من صور الخروج عن الاستقامة(1) ناصر عبدالغفور يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، فوظيفة الإنسان في هذه الدار تحقيق العبودية للعليِّ الغفار، وهذا التحقيق
يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ]، فوظيفة الإنسان في هذه الدار تحقيق العبودية للعليِّ الغفار، وهذا التحقيق هو عين الاستقامة.
فالاستقامة - باختصار - الثبات على صراط الله القويم، والامتثال لشرعه الحكيم.
إنها كلمة جامعة لما يجب أن يكون عليه العبد في الحركات والسكنات، في الخلوات والجلوات، في الخواطر والأفكار، في الليل والنهار.
يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله في مدارجه: "فالاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد.
والاستقامة تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله"[1].
وتحقيق الاستقامة ليس بالأمر الهيِّن، بل يحتاج إلى مجاهدة واجتهاد، والتشمير عن سواعد الجِد، والحذر من كل سُبل الخروج أو الحيدة عنها، وأخذ تعاسيف الطريق.
وللأسف، هناك صور كثيرة يحصل بها الخروج كليًّا أو جزئيًّا عن الاستقامة.
وهذا ما سأذكره في هذا المقال المبارك، سائلًا الله أن ينفع به قارئه وكاتبه وناشره.
1- طرق الشيطان لإضلال الإنسان:
وقد جمع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هذه السبل في ستٍّ، وفصَّل القول في ذلك في غير ما كتاب[2]، وقد رأيت أن أنقل كلامه من بدائع الفوائد بشيء من الاختصار.
يقول رحمه الله تعالى: "ولا يمكن حصر أجناس شره[3] فضلًا عن آحادها؛ إذ كل شرٍّ في العالم فهو السبب فيه، ويمكن أن ينحصر شره في ستة أجناس، لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدًا منها أو أكثر:
المرتبة الأولى من الشر[4]: شر الكفر والشرك، ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم، برد أنينه واستراح من تعبه معه، فإذا يئس منه من ذلك، وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه، نقله إلى:
المرتبة الثانية من الشر: وهي البدعة وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعدٍّ، وهي ذنب لا يُتاب منه، وهي مخالفة لدعوة الرسل، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى:
المرتبة الثالثة من الشر: وهي الكبائر على اختلاف أنواعها، فهو أشد حرصًا على أن يُوقِعه فيها، فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة، نقله إلى:
المرتبة الرابعة: وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، ولا يزال يسهِّل عليه أمر الصغائر، حتى يستهين بها، فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالًا منه، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى:
المرتبة الخامسة: وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتُها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، وكان حافظًا لوقته، شحيحًا به، يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها، وما يقابلها من النعيم والعذاب، نقله إلى:
المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه؛ ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل،"[5]؛ ا.هــ.
- مرتبة الوسوسة[6]: وقد ظهرت لي – ولله الحمد والمنة - مرتبة أخرى وهي مرتبة الوسوسة، فإن من مداخل الشيطان التي تزيغ العبد عن الاستقامة على صراط الرحمن، الوساوسَ، خصوصًا في باب العبادات، وقد يصل به الأمر عياذًا بالله إلى الوسوسة في باب الاعتقادات، فإذا ظفِر به فيها، أسقطه في وادي الإلحاد والكفريات، كما هو الحال بالنسبة لكثير من الشباب الذين استسلموا لوساوسه ونزغاته، فيما يتعلق بوجود الله تعالى واليوم الآخر، فألحدوا وأنكروا وجود الخالق والميعاد، نسأل الله السلامة والعافية.
لكن ليس كل من وسوس له الشيطان في باب الاعتقاد يظفر به، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أفضل الناس بعد الأنبياء، عرض لهم ذلك، فما ازدادوا إلا إيمانًا؛ فعن أبي هريرة: ((قالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا شيئًا ما نحب أن نتكلم به، وإن لنا ما طلعت عليه الشمس، قال: أو قد وجدتم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان))[7].
وفي رواية: عن ابن عباس قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أحدنا لَيجد في نفسه الشيء، لأن يكون حُمَمَةً أحب إليه من أن يتكلم به، فقال صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة))[8].
وقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما نحارب به مثل هذه الوساوس؛ من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟! فإذا وجد ذلك أحدكم، فليقل: آمنت بالله ورسوله))؛ [رواه الطبراني، وهو في الصحيحة تحت رقم 116].
ومن ذلك: ((لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله ولينتهِ))[9].