اكتشاف العبقرية لدى الأطفال وتنميتها والمحافظة عليها كانت ملامحه غارقةً في تركيزٍ غريب، تفكيك دقيق لمروحة كهربائية قديمة، لا تتجاوز شفراتها حجم كفَّيه الصغيرتين. لم يكن يبحث عن
كانت ملامحه غارقةً في تركيزٍ غريب، تفكيك دقيق لمروحة كهربائية قديمة، لا تتجاوز شفراتها حجم كفَّيه الصغيرتين. لم يكن يبحث عن شيء معيَّن، لكنه حين سُئل:
ماذا تفعل يا بني؟
أجاب بنبرة مَن يرى ما لا نراه:
أريد أن أَفهَم كيف تتنفَّس هذه المروحة.
ضحِك الجميع، وظنُّوا أن الطفل يعبث، لكنه لم يكن كذلك، لقد كان طفلًا عبقريًّا يبحث عن مبدأ التشغيل، لا عن شكل الغطاء.
مثل هذا الطفل لا يحتاج إلى تصفيق عابر، بل إلى مَن يقرأ إشارات عبقريته، قبل أن يَدفنها هو بنفسه تحت رُكام من التوبيخ وسوء الفَهم.
في هذا المقال نحاول أن نقترب من مفهوم العبقرية لدى الأطفال، ونَرسم خريطة عملية لاكتشافها، وتنميتها وحمايتها.
شرارة لم يفهمها أحدٌ:
هل سبق لك أن نظرت إلى طفل يتمتَّع بفضولٍ لا يَنضُب، يطرح أسئلة أعمق من عمره، أو يبتكر حلولًا لا تخطر على بال، وتساءلت: هل هذا الطفل عبقري؟
غالبًا ما ترتبط كلمة "عبقرية" في أذهاننا بصورة نمطية لشخصيات غريبة الأطوار، أو حتى مضطربة نفسيًّا، لكن ماذا لو كانت العبقرية في جوهرها بذرةً كامنة من الإمكانات الهائلة التي تحتاج فقط إلى التربة الصالحة لتنمو؟!
في هذا المقال نقترب من هذه البذرة النادرة، ونحاول أن نتعلَّم كيف نكتشفها ونُنميها، ونحميها من العوامل التي قد تُطفئ نورَها في مهدها.
أولًا: تصحيح الفكرة الخاطئة عن العبقرية:
من الأفكار الشائعة أن العبقرية قريبة من الجنون، أو أن الطفل العبقري أكثر عُرضة للاضطرابات النفسية من غيره.
يُصحِّح الدكتور يوسف ميخائيل أسعد هذا التصور بقوله في كتابه "العبقرية والجنون" (ص 10):
"العبقرية ليست جنونًا في حد ذاتها، وإنما المسألة ببساطة تتلخص في أن الطفل الموهوب شأنه شأن أي طفل آخر، معرَّض للإصابة بالأمراض النفسية والعقلية إذا ما أُحيط بالجو الاجتماعي الذي لا يُماشي اهتماماته."
وبالتالي فليست العبقرية هي الخطر، بل البيئة غير المناسبة لها.
ثانيًا: العلامات المبكرة التي تميز الطفل العبقري:
العبقرية لا تُقاس فقط باختبارات الذكاء، بل تتجلَّى في سمات عقلية وسلوكية مبكرة؛ منها:
1- الفضول المعرفي العميق:
العبقري لا يسأل عن الأشياء فقط، بل عن أسبابها، هو مهتم بجوهر المسألة لا بمظهرها؛ كما يذكر المؤلف (ص 24):
"العبقري لا يُلقي بالًا إلى تفاصيل الأشياء، بل إلى أصولها، فهو يتجه دومًا إلى ما وراء الظاهرة".
2- القدرة على إدراك العلاقات المركبة:
يلاحظ الطفل العبقري العلاقات بين الظواهر التي لا يربط بينها أحدٌ، يقول المؤلف (ص 19):
"العبقرية هي القدرة على إدراك العلاقات بين الأشياء، أو إدراك العلاقات بين العلاقات".
3- السعي نحو الأصالة:
يرفُض العبقري التقليد الأعمى، ويسعى إلى التميز، حتى في طريقة حله للمسائل؛ كما يقول (ص 45):
"العبقري يحب أن يشق طريقًا جديدًا لم يسبقه إليه أحدٌ".
4- الحساسية الانفعالية المفرطة:
يتأثر بسرعة، ويتفاعل بحِدَّة، لكنه في المقابل قادرٌ على تعاطف عميق، وفَهْم دقيقٍ لمشاعر الآخرين.
"الحساسية عند العبقري أداة إدراك، لكنها سيف ذو حدين"، (ص 51).
ثالثًا: كيف نرعى العبقرية؟
1- تخصيب المناهج لا فرضها:
العبقري يَمَلُّ من التَّكرار والسطحية، ويحتاج إلى بيئة معرفية ثرية تسمح له بالتوسع والتعمق.
"إذا لم يُراعَ تخصيبُ المناهج، فإن الطفل الموهوب سَرعان ما يتبرم بالمدرسة" (ص 62).
2- تشجيع التفكير التجديدي:
لا يكفي أن يَحفَظ الطفل المعلومات، بل يجب تشجيعُه على نقدها، وإعادة تركيبها، فالعبقرية تنمو بالحوار والجدل المعرفي.
"العبقري لا يكتفي بما توصَّل إليه غيره، بل هو دائمُ القلق الفكري، مستمر في عملية ديالكتيكية"، (ص 73).
3- منحه وقتًا غير مقيد:
العبقري يحتاج إلى فترات من التأمل الذاتي واللعب الفكري الحر، فهي لحظات تَخمُّر فكري، لا تُقاس بزمن الحصة أو الواجب.
"وقت الفراغ لدى العبقري ليس وقت بطالة، بل وقت إخصاب داخلي"، (ص 84).
رابعًا: كيف نحمي العبقرية من التراجع أو الانطفاء؟
1- الرعاية النفسية المستمرة:
العبقري ليس محصنًا من التوتر أو القلق، بل هو أكثر عُرضة لها بسبب وعيه الحاد.
يحتاج إلى مرافقة نفسية دقيقة تراعي شعورَه بالتفرد والانفصال أحيانًا عن أقرانه.
2- بناء جسور التكيف الاجتماعي:
"العبقري ليس مطالبًا بأن يكون نسخة مكرَّرة من الآخرين، لكن لا بد له من أدوات للتواصل مع محيطه دون أن يَفقد فرديَّته"، (ص 90).
3- تناغُم الأسرة والمدرسة:
الطفل الذي يشعر أن مدرسته تُكبِّل رُوحه، بينما أسرته تُفسح له المجال، يعيش بين تناقضين، ويكمُن الحل في التواصل المستمر، وتوحيد فَهْم الطرفين لطبيعته الخاصة.
ختامًا:
إن رعاية العبقرية في الطفولة ليست ترفًا، بل واجب تربوي وأمانة شرعية، فقد قال الدكتور يوسف ميخائيل أسعد: "العباقرة هم صنَّاع الحضارة، وهم في الوقت ذاته أكثر الفئات تعرضًا للضياع إن لم يجدوا مَن يحتويهم"، (ص 7).
وصدق من قال:
"العبقري طفل بَقِيَ حيًّا في نفسه، ولم يَخُن براءته ولا فضولَه."
فلنَرْعَ هذا الطفل قبل أن يَنطفئ؛ لأنه إذا أُهْمِل فلن يُعوَّض.