في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . يُرشد الله تعالى المؤمنين إلى الوسيلة التي متى تمسَّكوا بها عصَموا أنفسهم من مكر الماكرين، فقال
يُرشد الله تعالى المؤمنين إلى الوسيلة التي متى تمسَّكوا بها عصَموا أنفسهم من مكر الماكرين، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: ومن يلتجئ إلى الله في كل أحواله ويتوكل عليه حقَّ التوكل، ويتمسَّك بدينه، فقد هُدي إلى الطريق الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
قال ابن جرير ما ملخَّصه:
وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئًا فهو عاصمُه، والممتنع به معتصم به، ولذلك قيل للحبل: عصام، وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته عصام، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "والاعتصام افتعالٌ من العصمة، وهو التمسك بما يعصمك، ويمنعك من المحذور والمخوف".
وعن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تركتُ فيكم أَمْرَيْنِ لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بهما:كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)؛ أخرجه مالك في الموطأ.
وفي الحديث الآخر عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم، ولكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم، فاحْذَروا إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّه)؛ أخرجه الحاكم والبيهقي.
وفي هذا الحَديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ"؛ أي: أصابَه اليأْسُ بعدَ انتشارِ الإسلامِ، "بأرْضِكم"، وهي جَزيرةُ العرَبِ، "ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك"؛ أي: رضِيَ بأنْ يَتَّبِعَه الناسُ فيما هو أقلُّ مِن الشِّركِ باللهِ، وهو مما تُحاقِرون مِن أعْمالِكم مِن صَغائِرِ الذُّنوبِ والمعاصي، وهي اللَّمَمُ، "فاحْذَروا"، والمعنى: احْذَروا مِن طاعةِ الشيطانِ والوُقوعِ في الصغائرِ؛ لأنَّها لا تَزالُ بالعبدِ حتى تُهْلِكَه وهو لا يَدْري.
فالسنَّة هي السفينة التي مَن تعلَّق بها نجا، ومَن يرغب في السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة، فعليه بالتمسك بالسنَّة واتباعها؛ قال مالك بن أنس رحمه الله: "السنَّةُ سفينةُ نوحٍ، مَن ركبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق".
والاعتصام نوعين:
1- الاعتصام بالله، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 101]، وهو يعصم من الهلكة.
2- والاعتصام بالدين - بحبل الله- ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 103]، وهو يعصم من الضلالة.
فاعلم أخي أنَّ مدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.