من صور الخروج عن الاستقامة(2) ناصر عبدالغفور الوساوس في باب العبادات، فحدِّث ولا حرج، فما أكثر فرائس الشيطان والموسوسين في أبواب العبادات، خصوصًا في باب الطهارة والصلوات، وقد فصل
الوساوس في باب العبادات، فحدِّث ولا حرج، فما أكثر فرائس الشيطان والموسوسين في أبواب العبادات، خصوصًا في باب الطهارة والصلوات، وقد فصل القول في خطورتها العلماء، خصوصًا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم[10] رحمهما الله تعالى.
ورحم الله حجة الإسلام الإمام الغزالي إذ يقول: "الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب"[11].
2- من صور الخروج عن الاستقامة: الرياء:
وكيف لا وصاحب الرياء لا يرى الله وحده في عمله ولكن يرى معه غيره، فنقض بذلك الإخلاص الذي لا يُقبل عملٌ إلا به؛ كما قال الله تعالى فيما رواه عنه نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمِل عملًا، وأشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه))[12].
وقال تعالى في خاتمة سورة الكهف: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]، فذكر شرطَيِ القبول والفوز بالمرغوب والنجاة من المرهوب: الإخلاص والمتابعة، والنصوص في ذلك كثيرة.
يقول شيخ الإسلام ابن القيم في المدارج: "وكذلك الرياء في الأعمال يُخرجه عن الاستقامة، والفتور والتواني يخرجه عنها أيضًا"[13].
3- ومن صور الخروج عن الاستقامة: الغلو والجفاء، أو الإفراط والتفريط:
- فأهل الغلو والإفراط خرجوا عن الاستقامة والاعتدال بما شددوا به على أنفسهم؛ كحال الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم))، لكن ما نتيجة هذا الغلو؟ الجواب في تتمة كلامه صلى الله عليه وسلم: ((يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر الرامي في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق هل علق به من الدم شيء))؛ [متفق عليه].
ومن أروع الأمثلة في هذا الباب ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنهما: ((جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا، فأنا أصلى الليل أبدًا، وقال آخر: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))؛ [متفق عليه].
- وكما أن الإفراط خروج عن الاستقامة، فكذلك التفريط من تكاسل عن الطاعات، وتهاون في الواجبات، وفتور عن فعل الأوامر والقربات؛ كما قال الإمام ابن القيم عليه أفضل الرحمات: "والفتور والتواني يخرجه عنها[14] أيضًا".
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الاستقامة، وأن يعصمنا من كل سُبُلِ الخروج عنها، وأن يثبتنا على صراطه إلى أن نلقاه، وأن يحشرنا في زمرة أهلها المبشرين برضوانه، ودخول دار كرامته؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت: 30 - 32].