الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد أيها المؤمنون:
فمن أهم خصائص الوقت أنه سريع الانقضاء، وتزداد هذه السرعة عند اقتراب قيام الساعة؛ لهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة الصغرى سرعة انقضاء الوقت؛ روى الإمام أحمد في مسنده، بسند صححه الألباني، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، وتكون الساعة كقدر احتراق السعفة))؛ لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكِّر أصحابه، ويحثهم على اغتنام أوقات أعمارهم الفاضلة فيما يُقربهم إلى الله تعالى، قبل أن تحِلَّ بهم موانع العمل وقواقعه، فيندموا على أوقاتهم في وقتٍ لا ينفع فيه الندم؛ صحَّ عند الحاكم في مستدركه، ووافقه الألباني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يعظه: ((اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))، والجامع بين هذه الوصايا النبوية هو ضرورة اغتنام الإنسان لوقته وعمره، قبل أن تهجم عليه موانع العمل وقواطعه.
أيها المؤمنون: ومن رحمة الله بعباده أنَّ من اغتنم منهم وقته وعمره في طاعة ربه، ثم حال بينه وبين عمل تلك الطاعات عذرٌ من مرض أو سفر؛ فإن الله تعالى يكتب له أجره كاملًا الذي كان يعمله في وقت صحته وإقامته؛ روى الإمام البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا))؛ قال الحافظ ابن حجر: "وهو في حقِّ من كان يعمل طاعةً فمُنع منها، وكانت نيته لولا المانع أن يدوم عليها".
أيها المؤمنون: وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من لا يغتنم وقت صحته ووقت فراغه في طاعة الله، فإنه قد غبن نفسه وظلمها؛ روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ))؛ قال الإمام النووي: "معنى الحديث: أن الإنسان يغبن نفسه في هاتين النعمتين، فلا يستفيد منهما، ولا يشكر الله عليهما"، فإذا أنعم الله على عبدٍ بوقتٍ صحَّ فيه بدنه، ووجد فراغًا في وقته، فعليه أن يغتنم ذاك في طاعة ربه؛ كما قال تعالى لرسوله: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 7، 8]؛ قال ابن كثير: "أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إلى العبادة".
أيها المؤمنون: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أقدام الخلائق يوم القيامة لن تزول إلى الجنة أو إلى النار، حتى يُسألوا عن أربعة أمور هامة؛ ومنها سؤال عن أوقات أعمارهم فيما قضَوها، وعن أوقات شبابهم فيما بلوها؛ روى الإمام الترمذي في سننه، بسندٍ قال عنه: حسن صحيح، ووافقه الألباني، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟))؛ قال المباركفوري: "هذا الحديث يدل على أن الإنسان سيُسأل عن كل شيء في يوم القيامة، ويجب عليه أن يُعد لكل سؤال جوابًا".
أيها المؤمنون: اغتنموا أوقاتكم وأعماركم فيما يقربكم من ربكم؛ تنالوا خيرَي الدنيا والآخرة، وإياكم والتفريط في وقتكم؛ فتندموا عليه في وقت لا ينفع فيه الندم.
أسأل الله أن يوقفنا وإياكم لاغتنام ما بقيَ من أوقاتنا وأعمارنا في طاعته؛ إنه أرحم الراحمين.
هذا، وصلوا وسلموا - رعاكم الله - على محمد بن عبدالله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشرًا))، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين.
اللهم بارك لمن حضر معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حلَّ أو ارتحل، اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعَفاف والغِنى، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.