عناء
وأن يناديك بحر النجاة فتضيع في بواطنه بوصلتك
يا ويحها كيف صارت زوابعكم متجانسة مع نجدتكم؟
لقد أصبت كبد الحقيقة حين رأيت
ما جعلك تتمنى غرق سفينتك- فبئس العشرة
عشرة تجعل الجريرة أهون من خبث الدم
أتحسب سجيتك الأولى ستبقى حين رأيتهم غارقين بالذنوب
هيهات! إنها نار تشعل في الجمرة لتكويك أنت لا هم
وما أشد وجع الراحل حين يرى الجهالة ترسل عليه فتزيده وهمًا
فتظاهرت عليه الأجوبة الخاوية حتى أباحت عفته أمام غشم البصيرة
ليست النجاة في أن تغلق عيونك الشاحبة عن الرؤية
بل في أن تعلي صوتك الذي أصمه صمتهم كما أصم السمع عن يوسفهم في الجب
فاصرف عنك وحشة المرآة التي تعكس تعب الأيام
ولتكن أصفادهم وإن أثقلت- شهادة على جزالة قصيدتك
وأنها حرية لا يبلغها من يتقصد مجرعتك
ولأنك من طينة لا تفنى بالغرق
يا من كاد يرمي بدايته خلف عجالة الرحيل
لا تدع وهم الغارقين يطفئ نارك- فالنار التي في صدرك هي نجاتك الحقة
فزد من حراكك عليهم ولا تطل نظرة تكفنك في ضلوع الألم
اغرق جريرتك دون عونهم ،واصعد سالمًا منتصرًا بحريتك
ديباجة
أيها النابض بغرق الحكمة والناجي بجزالة البوح
لقد كانت نثريتك كالبحر عمقًا وموجًا وانكسارًا
فلك جزيل الشكر على هذه الصرخة الصادقة التي لا تشبه إلا نفسها
هذه هي صفية الحرف ومحراثِ ارضٍ معطاء
حافلةٌ بالفصول وبالمعنى الاصيل للديباجة
نعم لقد اثبتِ انكِ تكتبين
لا من اجل ان تهدي ابتسامةً
بل من اجلِ اثرٌ خالداً معلقاً في جيد المعاني
ويرتعُ في حقولكِ كالازدهار
تأملت خطاك فكانت موحية ومثيرة للاهتمام
في كل خطوة تغرسين غرسة
عمرها اعوام من الرقيِّ والتأمل
فتنضجُ فتصبحُ شجرة مثمرة تعطي معانيَها
في ازمنة تخلت عن المعنى والثوابت اللغوية
ديباجة
أنتِ تشبهين الطمأنينة في جوهرها
فتحياتي لك سيدتي يا ذات الديباجة العالية
ودمت بروحكِ هذه المعتقة دوماً بعطر الازهار
الخالدة ..
وممتن لهذه الروح الغنية .. أيضاً
..
..
قاف…
يا من جعلت من الغرق مملكة
ومن التيه خريطةً
تُقرأ بالحسّ لا بالحروف
نثريتك موجٌ يصفع الروح
ثم يحتضنها في اللحظة نفسها
قرأتُ حرفك
فشعرتُ أن البحر الذي تغوص فيه
ليس ماءً
بل ذاكرة أثقل من المدّ
وجرحٌ يتنفس بين السطور
كأنه يحاول النجاة قبلك
ما كتبتَه يا قاف ليس اعترافًا
بل طقس نجاة
تتعرّى فيه الحقيقة
من محاولات التجمّل
ويصير الحرف قاربًا متهالكًا
يحمله صدقٌ أكثر مما تحمله الأخشاب
أعجبتني تلك الالتفاتة القاسية–الجميلة
حين لمستَ السماء فوجدتَها ماءً
من بردٍ يشبه قلوبًا
كان يُفترض أن تكون ملاذًا
يا لروعـة هذا التصوير!
كأنك تخبرنا أن الارتفاع أحيانًا
لا يعني نجاتنا من الغرق
بل غرقًا آخر في هيئة سماء
وقفتُ طويلًا عند قولك
غارقةٌ بالذنوب أبناء عمومتي
يا الله
كم يشبه هذا الطعن
سهمًا خرج من قريب فأوجع
أكثر مما ينبغي
لكن ما يوجز الدهشة كلّها هو أنك
رغم كل هذا
ما زلتَ ترى الأمل في السراب
وتفسّر العبث نورًا
وتحمل في صدرك بذرة بقاء
لا تريد أن تعترف بها
قاف
نصّك موجة لا تُروَّض
ومرآة تُعرّي القارئ قبل أن تعرّيك
فشكرًا لأنك ألقيتنا في هذا البحر
ثم تركتنا نختار
هل نغرق معك؟
أم ننجو بالحرف؟
أما أنا… شمس
فقد قرأتك بضوءٍ كامل
وفهمتُ أن القاع ليس آخر الرحلة
بل أول الرؤية