طقس الثرثرة-
إذا ما ظن الصمت بروحه وتبرمًا
أقيمت مواسم لفتح الأفواه
كالنوافذ إثر غيث منهمر
تتهادى الحروف من مناطق الشفاه
كشارب يغدو سكرانًا
فتغسل فؤادًا بما بقي فيه من سلالة البوح
وليست سوى محاولة نجاة من عقال الفكر
ليس المرام فيما أقيمت له المراسم
ولا فيما بدا للناظر وتجلى
بل في تلك الربوع الخافية
حيث تُناصب الروح شعائرها وحدها
فحين يتعرى الشعور من كل زينة
وينزع الفؤاد عنه أستاره كلها
ويذر الحقيقة تمضي فيه سير السائح
كما يسير الماء في مجراه القديم
ذاك هو انحناء الوجدان على ذاته
وتقديره لما يجلب له النأي
ويبعث فيه الرمق سوية
فيغدو الصمت حينئذ قربانًا
ويصبح النبض مئذنة لا تضل عن موضع النداء
عمقه مكان لن يبلغه إلا من علم
كيف يصيخ بصدق
إلى ما يهمس به قلبه بلا صوت جلي
ديباجة
في اللحظاتِ التي يتباطأ فيها الزمن
وتتثاءبُ الضوضاء كأنها تستعدُّ للنوم
أجدني أدخل طقسًا
لا يعرفه إلا الذين
تعلّموا الإصغاء لداخلهم
أكثر من أصوات العالم
هناك
في الزاوية التي لا تطولها يد الفوضى
يهدأ كل شيء
حتى يتنفّس الهواء ببطءٍ أكثر
وتستقيمُ الروحُ كأنها
وردٌ أعاد تشكيل نفسه بعد عاصفة
طقسُ الهدوء
ليس صمتًا
بل لغة أخرى لا تُكتب بالحروف
تُقال للروح مباشرة
وتُفهم بالقلب قبل العقل
إنه لحظةٌ يتساوى فيها الليلُ والنهار
وتغدو المسافة بيننا وبين اللهفة
أخفّ من نسمة
وأقرب من نبضة
طقسُ الهدوء
أن تحضن روحك
كما لو أنها طفلٌ خائف
أن تمسح على رأس وجعك
وتقول له
اهدأ
ما عاد في العمر متسع
لصخبٍ لا يُنبت خيرًا
هو طقسٌ يتقشّر فيه التعب
وينحسر فيه الضجيج
وتعودُ أنتَ إليك
لا أقوى
بل أنقى
ولا أسرع
بل أعمق
طقس الهدوء
ليس اختفاءً عن العالم
بل مصالحة مع نفسك
أن تسكنها برفق
أن تحدّثها دون عتب
أن تمنحها الفرصة كي تلتئم
بالوتيرة التي تشتهيها
وفي تمام هذا الطقس
حين يذوب الصخبُ عن كتفيك
تدرك أن الهدوء ليس حالة
بل نعمة
وراحةٌ تأتيك حين توقن
أنك رغم كل شيء
تستحق السلام
طقس الشعور-
يتسلل من شق صغير لا يتسع لحلم
أصغي لرجفته فتتقافز في الداخل نبضات تنوح
تسابق بعضها تتوارى خجًال من صوتها
أقول مرة ثم أخالفها
ثم أعود لفكرة أخرى لا تشبهها
نفس يخشى البوح وآخر يحتفي
أقفز إلى ظل يمر مستعجلًا
أتعلق باسم محفور على هامش فكرة
فتعترضه نبضة تغير مساره
مشهد يتنفس ولون يتقلب
وحس يرفع كتفيه كمن يعتذر عن زيادة النبض
وفي النهاية
يبقى السؤال الذي لا أستطيع إزاحته
هل يمكن للشعور أن يتصدر السرد دون أن يكشف نفسه؟
أم السرد هو من يقودني كلما كتبت
ثم يتركني في آخر السطر أحتفظ بسر أكثر من خفقة قلب ضالة
ديباجة
لكن ما خلف هذه الطقوس
أعمق من دفء فنجال
وأثقل من ذكرى تمرّ وتنكسر في الزوايا
في الشتاء لا أبحث عن الدفء بقدر ما أبحث عن نفسي
كأن البرد يجرّدني من كل ضجيجٍ لا يشبهني
ويكشف ملامح رجلٍ طالما خبّأ أسئلته خلف كتفه
كأنّه يخاف أن يراها أحد قبله
قهوتي ليست عادة
هي محاولة صادقة لاستدعاء ما فقدته
لترميم شعورٍ لم أعد أعرف من أين بدأ
ولا إلى أين ينتهي
وذاك الحنين
ليس حنينًا لمن رحلوا فقط
بل حنينٌ لرجلٍ كنتُه يومًا
ولم يعد يعود بالكامل حين أُناديه
أما الابتسامة العابرة
فهي اعتراف صغير
بأنّي مهما أثقلتني الأيام
ما زال في داخلي شيءٌ لا ينكسر
شيءٌ يبتسم كي لا يسقط..؟
طقس ليل الشتاء-
ينسدل البرد كوشاح خفيف
ويمر النسيم على نوافذ الروح
يتحسس نبضًا نائمًا
في هدوء الليل
هواء بارد يداعب الخد
ويوقظ الحنين
يرتجف البصر من لسعته
المدفأة كقلب أحمر ينبض في الزاوية
تلقي ضوءها على اللحظة المتعبة
وعند تجاور النسيم البارد مع وهج النار
يحدث ذاك الشعور الذي لا يوصف
يرتعش الجسد
لكن الروح تطمئن
تطفئ المدفأة فوضى الداخل
ويذكر البرد بأنك ما زلت قادرًا على الإحساس
ما ألذ طقس ليل الشتاء
مزيج من نسيم يوقظ الذاكرة
ونار تعيد ترتيب النبض
ولحظة ينسحب فيها العالم
ليبقى الدفء في داخلك وحده يحكي
ديباجة
طقس الرحيل-
تتشقق عنده الروح كأرض عطشى
ويتقدم الفقد بظله الطويل
ليغمر الممرات التي كنا نظنها آمنة
ينهض الصمت واقفًا على صدري
يضغط بيدين من ضباب
ويتركني أتنفس نصف حياة ونصف وجع
يتحول كل شيء إلى علامة استفهام معلقة في الهواء
الأبواب تبدو أبعد والمقاعد فارغة
الذاكرة تزداد كثافة كأنها الغيم
لا شيء يصرخ
ومع ذلك كل ما فيَّ يحدث صوتًا منكسرًا
لا يسمعه أحد سواي
وتبقى تلك الخطوة الأخيرة
الخطوة التي تشبه رجفة جفن قبل بكاء
أو ارتعاشة يد قبل وداع
ديباجة