الخطبة الثانية الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فعباد الله، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خير الزاد؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].
سبق أن ذكرنا أن الجريمة عالَجها الإسلام من خلال مرحلتين: المرحلة الأولى: التدابير الوقائية التي يقوم بها المجتمع كله، للحيلولة دون أن يقع الفرد أو المجتمع في الجريمة، وبقي أن نبيِّن المرحلة الثانية لذلك، وهي التدابير العلاجية، وهي التي تكون بعد وقوع الجريمة، فإذا لم يرتدع المجرم بالوعظ والإرشاد والتربية والنصيحة، ووقع في الجريمة، فإنه لا بد من علاجه بالعلاج الشرعي الذي جاء به القرآن والسنة، وطُبِّق في المجتمعات الأولى، فذهبت الجريمة إلى غير رجعة، وهذا الأمر يختص بالدول والحكومات بمساعدة المجتمع، وهو إقامة الحدود والقصاص والتعزيرات للقضاء على المجرمين.
وقد شرع الله سبحانه وتعالى العقوبات؛ لأن بعض الناس لا ينتهي عن الحرام بالوعظ والإرشاد، ولذا قيل: إن الله يزَع بالسلطان ما لا يزَع بالقرآن، فبعض الناس لا ينتهي إلا إذا أُدِّب، أو شعر أنه سيُؤدَّب لو خالف بإقامة الحدود أو القصاص، أو التعزيرات عليه.
فشرَع الله حدَّ الزنا للبكر رجلًا أو امرأة، وهو مائة جلدة، فإن كان مُحصنًا - أي متزوجًا أو سبق له الزواج الصحيح - فإنه يُرجَم بالحجارة حتى الموت؛ رجلًا كان أو امرأة.
وشرَع الله حد الرِّدة للمرتد الذي ترك دينه، وخرج عن الإسلام إلى الكفر، فإنه تقام عليه الحجة، ويُستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قُتِلَ حدًّا، وشرَع الله حد القذف، فمن قذف الناس بدون حجة ولا برهان، فإنه يُجلَد ثمانين جلدة.
وشرَع الله حدَّ السرقة وهو قطع اليد، فمن يسرق النصاب بشروطه المعروفة، فإنه تُقطع يده اليمنى، فإن عاد مرة ثانية، قُطعت يده اليسرى، وإن عاد الثالثة قطعت رجله اليُمنى، وإن عاد الرابعة قطعت رجله اليسرى، وشرع كذلك حد شارب الخمر، فإنه يُجلد ثمانين جلدة.
وشرَع حد الحرابة في حق الذي يُخيف الطريق، ويأخذ الأموال ويقتل الأنفس، فإنه يُقتل ويُصلب وتُقطَّع يداه ورجلاه من خلاف، وشرَع في حق المروِّجين للمخدرات والمسكرات أن يُقتلوا كذلك تعزيرًا لهم على فعلهم.
ومن وقع في فاحشة اللواط، فإنه يبحث عن أكبر عمارة في المدينة، ويُوضع في كيس، ثم يُرمى من أعلى هذه العمارة إلى أسفلها، حتى يموت بهذه الطريقة، قياسًا على هلاك قوم لوط الذين رفع جبريل قراهم حتى عنان السماء، ثم قلب عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، وهكذا، فكل هؤلاء قد أصبحوا أعضاء فاسدين في المجتمع، يجب أن تقام عليهم الحدود؛ حتى لا ينتشر شرُّهم، ولا يعمَّ فسادُهم المجتمعَ.
أما القصاص، فهو قتلُ القاتل عمدًا جزاءَ قتْله نفسًا معصومة، وبإقامته تكون حياة باقي الناس؛ كما قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ [البقرة: 179].
أما التعزيرات، فهو حكم أعطى الله فيه الإذن للحاكم المسلم الثقة؛ ليختار عقوبةً مناسبة تردع المجرم، لم ترد في الحدود والقصاص، فقد تكون جلدًا، أو سجنًا، أو غرامة، ومن الممكن أن تصل إلى القتل تحت قاعدة التعزيرات التي تَمنع تَكرارَ الجريمة.
أيها المؤمنون، عباد الله، هذه الأحكام الشرعية لا يُقيمها الفرد، ولا يستطيع أن يفعلها أي إنسان إلا الدول والحكومات، والمتمثلة الآن في الشرطة والنيابات، والمحاكم الشرعية.
فإذا وُجِدَ الناس الصالحون الأوفياء الأُمناء على أخلاق الناس وأعراضهم وأموالهم في هذه الأماكن، وسعوا في تطبيقها كما أمر الله، فإن الجريمة ستنتهي بأقل تكلفة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير إلى أهمية إقامة الحدود: ((حدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ لأهله من أن يُمطروا أربعين صباحًا))، لماذا؟ لأن الحدود توقِف الجرائم، وتوقِف الفساد، فكل مَن لَم يرتدع بالموعظة والنصيحة والتربية، سيرتدع إذا رأى السيف فوق رأسه، أو رأى السوط على ظهره، أو رأى صديقه السارق قد قُطِعت يده، أما أن يُترك الناس بدون إقامة للحدود، أو يتحول بعض المتنفذين والعقلاء الذين يُناط بهم إقامة الحدود إلى أن يكونوا شفعاءَ أو معارضين لإقامة الحدود، فهذه واللهِ من المصائب التي أُصيب بها كثيرٌ من المجتمعات، فالأصل فيهم والواجب عليهم أن يُقيموا الحدود؛ لأن الله أعطاهم هذه السلطة ومكَّنهم منها، وسيَسألهم عنها حين يقفون بين يدي الله سبحانه وتعالى، فإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزي وندامة.
وقد وقعت حادثة سرقة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن امرأة من بني مخزوم، وكانت معروفة ولها مكانتها عند العرب، سرقت، فقام بعض أهلها يبحثون عن حلٍّ؛ ليُبعدوا عن أنفسهم هذه الوصمة، فطلبوا من أسامة بن زيد وهو حِبُّ رسول الله، وابنُ حِبِّه أن يشفَع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فلما جاء إليه قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟))، حتى خاف وارتَجف، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا في الناس، وقال: ((أيها الناس، إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرَق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف ترَكوه، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرَقت لقطَعت يدها)).
فهذا هو شعار العدل والمساواة في إقامة الحدود على كل الناس؛ سواء كانوا شرفاءَ أو وُضعاءَ، أغنياءَ أو فقراءَ، أما أن تُقام الحدود على الضعفاء والمساكين الذين لا يجدون أموالًا للمحامين، أو رِشوة للقضاة حتى يصلوا إلى مرادهم، أما الكُبراء والأغنياء والشرفاء، فهؤلاء يلعبون بالقضية هنا وهناك، وربما يخرجون أبرياءَ، وربما يرجع الحكم على المظلوم المسكين الذي ليس معه أحدٌ، فهذا بداية الهلاك للمجتمعات والفساد للأمم: ((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا فيه الحد))، وليس المقصود السرقة فحسب، وإنما المقصود الحدود كلها، يُقتَلُ الضعيفُ، يُسجَن الضعيفُ، يُجلَد الضعيفُ، وهكذا؛ أما الكبراء والأغنياء، فهؤلاء أمورهم مقضية، وقضاياهم لا تقف في المحاكم كثيرًا، وربما لا تصل إلى المحكمة؛ لأن صاحبها فلان الكبير الذي لا يستطيع أحدٌ أن يحاكمه.
أيها المؤمنون، عباد الله، إننا بحاجة ماسَّة إلى إقامة الحدود حتى تنتهي الجرائم، ولو استمعتم أحاديث من يمارس التحقيق في النيابات، أو في أقسام الشرطة، أو في البحث الجنائي في مدينة من المدن، لرأيتُم عجبًا، فلا يَغرنَّكم أن يوجد في المساجد المصلون والصالحون، ويوجد في المجتمع الطيبون، لا يغرنَّكم هذا، بل ألْقُوا نظرة على السجون، وانظروا ما فيها، وفتِّشوا عن القضايا في المحاكم والبحث الجنائي وغيرها، ستجدون عجبًا، بل لقد وُجِدت هذه الأيام بعض الجرائم التي كنا لا نسمع بها في هذا البلد من قبلُ؛ مثل: الانتحار والمخدرات التي يتم توزيعها في المدارس والأسواق بأرخص الأسعار، حتى يدمن الناس عليها، ثم بعد ذلك ننتظر منهم الجرائم.
وهناك جرائمُ ربما تستغربون منها، كيف وُجدت في مجتمعنا، وهي زنا المحارم؛ نعوذ بالله أن تصل بعض شهوات بعض الناس إلى أن تكون أقبح من الكلاب والخنازير، أن يزني بأخته أو بأمه، أو بقريبته داخل بيته! إنها والله جرائم تَشيب لها الرؤوس، كيف وقعت في مجتمع من مجتمعات المسلمين، وما ذلك والله إلا بسبب عدم إقامة الحدود، ولو أُقيمت الحدود لارتعب المجرمون، وتركوا هذه الأعمال السيئة التي يذوق مرارتها الصالحون، ونرى ثمارها السيئة في الوقع من الغلاء والفتن والتفرق، واختلال السكينة، وذَهاب كثير من الهدوء والأمن في كثير من المناطق والمدن والمجتمعات.
أيها المؤمنون، ومع ذلك فإن الإسلام من منهجه العظيم لمن وقَع في جريمة أو ذنب أو معصيةٍ - أن فتح له باب التوبة والاستغفار والصلاح، حتى لو قتَل، حتى لو شرِب الخمر، حتى لو زنى، فقط يعود إلى الله تائبًا صادقًا، فإن الله قد فتَح له بابَ التوبة؛ كما في الحديث: ((إن الله يَبسط يدَه بالنهار ليتوب مُسيءُ الليل، ويبسط يدَه بالليل ليتوب مُسيءُ النهار)).
كما أننا نحتاج أيضًا إلى جوار إقامة الحدود، وتذكير الناس بالتوبة والعودة إلى الله، وعدم تقنيطهم من رحمة الله، نحتاج أيضًا إلى برامج إصلاحية للسجون التي يوجد فيها هؤلاء المجرمون؛ حتى تُعيد لهم الحياة والصلاح إلى أنفسهم، وتدمجهم في المجتمع.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفِّق الجميع لما يحب ويرضى، وأن يطهِّر المجتمع من الإجرام والمجرمين، وأن يجعلنا وإياكم ممن يأمُرون بالمعروف وينهون عن المنكر.