الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
عباد الله: اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهديِ هديُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات والنار؛ أما بعد أيها المؤمنون:
فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صححه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لمسند الإمام أحمد، والألباني في السلسلة الصحيحة، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع ألَّا يقوم حتى يغرسَها فليفعل))، ومعنى الحديث: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، والفسيلة: هي النخلة الصغيرة، فإن استطاع أن يغرسها قبل أن يقوم من موضعه فليفعل، ولا يتأخر عن ذلك.
أيها المؤمنون: هذا الحديث النبوي الشريف يدل على أن المسلم مطلوب منه أن يغتنم ساعاتِ عمره إلى آخر لحظة من حياته، وأن المطلوب منه أن يبادر إلى عمل الأعمال الصالحة، حتى ولو كان قيام الساعة قريبًا منه، واغتنام المؤمن لعمره في طاعة ربه إلى آخر لحظة من حياته، فيه امتثال لقول الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة لا يتندمون على شيء من دنياهم، ندمَهم على ساعاتٍ من أعمارهم مرَّت عليهم في الدنيا ولم يغتنموها بذكر الله تعالى؛ روى الطبراني في المعجم الكبير بسندٍ حسَّنه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة، من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يندم أهل الجنة على شيء ندمَهم على ساعةٍ لم يذكروا اسم الله فيها))، وللأسف الشديد إننا في عصرٍ نجد فيه كثيرًا من المسلمين لا يغتنمون أعمارهم في طاعة ربهم، وأكثرهم يقضون أوقاتهم فيما لا يعود عليهم بالنفع في دنياهم ولا في أُخراهم؛ لهذا أحببنا في هذه الخطبة أن نجيب عن بعض الأسئلة المتعلقة بالوقت؛ ومنها: ما أهمية الوقت؟ وما أبرز خصائصه؟ وكيف اعتنى به القرآن والسنة؟ وما واجبنا نحو أوقاتنا وأعمارنا؟
أيها المؤمنون: الوقت من أعظم نِعم الله على عباده؛ لأن المؤمن إذا استثمر وقته في طاعة ربه وعبادته، فإنه بذلك يتأهل لدخول الجنة؛ قال ابن القيم رحمه الله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، وهو يمر مرَّ السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيشَ البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأمانيِّ الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم، والبطالة، فموت هذا خير له من حياته".
أيها المؤمنون: ولأهمية الوقت، فقد أقسم الله تعالى به في بداية بعض السور القرآنية، والله تعالى لا يقسم إلا بما هو عظيم؛ ليلفت أنظار الناس لأهمية الوقت؛ حتى يغتنموه في طاعات ربهم، والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الله يقسم بأشرف الأوقات وأفضلها في اليوم والليلة؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾ [الليل: 1، 2]، وقال تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]، ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ [الضحى: 1، 2]، وقال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 1، 2]؛ قال الإمام ابن كثير: "العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2]؛ أي: إن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا، لَفِي نقص وضلال عن الحق حتى يموت، ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [العصر: 3] فإنهم في ربح لا في خسر؛ لأنهم عملوا للآخرة ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها".
أيها المؤمنون: جعل الله تعالى الليل والنهار يتعاقبان ويخلف أحدهما الآخر؛ حتى يغتنمهما من يتذكر بآيات ربه، ومن أراد أن يشكر الله تعالى؛ قال الله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62]، وأمرنا الله تعالى أن نعمُر أهمَّ الأوقات في الليل والنهار بطاعته وعبادته؛ قال تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]؛ قال ابن الجوزي في تفسيره: "الدلوك هو الزوال، وهو ميل الشمس عن كبد السماء إلى جهة الغروب، وقال الزجاج وأبو عبيدة: والمراد بقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ [الإسراء: 78]؛ يعني: صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ [الإسراء: 78]: صلاة الصبح، وسُميت صلاة الفجر قرآنًا؛ لأن فيه قراءة القرآن، ومشهودًا؛ أي: تشهده الملائكة".
أيها المؤمنون: من لا يغتنم عمره ووقته في طاعة ربه، فإن ندمه سوف يطول، حينما تأتيه سكرات الموت، فيتمنى العودة إلى الدنيا لعمل الأعمال الصالحة، لكن أمنيته لن تتحقق، لأن وقته المحدد قد انتهى، وساعة رحيله قد دَنَتْ؛ قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100]، والمفرطون في أوقاتهم وأعمارهم ستطول حسرتهم وندامتهم، عندما يكونون من أهل القبور، عندما يتخلى عنهم أهلوهم وأموالهم، ولا يبقى معهم إلا أعمالهم؛ كما أخبر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله، ويبقى عمله)).
أيها المؤمنون: وتزداد حسرةُ المفرطين في أوقاتهم أكثر في حياتهم البرزخية، عندما يرَون بأعينهم ما أعدَّه الله تعالى لمن عصاه من عذاب أليم في قبورهم، وما أعده من نعيم لمن أطاعه؛ لأن القبر إما ((روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران))؛ [كما صح في الحديث عند الترمذي]؛ وقال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: 1 - 8].
أيها المؤمنون: ولأهمية الوقت فقد اعتنى به الصالحون من هذه الأمة؛ ولهم في ذلك أقوال متعددة:
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لأكره أن أرى أحدكم سَبَهْلَلًا – فارغًا - لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة"، وقال ابنه عبدالله كما عند البخاري في صحيحه: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسُه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي"، وكان الحسن البصري رحمه الله يقول عن حال السلف: "أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشدَّ حرصًا منكم على دراهمكم ودنانيركم"، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "يا بن آدم، يا من أيام عمره في حياته معدودة، وجسمه بعد مماته مع دودة، ومع ذلك لجهل الإنسان يفرح بمرور الأيام، وانقضاء الأعوام"، وقال ابن القيم: "ضياع الوقت أشد من الموت؛ لأن الموت يحجبك عن الناس، وضياع الوقت يحجبك عن الله والدار الآخرة".
أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يُعيننا على اغتنام ما بقيَ من أعمارنا في طاعته، قلت ما قد سمعتم، فاستغفروا الله، يا فوز المستغفرين!