عرفجة بن هرثمة بن عبد العزى بن زهير بن ثعلبة البارقي (30 ق.هـ - 34 هـ / 592م - 654م) هو صحابي، وأمير، وقائد عسكري، ووالي، وسياسي، ورجل دولة عربي مسلم. برز ما بين عام 11 هـ-632م وعام 34 هـ-654م بخوضه الكثير من المعارك والغزوات والحملات العسكرية على كُلٍّ مِن الإمبراطوريَّة الفارسيَّة الساسانيَّة في إيران والعراق والإمبراطورية البيزنطية في تكريت والموصل، وكانت جلَّ حروبه وأغلبها على الدولة الساسانيَّة.كان عرفجة بن هرثمة من دهاة العرب، ذوي الرأي والمكيدة في الحرب، والنجدة. ومن أجلاء الصحابة الأبطال، ولقد كان أمير لواء من الألوية الإحدى عشرة التي عقدها الخليفة الأول أبو بكر الصديق لقتال المرتدّين في مناطق شبه الجزيرة العربية، وهو أول قائد عربي في الإسلام ركب السفن غازيًا بلد فارس وجرَّأَ العرب من بعده على ركوب البحار.وهو أحد الأمراء القادة في معارك البويب، والبصرة، والأبلة، والسواد، والقادسية. وكان في وفد الحكماء القادة الذي فاوض رستم فرخزاد، وبعد فتح المدائن قاد عرفجة جيش الفرسان في فتح تكريت والموصل، وولي خراج الموصل ونينوى بعد فتحها صلحًا. وما لبث أن أعاده عمر بن الخطاب مع عتبة بن غزوان إلى جنوب العراق وأمرهما بتمصير البصرة وتوطين المقاتلة العرب، ثم بعثه عتبة بن غزوان ضمن قادة البصرة لفك الحصار الساسانيَّ عن قوات العلاء الحضرمي في فارس، كما أُرسل بأمر عمر إلى محاربة الهرمزان، فزحف مع جيش البصرة إلى الأهواز، فشهد وقائعها. وتقدم إلى تستر، وهزم الهرمزان.ولاه عمر بن الخطاب أميرًا على ولاية الموصل سنة 22 هـ، وبقي عرفجة والياً على الموصل في خلافة عثمان حتى وفاته سنة 34 هـ. ويُذكر أنه كان محبًا للعمران، عُمِّرت الموصل في أيامه، وجعلها خططا لقبائل العرب، وابتنى بها جامع فكثرت الدور فيها، ثم أَتى شرق دجلة وبَنَى مدينة الحديثة، فحصنها وعسكر ثغورها، وقام بتوطين آلاف الجند، فاستقر أمنها. ويُشار إلى أنه كان محبوباً من أبناء الموصل، حكمها عدلاً، ونظم إدارتها، وقام بأعمال كثيرة تعد بالنسبة إلى زمانها من المشروعات الجبارة، ويعدّه المؤرخون مؤسس العصر العربي الإسلامي في الموصل.
حياته وسيرته
المقالات الرئيسة: بجيلة وبارق
نسبه
حصن تاريخي يعود لفترة قبل الإسلام في محافظة بارق - حيث نشأ آباء عرفجة بن هرثمة.
عرفجة بن هرثمة بن عبد العزى بن زهير بن ثعلبة البارقي،
يمتد نسبه إلى بارق بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر بن حارثة بن امريء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. وقال عرفجة عن نسبه: «أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الأَزْدِ ثُمَّ مِنْ بَارِقَ، فِي كَثفٍ لا يُحْصَى عَدَدُهُ وَحَسَبٍ غَيْرِ مُؤْتَشِبٍ ».نشأته
بلاد بجيلة حيث نشأ عرفجة.
وقعت بين أفخاذ بارق حرب وثارات، فقُرّرْ على قوم عرفجة أن يخرجوا منها، فلحقوا قبيلة بجيلة، وشارك قومه في يوم شعب جبلة مع بجيلة حلفاء بني عامر بن صعصعة - أعظم أيام العرب - وكان لهم مقاماتٌ محمودةٌ وبلاءٌ حسن،
وفي ذلك يقول عرفجة: «كُنَّا أَصَبْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَمًا فِي قَوْمنَا فَلَحِقْنَا بَجِيلَةَ». وكان رهط عرفجة من بارق حالف بجيلة، وجميع بطون بجيلة كانت في قبائل بني عامر بن صعصعة عدا قسر، قال ابن إسحاق: «قَيْسَ كُبَّةَ وَسَحْمَةَ وَعُرَيْنَةَ، وَكَانُوا فِي قَبَائِلِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ»، وقال صاحب العقد الفريد: «وَكَانَ رَهَطُ الْمُعَقِّرِ الْبَارِقِيِّ يَوْمَئِذٍ فِي بَنِي نمير بِنْ عَامِرِ، وَكَانَتْ قَبَائِلُ بَجِيلَةَ كُلُّهَا فِيهِمْ غَيْرَ قَسْرٍ».نشأ عرفجة بن هرثمة في بيت مترف، وكان خطيباً مفوهاً فصيحاً، قوي الحجة، قوي البنية ماهراً بالقتال بالسيف وبضروب الفروسية، حاضر البديهة، عمل بالتجارة وأكسبه ذلك سعة الأفق ومعرفة الناس، إضافة إلى إطلاعه على أوضاع البلاد التي تاجر معها وأحوالها، وكان في الجاهلية حاكمًا كثير المال لا يُرد، قويًا يتبعه الرجال، وفي ذلك روى جودت باشا عن الواقدي قوله: «عرفجة بن هرثمة: شيخ النخيلة، الذي كان قابضًا على زمام القوة من المال والرجال وحاكم مسكت». وقد أهّلته تلك الصفات في أن يكون سيد بجيلة، وفي ذلك قال ابن إسحاق: «وَكَانَ عَرْفَجَةُ يَوْمَئِذٍ سَيَّدَ بَجِيلَةَ». وعن سيادته وقومه على بجيلة قال عرفجة لعمر بن الخطاب: «كُنَّا أَصَبْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَمًا فِي قَوْمنَا فَلَحِقْنَا بَجِيلَةَ، فَبَلَغْنَا فِيهِمْ مِنَ السُّؤْدُدِ مَا بَلَغَكَ»، وكان عرفجة بن هرثمة من سليل فرسان فهو رهط معقر البارقي أحد أشهر فرسان العرب الشعراء في الجاهلية. ترأس عرفجة بجيلة وهو شاب حتى ظهور الإسلام ثم حتى أوائل خلافة عمر بن الخطاب 13 هـ، وفي ذلك عرفجة يقول: «فَكُنْتُ فِي هَؤُلاءِ - بَجِيلَةَ - أَسُودُهُمْ وَأَقُودُهُمْ».إسلامه
لا أَعفيكم بمن أقدمكم هِجْرة وإِسلامًا، وأعظمكم بلاءً وَإِحسانًا.
—عمر بن الخطاب لبجيلة
لم تذكر كتب التراجم أي خبر عن وفادة عرفجة إلى رسول الله وفترة مكوثه بالمدينة المنورة وصحبته لرسول الله، ولكن في ذكر عمر بن الخطاب أن عرفجة له هجرة، وأنه كان أقدم بجيلة هجرة وإسلاماً، فعندما أمر عمر بن الخطاب عرفجة بن هرثمة على بجيلة في أوائل فتوح العراق سنة 13 هـ، «قَالُوا: أَعْفِنَا مِنْ عَرْفَجَةَ. فَقَالَ عُمَرَ: لا أَعْفِيكُمْ مِنْ أَقْدَمِكُمْ هِجْرَةً وَإِسْلامًا، وَأَعْظَمِكُمْ بَلاءً وَإِحْسَانًا».وغني عن البيان أنه لا يقال لأي من الصحابة (له هجرة)؛ إلا إذا كان قد وفد وصحب رسول الله قبل فتح مكة، لقول النبي:«لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ». وقد قال عمر بن الخطاب لبجيلة إن عرفجة: «أَقْدَمِكُمْ هِجْرَةً وَإِسْلامًا»، فذلك يدل على وفادة عرفجة إلى رسول الله في السنة السابعة الهجرية أو قبلها - أي قبل فتح مكة في السنة الثامنة - ولقد ساهم عرفجة في نشر الإسلام بين عشائر بجيلة التي كان يرأسها، وكذلك قبيلته الأزد لأن علاقته بها لم تنقطع. قال محمد بن أحمد باشميل: «كَانَ الخَلِيفَةُ يُجِلُّ وَيَحْتَرِمُ عَرْفَجَةُ لِسَابِقَتِهِ فِي الإِسْلَامِ وَلِبَلَائِه فِي حُرُوْبُ الرِّدَّةِ».حروب الردة
المقالات الرئيسة: حروب الردة ومعركة دبا
ممثل سوري في دور عرفجة بن هرثمة في الجزء الأول من مسلسل خالد بن الوليد.
خريطة تُظهرُ الحملات التي أرسلها أبو بكر إلى قتال أهل الرِّدَّة وما تلاها من حملات خارج شبه الجزيرة العربيَّة.
برز اسم عرفجة بن هرثمة البارقي لأول مرة في حروب الردة الحاسمة،
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة عرفجة: «ذكر وثيمة في الردة أن أبا بكر الصديق أَمدّ به جيفر بن الجلندي - ملك عمان - لما ارتدَّ أهلها. وروى سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد: أنّ أبا بكر الصديق أَمَّره في حرب أهل الردة»، وهذا يدل على أنه قديم الإسلام وبذل جهوداً مشرفه في جهاده في العهد النبوي، ونشره للدعوة رشحته ليكون أحد أمراء حروب الردة التي عقدها أبو بكر الصديق بعد وفاة النبي.والخبر أنه لما تولى أبو بكر الصديق الخلافة، واضطرب الأمر في شبه الجزيرة العربية، انطلق عرفجة بن هرثمة البارقي من بلاد قومه في جمع من فرسان بارق وبجيلة إلى أبي بكر الصديق بالمدينة المنورة. ثم كان عرفجة من الأمراء القادة الذين عقد لهم أبو بكر ألوية الإمارة والقيادة على مناطق الجزيرة العربية أيام الردة، ففي المنتصف الثاني من سنة 11 هـ اختار وبعث أبو بكر إحدى عشر من الصحابة، وعقد لهم ألوية الإمارة والقيادة، ووجهم لقتال المرتدين، قال ابن الأثير في قول الطبري: «قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الْبُعُوثَ وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةِ، فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً: عَقَدَ لِوَاءً لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ.. وَعَقَدَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيِّ وَأَمَرَهُ بِأَهْلِ دَبَا، وَعَقَدَ لِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ وَأَمَرَهُ بِمَهْرَةَ؛ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي عَمَلِهِ.. فَفَصَلَتِ الْأُمَرَاءُ مِنْ ذِي الْقَصَّةِ، وَلَحِقَ بِكُلِّ أَمِيرٍ جُنْدُهُ، وَعَهِدَ إِلَى كُلِّ أَمِيرٍ، وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ الْمُرْتَدِّينَ نُسْخَةً وَاحِدَةً، يَأْمُرُهُمْ بِمُرَاجَعَةِ الْإِسْلَامِ وَيُحَذِّرُهُمْ، وَسَيَّرَ الْكُتُبَ إِلَيْهِمْ مَعَ رُسُلِهِ.»بعد وفاة النبي ﷺ ظهر في عُمان رجل يقال له: ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، فادعى النبوة، قال الواقدي: «قدم وفد الأزد من دبا مقرّين بالإسلام على رسول الله ﷺ، فبعث عليهم مصدقا منهم يقال له حذيفة بن محصن البارقي ثم الأزدي من أهل دبا، فكان يأخذ صدقات أغنيائهم ويردها إلى فقرائهم، وبعث إلى النبي ﷺ، بفرائض لم يجد لها موضعا، فلما مات رسول الله ﷺ، ارتدّوا». وقال البلاذري:«لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت الأزد وعليها لقيط بن مالك ذو التاج، وانحازت إلى دبا - وبعضهم يقول دما في دبا - فوجه أبو بكر رضي الله عنه إليهم حذيفة بن محصن البارقي من الأزد.» فتبع لقيط معظم الأزد من عُمان، وقهر جيفراً وعبيداً ومن عارضه، وألجأهم إلى الجبال، فبعث جيفر إلى الخليفة الصديق فأخبره الخبر، وطلب مدداً، فبعث أبي بكر أعظم قواده عرفجة بن هرثمة، وفي ذلك قال وثيمة في الردة:«أن أبا بكر الصديق أَمدّ جيفر بن الجلندي - ملك عمان - بعرفجة بن هرثمة لما ارتدَّ أهلها». وبعث أبي بكر مع عرفجة حذيفة بن محصن البارقي عامل النبي على دبا، فعقد الخليفة الصديق لواءين لعرفجة وحذيفة - وهما من الأزد - في محاولة من أبي بكر لإخماد متمردي الأزد برجال منهم دون قتال. وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبتدئا بعُمان، فحذيفة هو الأمير في عُمان، فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير. وكان أبو بكر قد أرسل إلى عكرمة بن أبي جهل يأمره أن يلحق بالبارقيين حذيفة وعرفجة. لحق عكرمة بعرفجة وحذيفة في مكان يُسمى «رجام» قبل أن يصلا إلى عُمان، فراسلوا جيفراً والقبائل التي ثبتت على الولاء للخليفة والإسلام.اجتمع جيفر وعبيد بمكان يقال له صُحار فعسكرا به، وبعثا إلى أُمراء الصديق، فقدموا جميعًا صحار. وبلغ لقيط بن مالك مجيء الجيش، فعسكر في جموعه بدبا، قال ابن خلدون:«بلغ لقيطا مجئ الجيوش فعسكر بمدينة دبا. وعسكر جيفر وعبيد بصحار. واستقدموا عكرمة وحذيفة وعرفجة. وكاتبوا رؤساء الدين، فقدموا بجيوشهم». تحرك عرفجة وعكرمة وحذيفة ومن معهم من صحار إلى أن وصلوا دبا، فقاتلوا المتمردين في منطقة دبا قتالا عنيفاً، ودارت الدائرة على المسلمين، حتى أوشك لقيط الانتصار، عندئذ وصل مدد بني ناجية وعبد القيس عليهم الخريت بن راشد وابن صوحان، فانتصروا على جيش لقيط، وفي ذلك قال ابن حجر: «كان بعمان لقيط بن مالك الأزديّ، فادّعى النّبوة، فقاتل عكرمة وعرفجة وجيفر وعبيد فاستعلاهم، فأتى المسلمين مدد من بني ناجية وعبد القيس عليهم الحارث بن راشد وصيحان بن صوحان العبديّ، فقوي المسلمون، وانهزم لقيط، وقتل». كما خاضوا معركة عنيفة أخرى في منطقة مهرة انتصروا فيها على المرتدين أيضاً، وأعادوا تلك المناطق إلى لواء الدولة.وبعد أن استتب الأمر في عمان ومهرة، مكث حذيفة بن محصن في مدينة دبا بعمان، قال ابن الأثير في قول الطبري: «بعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة، وأقام حذيفة بعمان يسكن الناس»، وسار عرفجة البارقي بالأسرى المتمردين على أبي بكر الصديق، فأمر أبو بكر بقتل المقاتلة وسبي الذراري؛ وفي ذلك روى ابن أَعْثَم:«فهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتل المقاتلة وقسمة النساء والذرية، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله ﷺ! إن القوم على دين الإسلام وذلك أني أراهم يحلفون بالله مجتهدين: ما كنا رجعنا عن دين الإسلام، ولكن شحوا على أموالهم، وقد كان منهم ما كان فلا تعجل عليهم واحبسهم عندك إلى أن ترى فيهم رأيك، قال: فأمر بهم أبو بكر فحبسوا». وقد اعترض عرفجة على حكم أبي بكر، وفداء الأسرى العُمانيون بنفسه ودمه وكان يقول خذوني بهم، ونظر عرفجة إلى المهلب بن أبي صفرة فقال:«خذوني به إن لم يسد سرواتكم، ويبلغ حتى لا يكون له مثل». فعدل الخليفة أبي بكر عن قراره السابق، ووافق رأي عمر وعرفجة، فأطلق سراحهم، وعفا عنهم، وفي ذلك قال الواقدي: «لما قدم سبي أهل دبا، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ الحلم، فأنزلهم أبو بكر في دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل المقاتلة، فقال له عمر: يا خليفة رسول اللَّه، قوم مؤمنون، إنما شحوا على أموالهم، فقال أبو بكر: انطلقوا إلى أي البلاد شئتم، فأنتم قوم أحرار»