لستَ وحدك
فالوحدة لا تُصيب قلبًا ؟
ما دام يحمل في جوفه ظلالَ من أحبّ
ولا يُقال للمحبّ إنّه منفرد
وهو لا يزال يسمع وقع أسمائهم في طرقات صدره
كأنهم يمشون فيه دون أن يخطئوا الطريق
الذاكرة التي تتحدث عنها
ليست زائرًا عابرًا
إنها شريكة عهدٍ قديم
تقرأ مزاج الروح كما تُقرأ الكفّ
وتعرف ساعة انكسارك قبل أن يلمحها أحد
وكلما لبستَ قناع الصلابة
ذلك الذي تتقنه أمام الناس
كانت هي أول من يراه يتداعى من الداخل
فتأخذ بيدك إلى ذلك الركن العميق
حيث الصور لا تشيخ
وحيث الراحلون لا يغادرون تمامًا
صوتها الرخيم ليس وهْمًا!!
إنه أثر الفقد حين يستحيل ندبةً من نور
تؤلمك وتواسيك في آنٍ واحد
كأن يدًا خفيّة تربّت على الروح
وتعيد ترتيب فوضى الأسماء في قلبك
لتذكّرك أن شيئًا مما عشته
لم يذهب سُدًى
فالحنين كما وصفتَ
لا يقيم في الأمس
بل في الرجل الذي أدار وجهه عن الذكرى
ظانًّا أن النسيانَ خلاص
فإذا به يكتشف
أن الحنين ليس حدثًا مضى
بل وجودٌ كاملٌ يسكنه
ويمشي معه
ويعيد تعريفه كلما ظنّ أنه تعافى
وما أعجب أن يكون الشوق
أصدق جزءٍ فينا الجزء الذي لا يكذب ولا يكفّ عن القول!!
طقس وثوق العهد-
لست وحدك
كيف يقال للقلب الذي يحمل في ثناياه
وزر الحب إنه خال
إن هذا لمن تجني اللسان على مخبوء الفؤاد
فتلك الأطياف لعمْر العمر
ليست سوى سكان أزليين
لا يتعثرون في طرقات الصدر
بل هم قادة المسيرة
يعرفون متى يجب أن يوقظوا نبض الشوق
الذاكرة قاضية ليست زائرة متحولة
بل هي زوادة الوفاء
تتولى تجلية خفايا النفس
كما يجلي العراف بواطن الكف
ويا له من قناع تلبسه أمام الأنام
قناع الصلابة الذي تنحته يد التجلد
فتراه يتهاوى من الداخل في عين الذاكرة
تقودك إلى قبو الوجدان
حيث صور الراحلين لا ترفل في ثوب الشيخوخة
وصوتها الرخيم حقيقة كجريان ماء الفرات
إنه ترتيب لفوضى الألم
ومواساة تأتي من معدن الفقد نفسه
وهل أصدق من إقرارك بأن الشوق هو
الجزء العاريالذي لا يعرف لبس الكذب
وتأتي المشكلة في زعم الخلاص
ديباجة
طقس لذة الموعد-
ليس الترقب سوى غاية
يساق إليها المرء سوق المقدر
الموعد ليس بشرى قد تتحقق
هو أجل محتوم
نرجوه بشهوة التهلك وخوف الوصول
فقد خالط الحنين شعور متضارب
حب الروع الذي يجعل القلب متيقظًا
متوترًا كقوس مشدودعلى اهتزازه
بين رجاء الوصل وخشية الزوال
يقابلها حب التوجس
ذلك الشعور العتيق الذي يبقي نبوة الفقد
موجودة في لب الفؤاد
فترجو الموعد لا لأنه نهاية الانتظار
بل لأنه إعلان بقاء الروح فيها
ولو كان في صورة الوجع الجميل
فكانت النهاية ابتداء جديد لعذاب مستلذ
ديباجة
لست مخطئًا حين تقول إن المشكلة في زعمِ الخلاص
فكلُّ من ادّعى النجاة من أثرٍ استوطن روحه
كان كمن يجرّب الهرب من ظله
إننا لا نُشفى من الذين أحببناهم
بل نتعلّم كيف نحملهم بطريقةٍ لا تُظهر العرج في خطأنا؟؟
تظنُّ أن الشوق حالةٌ عابرة
ثم تكتشف أنه الحارس الوحيد
الذي لم يغادر بوابة القلب يومًا
يبدّل ملامحه؟ لكنه لا يسلّم مفاتيحه لأحد
ولو أنك أنصتَّ لمجاهيل نفسك
لوجدت أنّ الذاكرة ليست مجرّد قاضية
بل هي السيّد الذي يأمر
والقلبُ برغم ادّعاء الصلابة يطيع
إن ما تسمّيه خلاصًا
ليس إلا هدنةً قصيرة
بينك وبين ذلك الجزء العاري فيك
الذي لا يجامل
ولا يعرف التجمّل
ولا يصدق ادّعاء السلام
فالفقد يا صديقي
لا يُقفل دفّته
بل يعيد ترتيب أرواحنا
كما يعيد الحدادُ صقلَ الحديد المتعب
ولعلّ أقسى ما في الأمر
أننا نحاول إقناع العالم بأننا تجاوزنا
بينما الحقيقةُ الوحيدة أنّنا لم ننجُ قط!
بل تعلّمنا كيف نُخفي نزفنا دون أن نهرب
على شفرة الشوق من غير أن نصرخ ..!
طقس اللقاء-
ليس الموعد إلا أجل يرجى
عُلق بشهوة الروع وحب التوجس
كأنه خيط مشدود بين قلبين
يرتجف كلما مرت عليه نسمة شوق
ويشد كلما اقترب الحنين خطوة
هو انتظار يتنفس ببطء
يختبئ خلف نظرة عابرة
ويفصح عن نفسه في ارتعاشة يد
في نبضة تتقدم قبل أن يحين اللقاء
كأن الموعد رجفة تحس
ووعد يلمع في الصدر
كلما خذلته المسافة
وكلما ظن القلب أنه نجا
عاد فتورط في الانتظار من جديد
ديباجة
طقس العجز-
جملي تتلعثم
ليس عجزًا
بل لأن الشعور يسبق
ويجري أمام الحروف كظل لا يمسك
وكأن قلبي يريد أن يقول
أكثر مما تسعه اللغة
يريد أن يفيض
أن يكشف
أن يعترف
لكن الكلمات تضيق وتختنق
ويظل المعنى واقفًا عند شفتي
يلوح لك بكل ما في داخله
دون أن ينطق
ديباجة
طقس الترقب-
تجلس بكامل الغياب وتنتظر
كأن الانتظار طقس تمارسه الروح
حين تعجز عن الإمساك باللحظة
وكأن الطيف الذي تخلفه على الكرسي
أصدق حضورًا منك
تجلس وأنت نصف حلم ونصف وجع
تراهن على صدفة تعيدك
على نبرة تشبهك
على باب يفتح بلا موعد
وتنتظر
ليس لأنك تؤمن بالعودة
بل لأن القلب أحيانًا يرفض أن يصدق
أن النهاية قد حدثت بالفعل
ديباجة
طقس الرجوع-
أفتح باب الغياب بحذر
وأخطو خطوة نحو ما تبقى من أثر
أتحسس الصمت كما لو كان أنت
وأتنفس الذكريات كما لو كانت أنفاسك
يعود قلبي ليتحقق من نفسه
قبل أن يلتقي بما كان
يقرأ الحروف التي تركتها الأيام
ويجد بين المسافات فرصة
لإعادة ترتيب فوضاه
كل شيء يتباطأ
الزمن؛ الخطوات
حتى الشعور داخلي
لتصبح لحظة اللقاء شبه مقدسة
تحمل كل شغف الانتظار
ووجع الفقد في آن
ديباجة