الأبُ
المِثَالِيُّ
رجُلٌ انْجِليزِيٌّ اسْمُهُ "توماس" يَعْمَلُ مِيكانِيكِيًّا
ويجِدُ قُوتَ يَومِهِ بِصُعُوبَةٍ، رَزَقَهُ اللهُ بِبِنْتٍ،
وعندَمَا وصَلَتْ للخَامِسَةِ أُصِيبَتْ بِمَرَضٍ أدَّى إلَى ضُمُورِ عَضلاتِهَا،
فتَوَقَّفَ نُمُوُّهَا عندَ هذا السنِّ،
وكُلَّما دَخَلَ عليْهَا والدُهَا يجِدُهَا تَبْكِي،
فَيُغْلِقُ عليهَا البَابَ ويَذهَبُ لِحُجْرَتِهِ مَهْمُومًا،
ويَضْرِبُ السرِيرَ بِقَدَمِهِ في غَيْظٍ، قَائِلًا:
لِماذَا يا رَبُّ؟ كُلُّ الناسِ تُنْجِبُ بَنَاتًا
وأنَا الوَحِيدُ الذِي ابْتَلَيْتَنِي بالفَقَرْ وبمَرَضِ ابْنَتِي؟!*
وفي أحَدِ الأيامِ ذَهبَ لِعَمَلِهِ واشْتَكَى حالُهُ لصَدِيقٍ لَهُ،
فقالَ لهُ صدِيقُهُ: لَقَد تأثَّرْتُ بأَحَدِ أصدقَائِي المُسلمِينَ
وكَانَ دَوْمًا يَحْتَضِنُ أبْنَاءَهُ ويُقبِّلُهُمْ،
وعنْدَما كُنْتُ أنْظُرُ إليْهِ بِدَهْشَةٍ، كانَ يقُولُ لي:
إنَّ مَا أفْعَلُهُ كَانَ يَفْعَلُهُ نَبِيُّنَا الكريمُ معَ أبنَائِهِ،
فكَانَ إذَا دخَلتْ عليْهِ ابْنَتُهُ فاطمَةُ رحَّبَ بها وقبَّلَ يدَيْهَا
وأجْلسَها في مجْلِسِهِ، كمَا أنَّ هذا النبيَّ العظيمَ كانَ يرتَكِزُ
على أربَعَةِ أطْرافٍ ويقَلِّدُ الحِصانَ
لِيُجلِسَ على ظهْرِهِ أحْفَادَهُ الحَسنَ والحُسينَ ويُدَلِّلُهُمَا،
لذلكَ أقُولُ لكَ: البناتُ يا صديقِي مِنْ أسْرارِ جَمالِ اللهِ،
فَاسْتَمْتِعْ بِقُرْبِها، ولَسَوْفَ يُرِيَكَ اللهُ جمالَ وجُودِهَا ذَاتَ يوْمٍ.*
عادَ تُوماس لِبَيْتِهِ ودَخلَ على ابْنَتِهِ المُقعَدَةِ،
فَنظَرَتْ إليْهِ وبَكَتْ كعَادَتِهَا،
وفي هذِهِ المَرَّةِ حَمَلَهَا على ظَهْرِهِ فَسَكَتَتْ،
ثم جَرَى بِهَا دَاخِلَ الشقَّةِ فَارِدًا ذِرَاعَيْهِ
كأنَّهُمَا جَنَاحَيْنِ، فَضحِكَتِ ابْنَتُهُ حتى شَهَقَتْ مِنْ كَثْرَةٍ الضحِكِ!*
في هذا اليوْمِ شَعَرَ الأبُ بالسعادَةِ لأوَّلِ مَرَّةٍ في حيَاتِهِ،
ومِنْ شِدَّةِ سَعادَتِهِ حمَلَ ابْنَتَهُ وجرَى بها في الشارِعِ كالمَجْنُونِ،
فَضَحِكَتِ ابْنَتُهُ وظلَّتْ تَضْحَكُ طَويلًا،
وأثْنَاءَ ما كَانَ الأبُ يجْرِي بكُلِّ سُرعَتِهِ مِنْ فَرْحَتِهِ بابْنَتِهِ،
رآهُ جَارُهُ وقالَ لَهُ: أرَاكَ سَريعًا جِدًّا في الجَرْيِ،
لماذَا لا تتقَدَّمُ في مُسابَقَةِ الجَرْيِ التي تُجْرِيها مَلِكةُ بِريطانيا سَنوِيًّا؟!
وبالفِعْلِ، تقدمَ تُوماس للمُسابقَةِ، ومعَ بِدايَتِهَا
ذَهبَ للمُسابقَةِ حَامِلًا ابْنَتَهُ على كَتِفِه، ووَصَلَ للمَرْكَزِ الثالِثِ،
ولكِنَّهُ خَطَفَ الأنْظارَ نَحْوَهُ بِسبَبِ ابْنَتِهِ،
وانْصَرَفَتْ أبْصَارُ الناسِ عنْ صَاحِبِ المَركَزِ الأولِ،
وتحدَّثَتِ الصحُفُ عنْ تُوماس وابْنَتِهِ.*
وفي العامِ التالِي تقدَّمَ تُوماس لِنَفْسِ المُسابقَةِ،
وحمَلَ ابْنَتَهُ أيْضًا وجَرَى بها،
وأخذَ* يُسابِقُ ويُقاوِمُ حتى حَازَ على المَركَزِ الأوَّلِ،
وفَازَ بِتِسْعَةِ مَلايينَ دُولارٍ عنِ المُسابقَةِ، و أيضًا
جائِزَةِ الأبِ المِثالِيِّ، ليُصْبِحَ مِنْ أغْنَى أغْنِيَاءِ بِريطانيا.*
وقدْ أصْبَحَ بعدَ ذَلكَ صَاحِبَ شركِةٍ،
ووَضَعَ على بِرْوازٍ فَوْقَ مَكتبِهِ مَقولَةَ صَاحبِهِ:
"البنَاتُ يا صدِيقِي مِنْ أسْرَارِ جَمالِ اللهِ فَاستَمْتِعْ بِقُرْبِهَا،
ولَسوْفَ يُرِيَكَ اللهُ جمالَ وُجودِهَا ذَاتَ يومٍ".