من أركان العقيدة .. الإيمان باليوم الآخر(1) علي محمد مقبول الأهدل تعريف الإيمان باليوم الآخر: اليوم الآخر هو يوم القيامة؛ والمراد به: من وقت الحشر إلى ما لا نهاية،
من أركان العقيدة .. الإيمان باليوم الآخر(1)
علي محمد مقبول الأهدل
تعريف الإيمان باليوم الآخر:
اليوم الآخر هو يوم القيامة؛ والمراد به: من وقت الحشر إلى ما لا نهاية، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وسمي اليوم الآخر؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة؛ أو لأنه متأخر عن الدنيا؛ ولأنه لا ليل بعده؛ ولأنه آخر أيام الدنيا.
والإيمان باليوم الآخر: هو التصديق الجازم بأن الله أعد وقتاً ينهي فيه الحياة الدنياً[1].
وقيل في تعريفه بصورة إجمالية:
هو الإيمان بكل ما أخبر به الله - سبحانه وتعالى - في كتابه، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان، والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار، وما أعد الله تعالى لأهلهما جميعاً[2].
إذن: الإيمان باليوم الآخر هو إيمان بالغيب؛ لأن أحداً لم يشهده بنفسه، وإنما أخبرنا الله تعالى عن طريق رسله الكرام، فسبيله هو النقل الصحيح مما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة.
ولكن الله الذي أخبرنا عن اليوم الآخر، وأوجب علينا الإيمان به، وجعله ركناً من أركان الإيمان، قد أودع الفطرة البشرية القدرة على الإيمان بالغيب، وميز الإنسان بهذا الأمر من بين ما ميزه به وكرمه وفضله.
إن الحيوان يعيش في حدود ما تدركه الحواس فحسب، وعالمه محصور في ذلك النطاق، ولكن الله كرم الإنسان فلم يحصره في حدود ما تدركه حواسه فحسب، وإنما فسح آفاقه ووسعها، ومنحه تلك الخاصية، وهي القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس، فأصبحت نفسه أرحب وأعمق من الحيوان، وأصبحت آفاقه أوسع وأعلى.
ولكن الجاهليات دائماً تشوه صورة الإنسان، وترده أسفل السافلين بعد أن يكون قد خلقه في أحسن تقويم.
والجاهلية المعاصرة تريد أن ترد الإنسان حيواناً وتحصره في نطاق ما تدركه حواسه فحسب! تريد أن تنزع عنه تلك الكرامة التي كرمه الله بها، وتلغي من عالمه عالم الغيب كله، بحجة الواقعية والروح العلمية!! ومن ثم تنتكس بالإنسان روحياً ونفسياً وخلقياً، وتفقده إنسانيته في النهاية..[3].
وجوب الإيمان باليوم الآخر وأدلته:
الإيمان باليوم الآخر دل عليه القرآن والسنة النبوية، والقرآن كله من فاتحته إلى خاتمته مملوء بذكر أحوال اليوم الآخر، وتفاصيل ما فيه، وتقرير ذلك بالأخبار الصادقة والأمثال المضروبة للاعتبار والإرشاد، وكما ذكر القرآن الأدلة عليه، رد على منكريه، وبين كذبهم وافتراءتهم.
والفطرة السليمة تدل عليه وتهدي إليه، ولا صحة لما يزعمه الضالون من أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، فإن العقول لا تمنع وقوعه، والأنبياء لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وإن جاءوا بما يحير العقول، ولذلك قال علماؤنا: الشرائع تأتي بمحارات العقول، لا بمحالات العقول[4].
الأدلة الدالة على البعث والنشور واليوم الآخر فهي كثيرة جداً، نذكر منها ما يلي:
أولاً: الإقسام على وقوع البعث:
قال الله تعالى آمراً نبيه أن يقسم بربه على أن البعث حق لا ريب، وأنه لا بد من وقوعه، ومحاسبة أولئك المكذبين الجاحدين له، وأن ذلك لا يعجز الله تعالى؛ بل هو عليه يسير: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن: 7]، ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [سبأ: 3]، ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ [يونس: 53].
ففي الآيات السابقة يأمر الله نبيه - وهو الصادق المصدوق - أن يقسم على وقوع البحث والجزاء، وأنه واقع لا محالة، ومعلوم أنه ولو لم يقسم صلى الله عليه وسلم على وقوع البعث، لتلقى المؤمنون خبره بالتصديق التام، وعدم وجود أدنى شك في ذلك، ولكان ذلك الإخبار كافياً لصحة ثبوته[5].
ثانياً: التنبيه بالنشأة الأولى على النشأة الثانية:
قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 49-52].. ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ [يس: 77 - 80]، ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104].. ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 66، 67].
ففي هذه الآيات المباركة يوضح سبحانه لعباده أنه يعيد المخلوقات بعد أن يموتوا ويبلوا في الأرض، فكما أنه أنشأهم أول مرة وأوجدهم من العدم، لا يعجزه أن ينشئهم مرة أخرى، ومعلوم أن النشأة الأخرى تكون أهون من النشأة الأولى.
والله وإن كان يسهل عليه النشأة الأولى والنشأة الثانية على حد سواء لكن - والقرآن يخاطب البشر - يبين لهم تنزلاً مع عقولهم دليلاً لا يستطيعون جحده، ويعرفون صدقه في أنفسهم، وهو أن من قدر على النشأة الأولى فهو على النشأة الثانية أقدر من باب أولى، فإذا كان في عرف البشر أن النشأة الثانية لأي شيء كان أسهل عليهم من النشأة الأولى؛ أفلا يليق بالله تعالى وهو القادر على كل شيء أن تكون النشأة الثانية أهون عليه، وهذه حجة قوية ظاهرة لا يستطيع دفعها إلا من كابر عقله وأجحف في حق ربه[6]. لكن لماذا ينكرون هذا مع وضوح الحجة وقوتها؟
السبب الغفلة عن النشأة الأولى تستهول هذا الأمر: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ [مريم: 66].
إنه اعتراض منشؤه غفلة الإنسان عن نشأته الأولى.
فأين كان؟ وكيف كان؟ إنه لم يكن ثم كان، والبعث أقرب إلى التصور من النشأة الأولى لو أنه تذكر ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم][7].