طقس اللوعة-
اللوعة ليست دمعا
هي نار كبد سجرتها صبابة
سموم تنهش متن الروح
حتى تغدو ملامحها صدى شاحبا
يسكن جوف الصمت
جليسها لا يرى النهار
لكنه يرى غيمة سوداء
تحف بمقلتيه
شعور عار يرفل في جلبابه الجزع
شعورها ليس حزنا باردا
هو لظى يتوقد في مهد الروح
يتأكل الداخل
معقود بـأسلاك من جمر تتشدد
كلما هب نسيم ذكرى عابرة
كل نفس يصعد هو شهيق
مملوء بـرماد الأمل المحروق
وينجلي الأثر
طقسها يبدأ حين يبرد الضوء
وتفقد القهوة نكهتها
ويتعثر الأحد في رماد الانتظار
هناك تنطفئ الحواس واحدة تلو أخرى
ويشرع القلب في صلاته القديمة
يرتل أسماء الراحلين
كأنها طقوس خلاص لا يكتمل
ديباجة
طقس الوجد -
طقس لا يعلن
يبدأ حين تسدل السكينة أستارها
فتضيء العتمة من فتات الحنين
وتهمس الأرواح بأسماء نسيها الزمن
كأن اللقاء على بعد رمق
والشوق عطر يتوضأ بالصبر
فتنحني القلوب في محراب الذكرى
تسبح باسم من غاب
وتبكي خشوعًا بين سطور الصمت
طقس الوجد يبدأ بصوت خافت في القلب
يتنقل بين النبض والعين
ثم يشتعل كأنه دعاء قديم تذكر طريقه
يشعل الحنين
وتتوهج الأرواح
كأن الوجد صلاة لا ختم لها
ديباجة
طقس الشعور-
يتناهى الصمت إلى ملامحي فيتكلم
وتغدو نبضتي مسبحة من دهشة وارتجاف
أرتل فيها الوجع والفرح بصوت واحد
وتنحني روحي كأنها تؤدي ركعة
في محراب ما لا يفهم
وما لا ينسى
طقس-
يهطل بلا موعد
كأنه وحي من غيم قلبي
تارة يقبلها برفق
وتارة يمزقني بفيضه
لا يستأذن ولا يروض
هو انسكابي حين تضيق بي الحروف
ديباجة
طقس الوحدة-
يقام في صمت مثقل بالحنين
تتوضأ فيه روحي من ضجيج الأمس
وتصلي على أطلال الكلام
لا مؤذن فيه سوى الذكرى
ولا سجود إلا على وجع قديم
ينبت في القلب كزهرة لا تذبل
فيه- أجالس ظلي
أحادثه عني
فنختلف ونصطلح
على البقاء معا في صمت لطيف
وحدتي ليست فراغا
بل امتلاء صامت
بالوجوه التي لم تأت
وبالأحاديث التي لم تقال
أحادث ظلي في ليلي الطويل
نتشاطر الصمت
كما يتقاسم العشاق الأسرار
هو لا يجادلني
وأنا لا أخونه
ومع ذلك نختلف في المدى
كلما جلست إليه أدركت أن العزلة ليست عقوبة
بل منفى اختياري
يتطهر فيه الإنسان من ضوضاء الناس
ديباجة
طقس الطهر-
كالماء في كف الغيم
لا يمسكه أحد
الطهر ليس في البياض وحده
بل في السواد الذي لم يتلطخ
لا يمسكه أحد
لكنه يطهر الأرض متى شاء
القلوب الطاهرة لا تجادل
لأنها تبصر
تؤذيها الريبة
كما يؤذي النسيم شوك الصبار
تسكن النقاء
كما تسكن الحمامة ظل المئذنة
وإن كسرت أجنحتها
تظل ترفرف بالدعاء
ديباجة
لا أستدعي الشوق… هو يعرف الطريق إليّ.
يجيء على مهل، كنسمة تلامس وجنتي
وتتركني أتنفّس اسمه بلا صوت.
الشوق عندي ما هو ضجيج ولا وجع معلَّق،
هو همسة تتسلل من بين نبضي،
وتجلس معي على حافة المساء
كصديقٍ يعرف كم أتظاهر بالقوة.
أشتاق كما تنحني الشمعة للضوء،
وكما يلمع الزجاج حين تلامسه الشمس…
بلا جهد، بلا إعلان، بلا مبالغة.
أشتاق وكأنّ الروح تراجع دفاترها القديمة،
وتعثر فجأة على صورةٍ ما زال قلبها دافئًا.
أخفي شوقي كما يُخفى العطر في قارورته،
لا لأنني أخاف انكشافه،
بل لأنه أثمن من أن يُسكَب أمام كل عابر.
أتركه يكبر في صدري بصمت،
فبعض المشاعر إن نُطقت، فقدت سحرها.
وحين يشتدّ الليل،
أشعر به يتمدد بداخلي
كأنّه يريد أن يلمس السماء من خلالي،
فأترك له المساحة…
لا ليجرّحني، بل ليذكّرني بأن القلب ما زال قادرًا على الخفق.
الشوق عندي طقس…
طقس خفي، دافئ،
يعلّمني كل مرة
أن الغياب ليس نهاية،
بل مساحة يتنفس فيها الحنين بهدوء.