إدمان متابعة المشاهير هو حالة نفسية سلوكية تتصف بالانشغال المفرط، والوسواس بحياة المشاهير، وتفاصيلها الشخصية والمهنية، وقد يتجاوز هذا السلوك الإعجابَ الطبيعي أو الاهتمام العادي، ليتحول إلى هاجس يؤثر سلبًا
إدمان متابعة المشاهير هو حالة نفسية سلوكية تتصف بالانشغال المفرط، والوسواس بحياة المشاهير، وتفاصيلها الشخصية والمهنية، وقد يتجاوز هذا السلوك الإعجابَ الطبيعي أو الاهتمام العادي، ليتحول إلى هاجس يؤثر سلبًا على حياة الفرد اليومية، وعلاقاته وصحته النفسية، وهذا الهوس يصنِّف على ثلاث مراحل في شدته؛ الأولى: متابعة المشاهير من أجل التسلية، وهذا يعتبر طبيعيًّا ولا يرتبط بمشاكل نفسية، وهو أدنى درجات الهوس، الثانية: عندما يشعر الفرد بمشاعر قوية تجاه المشهور، ويعتبره شريك روحه، وغالبًا ما يكون الفرد يعاني من العصبية والتوتر وتقلب المزاج، الثالثة: وهي المَرضية عندما يصبح سلوك الفرد عدوانيًّا في بعض الأحيان، قد يتضمن مطاردة المشهور أو إيذاءه، أو إيذاء من يتعرض له.
والإسلام بيَّن حُكم متابعة الآخرين حسب الحالات التالية:
• المتابعة الجائزة والمستحبة، إذا كانت ذات نفع؛ مثل: متابعة العلماء والدعاة، والأطباء والخبراء، للاستفادة من علمهم وخبراتهم، وللحصول على نصائحهم، وللتأثر بأخلاقهم.
• المتابعة التي يلحقها كراهة أو تكون مَضيعةً للوقت، والتي لا تجلب نفعًا حقيقيًّا؛ مثل: متابعة أخبار المشاهير الشخصية، وتفاصيل حياتهم اليومية التي لا تُقدِّم أي فائدة.
• المتابعة المحرَّمة، إذا كانت ذات ضرر نفسي أو أخلاقي أو ديني، سواء كان ذلك مقصودًا من قِبل المشهور أو ناتجًا عن المتابعة ذاتها؛ مثل: متابعة من يدعون إلى الفسق والفجور، سواء كان ذلك من خلال نشر صور أو مقاطع خادشة للحياء، أو الترويج للمحرمات كشرب الخمر، أو العلاقات غير الشرعية، ومثل متابعة من ينشرون أفكارًا تخالف الدين؛ كالإلحاد أو الشك في العقيدة، أو السخرية من الشعائر الدينية.
وتتعدد آثار متابعة المشاهير على الشباب والفتيات، لتشمل جوانب إيجابية وسلبية على حد سواء؛ من الآثار السلبية: القلق والاكتئاب، بسبب المقارنات المستمرة بين حياة المتابع وحياة المشاهير المثالية، والمزيفة في كثير من الأحيان، إلى الشعور بالنقص وتدني احترام الذات، ومنها عدم الرضا بالمظهر الخارجي، وخاصة من الفتيات، عندما يرَون صورًا غير واقعية لأجساد مثالية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها العزلة عن الأسرة والأصدقاء بسبب المتابعة الدقيقة للمشاهير، ومنها التقليد الأعمى للمشهور سواء كان إيجابيًّا أو سلبيًّا، وقد يصل الأمر إلى تقليد حركات خطيرة أو عادات غير شرعية أو غير صحية، ومنها إهمال الواجبات الأساسية، الدينية والأسرية والمدرسية، أما الآثار الإيجابية: فيمكن للمشاهير أن يكونوا مصدرَ إلهام للشباب والفتيات، خاصةً في مجالات العلوم أو التكنولوجيا أو الرياضة، مما يحفزهم على تطوير مهاراتهم، وتحقيق أهدافهم، ومنها أن متابعة المشهور تتيح التعرف على ثقافات مختلفة، وعادات وتقاليد جديدة، توسع آفاقهم ومداركهم.
تقول أم ليلى: ابنتي تبلغ من العمر 16 عامًا، فتاة حيوية ومقبلة على الحياة، لكن كل شيء تغير بعد أن أصبحت مهووسة بمتابعة عارضة أزياء شهيرة على الإنستغرام، كانت العارضة تنشر صورًا لجسمها النحيف المثالي، وتتحدث عن نظامها الغذائي القاسي، بدأت ليلى تقارن جسدَها بجسد العارضة، حتى شعرت أنها "بدينة وغير جذابة"، تركت ليلى تناولَ وجباتِ عائلتها، وأصبحت تقضي ساعاتٍ طويلة في ممارسة الرياضة، وتقليل الوجبات اليومية، حتى بدأت تفقد وزنها بشكل ملحوظ، عندما حاولتُ التحدث معها، كانت ليلى تدافع عن نفسها قائلة: أريد فقط أن أكون صحية مثلها، وصلت الأمور إلى نقطة خطيرة عندما أغميَ على ليلى في المدرسة بسبب نقص التغذية، ليتم تشخيصها لاحقًا باضطراب في الأكل.
ويقول أبو أحمد: ابني ذو الـ17 عامًا، من أشد المعجبين بمشهور يُعرف بأسلوبه المتهور، وحياته المترفة المليئة بالسيارات الفارهة، والحفلات الصاخبة، كان المشهور ينشر باستمرار مقاطع فيديو له وهو يدخن بشراهة أثناء ممارسة سباقات السيارات غير القانونية، تأثر أحمد بهذا السلوك بشكل كبير، حتى بدأ يقلده في طريقة كلامه ولباسه، وكان يلح عليَّ بشراء سيارة رياضية باهظة الثمن؛ ليظهر بمظهر ناجح مثل نجمه المفضل، لم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدأ أحمد يتورط في سباقات سيارات خطيرة مع أصدقائه، معتقدًا أن هذا السلوك يثبت رجولته وشجاعته، كما يصورها المشهور.
أيها الآباء، إن الإدمان على متابعة المشاهير له عدة أسباب؛ منها: فقدان الثقة بالنفس؛ حيث يلجأ بعض الأشخاص إلى متابعة المشاهير لتعويض شعورهم بالنقص، أو لتقليد حياتهم التي تبدو مثالية، ومنها الشعور بالوحدة والعزلة، والهروب من واقعه، والتفاعل مع شخصيات يعتبرها قدوة له، ومنها السعي للكمال والرغبة في أن يكون مثاليًّا مثل المشاهير، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في الأكل أو السلوك.
ولعلاج هذا الإدمان لا بد من اتباع عدة خطوات عملية لمساعدة الشباب والفتيات على استعادة توازنهم، والتركيز على حياتهم الواقعية؛ ومن هذه الخطوات:
• أن يدرك الشاب أن حياةَ المشاهير التي تُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي، غالبًا ما تكون منسقة ومثالية بشكل مبالغ فيه.
• فَهم السبب الحقيقي وراء هوس الشباب بالمشاهير، هل الشعور بالوحدة، أو عدم الثقة بالنفس، أو الرغبة في الهروب من الواقع؟ إن تحديد السبب هو الخطوة الأولى نحو الحل.
• تحديد أوقات محددة للمتابعة، فبدلًا من المنع الكامل، يمكن وضع خطة تسمح للشاب بتخصيص وقت محدد في اليوم لمتابعة حسابات المشاهير، على أن يلتزم بعدم تجاوز هذا الوقت.
• يُطلَب من الشاب إلغاء متابعة الحسابات التي تُثير لديه مشاعر سلبية؛ كالحسد أو عدم الرضا عن النفس، أو الحسابات التي تهدم الفكر والعقيدة.
• تشجيع الشاب على استبدال وقت المتابعة بأنشطة مفيدة وممتعة في العالم الواقعي؛ مثل ممارسة هواية جديدة، أو قضاء وقت مع الأصدقاء والعائلة، أو ممارسة الرياضة.
• على الأهل أن يكونوا قدوة حسنة لأبنائهم، فلا ينشغلوا هم أيضًا بمتابعة المشاهير.
• يجب على الأهل أن يعملوا على تعزيز ثقة أبنائهم بأنفسهم، من خلال مدح إنجازاتهم وتقدير مواهبهم، بغض النظر عن شكلهم أو مظهرهم الخارجي.
• تشجيع الشباب والفتيات على التحدث عن مشاعرهم وتجاربهم، والاستماع لهم دون إصدار أحكام.
• إذا كان إدمان المتابعة يؤثر بشكل خطير على الصحة النفسية للشاب، أو على أدائه الدراسي والاجتماعي، فقد يكون من الضروري طلب المساعدة من معالج نفسي متخصص.
• تحديد الهدف من المتابعة، واستبدال مشاهير السوء إلى مشاهيرَ لهم الأثر الإيجابي على المجتمع والوطن.
إن الهدف النهائي من هذه الخطوات ليس منعَ الشباب والفتيات من متابعة المشاهير تمامًا، بل مساعدتهم على التحكم في هذه المتابعة، وجعلها مجرد وسيلة ترفيه عادية، لا تسيطر على حياتهم.