من درر العلامة ابن القيم عن العقوبة والعذاب(1) فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما
من درر العلامة ابن القيم عن العقوبة والعذاب(1)
فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فالعقوبة والعذاب من الموضوعات التي تكلَّم عنها العلَّامة ابن القيم رحمه الله في عدد من كتبه، وقد جمعتُ بفضلٍ من الله وكرمه بعضًا مما ذكره، أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع.
العقوبة بقسوة القلب:
ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله.
عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم:
كان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم؛ فعَذَّب عادًا بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء، وعذَّب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يُعَذِّب بها أُمَّةً غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء، وطمس الأبصار، وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها، والخسف بهم إلى أسفل سافلين.
وعَذَّب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم، وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان. وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة، فماتوا في الحال.
أشدُّ العقوبات:
وأشد العقوبات العقوبة بسلب الإيمان، ودونها العقوبة بموت القلب، ومحو لذة الذكر، والقراءة، والدعاء، والمناجاة منه، وربما دبَّتْ عقوبة القلب فيه دبيب الظلمة إلى أن يمتلئ القلب بها، فتعمى البصيرة، وأهون العقوبة ما كان واقعًا بالبدن في الدنيا، وأهون منها ما وقع بالمال.
لا ينفع ولا ينجي من العذاب يوم القيامة إلا الصدق:
وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقُه، قال الله تعالى: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119]، وقال جل وعلا: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الزمر: 33 - 35]، فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله، فالصِّدْق في هذه الثلاثة.
لا ينجي من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم:
ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليمٍ.
العذاب في البرزخ على حسب الأعمال:
ينعم المؤمن في البرزخ على حسب أعماله، ويُعَذَّب الفاجر فيه على حسب أعماله، ويختص كل عضو بعذاب يليق بجناية ذلك العضو؛ فتُقرض شفاهُ المغتابين الذين يمزقون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار، وتُسجر بطون أكلة أموال اليتامى بالنار، ويُلقم أكلة الربا بالحجارة، ويسبحون في أنهار الدم كما سبحوا في الكسب الخبيث، وتُرضُّ رؤوس النائمين عن الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم، ويُشقُّ شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، كما شقت كذبته النواحي، وتُعلق النساء الزواني بثديهن، وتحبس الزناة والزواني في التنور المحمى عليه، فيعذب محل المعصية منهم وهو الأسافل، وتُسلط الهموم والغموم والأحزان والآلام النفسانية على النفوس البطالة، التي كانت مشغولة باللهو واللعب والبطالة، فتصنع الآلام في نفوسهم كما يصنع الهوام والديدان في لحومهم، حتى يأذن الله سبحانه بانقضاء أجل العالم وطيِّ الدنيا.