إن من أعظم النعم الربانية التي منَّ بها ربنا الكريم علينا: بعثةُ النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد بعثه عز وجل على فترة من الرسل؛ أي: بعد مدة انقطع فيها
إن من أعظم النعم الربانية التي منَّ بها ربنا الكريم علينا: بعثةُ النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد بعثه عز وجل على فترة من الرسل؛ أي: بعد مدة انقطع فيها الوحي من السماء، وكانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومدتها خمسمائة وستون سنة لم يُبعث فيها رسول، فكان الناس يتخبطون في شعاب الضلالة ويتيهون في دروب العماية.
قال الله تعالى مذكرًا بهذه النعمة، ومقيمًا الحجة على المنكرين الجاحدين: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 19].
وقد وصف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه هذا الوضع القاتم الذي بعث فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بقوله بين يدي ملك الحبشة:
"أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذللك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فداعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - فعدَّد عليه أمور الإسلام - فصدَّقناه وآمنا به، واتَّبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده فلم نُشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حُرِّم علينا، وأحللنا ما أُحِلَّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذَّبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله تعالى، وأن نستحلَّ ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهَرونا وظلمونا، وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا - خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَن سواك، ورغبنا في جوارك، ورَجونا ألا نظلم عندك أيها الملك"[1].
يُعرف قدْرُ النعمة بحال فقْدها:
تِلكم هي الحال التي كان عليها الناس قبل بَعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، "ولأجل هذا كانت المنةُ ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم عظيمة، والنعمة بذلك جسيمة، ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا مَن أدرك الفرق بين الهدى والضلال، وبين الجاهلية والإسلام، وبين رضا الله وسخطه، فمن عرَف هذا الفرق وأيقَن به، عَلِمَ عظمة هذه النعمة التي لا تُعادلها نعمة على ظهر الأرض، وأحبَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بكل قلبه، ولأجل هذا كان الصحابة أشدَّ الناس حبًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم عاشوا الجاهلية وعايَنوها عن قُرب، فلما جاء الإسلام، وأدركوا الفرق بين الظلمات والنور، ازداد تمسُّكهم بالإسلام واشتدَّ حبُّهم - على مرِّ الأيام - لهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم".
وحتى في زماننا هذا، فإن أكثر الناس قد ضلُّوا وتاهوا، فمنهم الملحدون الذين ينكرون وجود الله تعالى، ومنهم المشركون الذين يعبدون من دون الله ما لا يَملِك لهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًّا، وانحلَّت أخلاق كثير منهم، وتَخَلَّوا عن القيم الإيمانية السامية، واستباحوا الموبقات من خمر وقمارٍ وزنا وشذوذ جنسي، وانهمكوا في الشهوات والملذات.