طقس شرر الغيب-
أتت وهل يعصي الفؤاد إشارة النأي إذا بدا؟
جئت بلا وافد
كأني سراب يلوح في صحراء الروح العطشى
لقد عاودت الحنين
الذي كان خبوا في جنبات الصدر
فأوقدت فيه جذوة لم تندثر
بل كانت كمينة تحت رماد النسيان المتوهم
تلك الخطوات الهادئة في دهاليز الوجد
ليست سير زائر
بل هي تفتق جرح قديم ظنته الروح برأ
كم من أمنية دفنت تحت ثرى الصمت
فإذا بها تنبجس الآن مثل عين ماؤها مرير حلو
تأكل صبري المتجلمد
وتكشف أن بركان الشوق لم يخمد
بل كان يتلظى في جوفي
فأي بوح ذاك الذي نبع
من صوت الأمس الآتي بغير ميعاد
ديباجة
لستُ وحدي بعد رحيلك
فالذاكرة تمشي معي كظلٍ يعرف كثافة خطواتي
تتبعني كلما حاولت أن أبدو بخير
وتجلس معي على طاولة الصمت
وترفع صورك أمامي كأنها تريد أن تذكرني
بأن الفقد لا يغادرنا حين يغادر أصحابه
ما زالت ترافقني
كأنها اليد الخفية التي تمسّ قلبي في آخر الليل
وتعيد إليّ أسماء اللحظات
وتفتح لي بابًا كنت أحسب أني أغلقته
لكنها تقول لي بهدوء
إن الحنين لا يعيش في الماضي
بل يسكن الرجل الذي حاول أن ينسى ..؟
طقس إشراقة الغابر-
عادوا وبلا موعد كان رجوعهم
وهل يستأذن الشوق إذا اغتال سكون الروح
لقد كانت تلك المشاهد كنقش عتيق
كاد يندثر تحت وطأة النسيان المتعمد
تتفتح البواطن كزهرة
وهل أبلغ من انفتاح الكمين ليروي سره
فما كان ارتجاف القلب خوفًا
بل هو اغتباط لذاكرة صدأت
فعاودت خفقتها الأولى
كأنها تولد من جديد في حضن الوجد
مروا كريح هوجاء على نافذة المتأمل
لكن وسمهم لعمري أثقل من رسوخ الجبال
فما أجفل الريح
وما أعمق غور ما خلفت
ديباجة
كأنَّ الليل حين أتاك
لم يأتِ في الحقيقة بل عاد
عاد بملامحه القديمة
بذلك الوجع الذي يعرف طريق صدرك أكثر من معرفتك له
وبذلك الشوق الذي ما إن تُقسم أنك دفنته
حتى ينهض من بين الضلوع
كمن يعرف اسمه جيدًا
تظن أنّك قد عبرتَ الممرّ
وأنّ الذكرى لم تعد تمسك بيدك
ثمّ يفاجئك صوتٌ من الماضي
يقول لك إنّ القلب لا يصدأ
وإنّ بعض الانطفاءات ليست نهاية
بل هدنةٌ قصيرة
لا أكثر
أحيانًا لا نحتاج إلى ضيفٍ
ولا طارقٍ
ولا علامةٍ تُنبّهنا
يكفي أن تهبّ نسمةٌ خفيفة
على رمادٍ تصوّرناه ميتًا
لنعرف كم كنّا نخدع أنفسنا
وهكذا يعود البوح
لا يستأذن
ولا يتردد
بل ينهض في الحنجرة
كما تنهض الحقيقة في وجعٍ صدئ
ويقول لك
إنّ الأمس حين يشاء
يقدر أن يمشي إليك
ولو كنتَ تختبئ خلف ألف باب!
طقس الصدى الداجي-
لست وحدك
وهل يكون المحب وحيدًا
ما دام جنان القلب مأهولة بطيف من ألف
فتلك الذاكرة لعمري
ليست ظلًا يتبع الخطوات
بل هي قرينة الوجدان
بصيرة بتقلب الحال وخفقة السير
كلما ألقيت على وجهي مسوح التجلد
وأردت أن تبدو ببشاشة المتعافي
إلا وجدتها تجتذر في منابت الصمت
ترفع نحو عين قلبك صورًا لا يمحوها تقلب الزمان
تهمس بصوت رخيم
أن نفوس الراحلين قد غادرت
لكن وسم الفقد لا يريم
بل يبقى متأصلًا في سويداء النفس
ويا لها من يد غيبية
تمسح على حوبة الروح في جنح الليل
تعيد نظم جواهر الأسماء
وتشرع لك بابًا كنت تحسبه مزجرة بقفل الإرادة
إن الحنين لا يعيش في الماضي
بل يسكن الرجل الذي حاول أن ينسى
فهو ليس ذكرى
بل حالة في وجود المشتاق
ديباجة
طقس مرزاب البوح-
كأن دجى الليل لما أتاك
لم يكن سير وافد جديد
بل رجوع قضاء قديم
عاد بهيئته التي نقشت
على أفق روحك أثرها الأول
مصطحبًا معه شؤم الوجع
الذي يعرف سبل بؤبؤ الصدر
أكثر من بصيرة صاحبه
ويا لعجب الشوق تقسم بحلف الناسي
أنك أودعته تربة القلب
فإذا به ينتفض كمن ينادى
باسمه المحفور على جلد الضلوع
قائما بغير استئذان
تظن أنك خرجت من مضيق الذكرى
وأن حبالها قد تقطعت عن جذب يدك
فتباغتك همسة من قبر الماضي
تنبئك أن جوهر القلب لا يصيبه الصدى
وأن ما حسبته فناء لشعلتك
لم يكن إلا هدنة عجلى فأبصر
وهكذا يعود جريان البوح لا يتعثر
يندفع كسيل في حنجرة المتألم
ويخبرك أن الأمس إذا أراد الإياب
كان له السلطان على الاعتبار بك
ولو كنت في حصن
الألف من الأبواب الموصودة
ديباجة