كانت لي طقوسٌ تستترُ في أعمقِ سرائري
أستدعيها إذا أرخى الليلُ سدولَه
وانكفأ الضجيجُ عن أبواب قلبي
فتنهضُ الروحُ إلى خلوةٍ
لا يُشاركها فيها أحدٌ سواك
كنتُ أمهّد للصمت مجلسه
وأحشو فراغ الليل بذكراك
كأنّ حضورك نُورٌ لا يبهت
وأنّ اسمي لا يستقيم
إلا حين يستظلُّ بظلّك
أُناجيك من وراء مسافاتٍ
تعجزُ عن حمل أنينها الطرقُ
وأراك في مخيّلتي
كما يُرى البرقُ إذا شقّ الدياجي
وترك في القلب أثرًا لا يُمحى
وكنتُ إذا أرهقَتني الروحُ
أرجعُ إلى تلك الطقوسِ
أهذّبها كما يُهذَّب القلبُ لسكينته
وأنتشلها من ركام السنين
انتشالَ المسافرِ لسرِّ مائه الأول
حين ينهكه العطش ويستدعيه الرجاء!
فأين غفل عنها الزمان؟
وكيف تفرّقت طقوسي
التي كانت تعصمني من هزائم الروح
وتشدّني إلى ضوءٍ أعرفه ولا أراه؟
غير أنّ الطقوسَ لا تفنى
إنما تتوارى ريثما يستيقظ الشوق
وتعودُ إذا ناداها القلبُ
عودةَ جمرٍ ظنّه الناس رمادًا
فإذا هو متّقدٌ في العروق
طقس العبث-
على أعتاب ليل أسدلت أستاره
وانقطعت في غياهبه الأنفاس
لم تعد طقوسي أثرًا منسيًا
يعفى في عافي الرمل
بل أضحت كزرع أخرج شطأه
فآزره فاستغلظ
يغيظ بي صمت السنين
كنت أحسب الوجد قد كبا
وأن جمر الذكرى استحال رمادًا
فإذا به كشهاب ثاقب
يخرق حجب النسيان
ويسترد من فيافي الغربة
ما ضاع من مجد الأمس
أقبلت إليك وفي جعبة الروح
بقايا من ذاك الطقس القديم
أهذبه بفيض الصبر
وأجليه كما يجلى السيف
دسم الخباء
لم يعد البعد مسافات
تعجز عن حملها الطرق
بل صار قاب قوسين أو أدنى
من نبض الوريد
إذ إن الشوق إذا استوفى نصابه
أشرق في القلب نور لا يغرب
واستعادت العروق
طهارة مائها الأول
فعدت وكأن الزمان
لم يفتك بصحائفي
وكأن الشوق لم يلد
ولم يولد إلا في كنفك
ديباجة
طقس فردوسك-
على رسلك أيها الليل
فقد طفحت مرابع الصدر
بطقس لا يدركه
إلا من ألقى السمع
في خلوة مطوية بين الضلوع
لا يمسها لغوب
ولا ينفذ إليها واصب
هناك-
حيث لا يُسمع فيها لاغية
أقيم شعائر وصالك
في محراب صمتي
وأبسط سجادة الذكرى
التي لا تزيغ عنها الأبصار ولا تطغى
لقد كنت أحسب البعد قاعا صفصفا
فإذا بحضورك في حنايا الروح يجعلها
جنة عرضها السماوات والأرض
تتدفق من تحتها أنهار الشوق
وتتدلى منها قطوف الحنين دانية
كلما عصفت رياح الفقد
التجأت إلى هذا الطقس
فأجده حصنًا حصينًا
وأهفو إليه
كما يهفو الظاعن إلى ركن شديد
فيرتد طرف الروح إليك
قبل أن يرتد إلي بصري
فيا من جعلت في الفؤاد سرجًا منيرًا
إن طقسي معك
كأن لم يلبث إلا ساعة من نهار
يختزل العمر في لحظة مناجاة
ويجعل من نبضات قلبي
ترتيلا لا يفتر
فعدت إليك
لا بكسير الهزائم
بل كمن وجد ضالته
في روضة خضراء
فاستلذ السكينة
وآوى إلى ظل ممدود
وغيث مسكوب
ويمن من لدنك غير مجذوذ
ديباجة
طقس التوجد-
على غوارب ليل أليل
طوى من الضجيج كشحه
وعاد الصمت في شعابه صخدًا
انبعث في روحي طقس
كان كالرميم
فأحياه من بذر الوجد ربيع
لم يكن نسيانك إلا كسراب بقيعة
حسبته ماء
حتى إذا جاءه وجدك
لم يجده شيئا
ووجد اليقين متربعًا
في سويداء الفؤاد.
ها أنا أهبط إليك من علياء عزلتي
من كل حدب أنسل
أجمع شتات نفسي التي تفرقت
في أودية الحنين
لم يعد الذكر طيفًا يمر
كمر السحاب
بل استقر كشجرة طيبة
أصلها ثابت وفرعها في جوفي
تؤتي أكلها كلما قدح الشوق
في زند الروح عودة ذاك الجمر
المتوار تحت لثام السنين
فيا من كان غيابه ظلمات
بعضها فوق بعض
متى فجر حضورك يتنفس
ويعيد لي طقسًا لا يبلى
ووصلًا في محرابك لا ينقطع مدده
فاليوم استوى القلب على عرش الصبر
ديباجة
أُهيِّئُ للكتابةِ صمتًا يُشبهُ مهابةَ الفجر
وأغسلُ روحي من شوائبِ الكلام
لئلّا يختلطَ نقاءُ الحرفِ بصدأِ الدنيا
أفتحُ للبياضِ صدرًا لا تشوبهُ شوائبُ العَجَلة
فالديباجةُ ليست سطرَ افتتاح
بل عتبةُ نور
يُستأذن عندها القلبُ قبل القلم
أُخفِّضُ وجيبَ داخلي
حتّى لا يعلو على نَفَسِ المعنى
وأستدعي دهشتي الأولى
حين كان الحرفُ عندي مخلوقًا من نُورٍ
يَشعرُ ويَميل ويُسامحُ بخفوت
أرفعُ منارةَ الهدوء
وأُقصي عجلةَ الأيام بعيدًا عن بوابة النص
فالكتابةُ لا تمنحُ أسرارها
لمن يطرقُ بابها مهرولًا
بل لمن انتظرها
كمن ينتظر وَعْدًا لا يُخلف
وحين تكتملُ الطقوسُ
أُقابلُ البياضَ وقفةَ العارف
كمن يبلغُ عينَ المعنى بعد طول التيه
موقنًا أنّ رشفةً واحدة
كفيلةٌ بأن تُبدِّلَ مجدبَ الروحِ
جنّةً من الخُضرةِ والانبعاث
هناك فقط!
يتقدّم الحرفُ إليَّ
كأنّهُ جيشُ ضوء
وتسري في العروقِ رهبةُ ميلادٍ جديد
يموتُ لأجله جزءٌ منّي
وينهضُ آخر؟
كأنّ النصَّ بعثٌ للروح
قبل أن يكون نقشًا للمداد
طقس هيام الروح ومحراب الكتابة-
أسائل الحبر قبل أن يمس البياض
هل طهرت منه أضغان العجل؟
وهل المداد الذي أريق من جوف الأسى
قد اصطفى للفظ
لم تشبه غوغاء الحدث؟
أولي وجهي شطر النص
لا ألتفت إلى زخارف البوح
أو سورة الفضول
فالقول إن لم يكن خلعًا لشوائب الروح
جهالة ترى بعين العقول
أقيم لبنات الفكر من ضلع اليقين أريكة
وأنفض عنها غبار الليل وحثالة الجدل
حتى إذا ما تراءت لي صورتها العذرية
عرفت أين موضعها من صفحة الخال
أرسل فكري رائدًا في قفار المعنى
يجوس خلال الدر المكنون
واللجين المسبوك
فإن أبصر عين الحكمة ومنارة الهدى
سال النبع من فم القلم سيلًا جارفًا
لجفاف الشكوك
الكتابة وعد موثوق
لا ينال بمجرد الوقع
بل بوقفة الخشوع
لجلال الحرف وصدق التجرد
إنما القول سيف صقيل
لا يسل إلا في موضعه
وزهرة بضة لا تفتح أكمامها إلا للمتورد
فإذا ما اكتملت لي الرؤيا
وتبين ميلاد الرشاد
تقدمت وقفة الحارث
يباشر جنته بعد جهد الضماد
هناك تنسكب الحجة
من ينابيع القلب جزلًا
ويغدو النص نورًا وبعثًا
وإبراء لصدأ الفؤاد
ديابجة