قال مكي (ت437) في الهداية (11/ 7142) عند قوله تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 4]: "فهذا هو القرآن بلا اختلاف"، وقال ابن عطية (ت542) في الوجيز (8/ 107): "يراد به القرآن بإجماع". ولم يصرح ابن جرير في تفسيره (22/ 498) بحكاية اتفاق، لكنه لم يذكر عند تفسيرها إلا القرآن. وقد صرح برد الاستدلال بها لغير القرآن: ابن بطة (ت 387) والباقلاني (ت 403) وأبو المظفر السمعاني (ت 489) والطيبي (ت 743)، وغيرهم[2].
وصنيع ابن جرير لا يقتضي نفي دخول السنة فيها، وأما حكاية مكي وابن عطية عدم الخلاف والإجماع فغريبة، مخالفة للواقع[3]، وممن استدل بها لحجية السنة في كتب التفسير: ذكره الواحدي في البسيط (8/ 500) عن عبدالعزيز بن يحيى (ت240)[4]، والكرجي (ت360) في النكت، والجصاص (ت370) وابن برجان (ت536) وأبو عبدالله القرطبي (ت671) والطوفي (ت716) في الإشارات الإلهية وأبو حيان (ت745) وابن كثير (ت774) في مواضع من تفسيره وفي البداية والنهاية والتحفة وابن ناصرالدين الدمشقي (ت842) في مجالس تفسير ﴿ لقد من الله... ﴾ والآلوسي والسعدي وغيرهم.
وأما الاستدلال بهذه الآية على حجية السنة في غير كتب التفسير فكثير جدًّا، كمحمد بن نصر المروزي (ت 294) في كتاب السنة والأشعري (ت 324) في الإبانة وابن حبان (ت 354) والكلاباذي (ت 380) وابن بطة (ت 387) والخطابي (ت 388) في الأعلام وابن القصار (ت 397) في مقدمته والباقلاني (ت 403) في الانتصار والإنصاف وابن بطال (ت 449) والماوردي (ت 450) وابن يونس (ت 451) في الجامع والخطيب (ت 463) في الفقيه والمتفقه وابن عبد البر (ت 463) في التمهيد والجامع والسرخسي (ت 483) في أصوله والمبسوط والباجي (ت 474) في الإشارة والروياني (ت 502) والغزالي (ت 505) في المستصفي وابن طاهر (ت 507) وابن رشد الجد (ت 520) والعمراني (ت 558) في الانتصار والجيلي (ت 561) في فتوح الغيب والآمدي والصغاني وأبي العباس القرطبي والنووي والقرافي والطوفي والشاطبي وابن الملقن والموزعي وابن الوزير وابن حجر وغيرهم. وممن يكثر الاستدلال بها ويحرص على تقرير دلالتها على ذلك: ابن حزم (ت 456) في الفصل والإحكام والمحلى وحجة الوداع والتلخيص والنبذ[5]. وكذلك يحتج بها ابن تيمية وابن القيم في مواضع متعددة. كآخر صفحة من شرح الأصفهانية لابن تيمية، وابن القيم في كتابه التبيان عقد فصلا لتقرير ذلك (ص366)، وكذا عقد البيهقي في سننه الكبير فصلا بلفظ الآية، أورد فيه أحاديث نبوية. وقد أشار الطحاوي (ت 321) في كتابه "مشكل أحاديث الرسول"، (4/ 5) إلى أن هذه الآية كافية في رد توهم الجاهل في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهناك حديث رواه ابن مردويه (ت 410) في تفسيره وأبو نعيم (ت 430) في فضائل الخلفاء[6] فيه استدلال النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على حجية فعله صلى الله عليه وسلم. لكنه حديث لا يثبت، والله أعلم[7].
وأنت ترى كثرة من خالف حكاية الإجماع التي ذكرها مكي وابن عطية، والتعقب على ابن عطية أظهر؛ لتأخر وفاته عن مكي. ومن سميتهم ممن ردوا الاستدلال بها لحجية السنة: قد استدلوا بها لذلك في موضع آخر؛ فابن بطة رد الاستدلال بها للسنة وحصر المراد منها بالقرآن (انظر: العدة، 5/ 1586)، لكنه استدل بها في الإبانة، (1/ 215، 218)، (8/ 58)، والباقلاني في كتابه التقريب (انظر: البحر المحيط، 8/ 248) رد الاستدلال بها للسنة وحصر المراد منها بالقرآن، لكنه استدل بها في كتب أخرى؛ كالانتصار (2/ 759) والإنصاف (ص 19 – 20)، ورد أبو المظفر السمعاني (ت 489) الاستدلال بهذه الآية للسنة في كتابه القواطع (4/ 83)، وأنها إنما نزلت في القرآن، ويقابله استدلاله بها لذلك في تفسيره (2/ 102)، كذلك الطيبي (ت 743) في فتوح الغيب (3/ 34) رد إدخال أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، وضعف الاستدلال بها لغير القرآن. لكنه استدل بها لذلك في كتابه الآخر: الكاشف، (5/ 1574).
[1]ولا يخفى أن المخالفة في دلالة نص لا تعني الاختلاف في الحكم نفسه؛ فقد تدل على الحكم أدلة أخرى. والأصل أن السنة حجة عند جميعهم دون شك؛ لأدلة متعددة. وكذلك الاعتراض على الاستدلال بهذا النص لا يستلزم نفي كون السنة وحيا.
[2]وسيأتي التنبيه على اختلاف تطبيقهم. وتجد عدة من الأصوليين (كالشمس الأصفهاني والعضد والرهوني) يقررون في كتبهم الأصولية الاستدلال بها للقرآن فحسب، يذكرون ذلك في مقام مناقشات إحدى المسائل الأصولية. وبعضهم يذكر ذلك في جواب منسوب إلى مجهول (نحو: وأجيب:...). وألفاظ مناقشتهم متقاربة؛ وكأن بعضهم أخذ من بعض، في مقام تكثير الأجوبة، والله أعلم.
[3]علق ابن مخلوف الثعالبي (875) في تفسيره 5/ 322 على نص ابن عطية بقوله: "وليس هذا الإجماع بصحيح".
[4]وهو الكناني، المتوفى سنة 240، كما صرح الواحدي في أحد المواضع في البسيط باسمه كاملا، وأحيانا ينعته بالكناني فحسب. ولم أجد كلامه هذا في كتاب الحيدة.
[5]ونبه هو نفسه في كتابه الفصل (4/ 19) على أنه أكثر من الاستدلال بها لذلك.
[6]ابن مردويه، التفسير المسند، رواية أبي الحسين الذكواني، الخزانة الأندلسية، عام 1443، (1/ 100)، ورواه من طريق آخر: أبو نعيم في فضائل الخلفاء، 59.
[7]وانظر في مناقشة الاحتجاج بهذه الآية لحجية السنة: عبدالله الشهري، إمكان التاريخ وواقعية السنة، (ص 89 – 94).