الخطبة الثانية عباد الله، إن لِتذكُّرِ النعم التي أسبغها الله علينا فوائدَ تربويةً جليلة وعظيمة في حياة المؤمن؛ نذكر منها ما يلي: أولًا: غرس محبة الله عز وجل في القلوب:
عباد الله، إن لِتذكُّرِ النعم التي أسبغها الله علينا فوائدَ تربويةً جليلة وعظيمة في حياة المؤمن؛ نذكر منها ما يلي:
أولًا: غرس محبة الله عز وجل في القلوب:
إن محبة الله تعالى هي أساس الإيمان، وروح السعادة في الدنيا والآخرة، وتنشأ هذه المحبة على أكمل وجه من التأمل والتفكر في إحسان الله وعظيم إنعامه علينا، سواء كانت هذه النعم ظاهرة أو باطنة، فكلما استذكر العبد النِّعمَ، ازداد تعظيمًا لخالقه.
وقد قال بعض أهل العلم:"ذِكْرُ النعمة يورِث الحب لله".
ثانيًا: التواضع والانكسار والشعور بالتقصير أمام فضل الله:
إن حال الصالحين، حين يمُنُّ الله عليهم بالنعم الجليلة، هو إرجاع الفضل كله إلى واهبه ومُوليه سبحانه، فيزدادون بذلك انكسارًا وتواضعًا، كما تجلَّى ذلك في قول نبي الله سليمان عليه السلام، عندما رأى عرش بلقيس أمامه بلمح البصر: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]، وقول ذي القرنين بعد إتمام السد العظيم: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
في المقابل، نجد أن أهل التجبُّر والعلو تَزيدهم النعم بطَرًا وغفلة، حتى إنهم قد ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: 83]؛ أي: يعرفون مصدرها بقلوبهم، ولكنهم يجحدونها بأفعالهم، وقد ذمَّ الله تعالى مَن نسب النعم إلى جهده وقوته وعلمه، ولم ينسبها لفضل الله؛ كما حكى عن قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78].
وليعلم العبد يقينًا أنه لو اجتهد في الطاعة بعدد أنفاس الخلائق وما خلق الله، فإنه لن يُوفي الله شكرَ نعمةٍ واحدة.
ثالثًا: تحقيق عبادة الشكر لله عز وجل:
الشكر هو ثمرة هذا التذكر، وهو ظهور أثر نعمة الله على العبد في جوانبه الثلاثة:
الشكر بالقلب: يكون باستشعار قيمة النعمة، والإقرار بأنها خالصة من فضل الله وحده؛ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
الشكر باللسان: يكون بذِكر النعم وتعدادها وإظهارها، واشتغال اللسان بالثناء على الله تعالى؛ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
الشكر بالجوارح: يكون بأن تُستخدم النِّعم في طاعة الله عز وجل، وأن يحذَر العبد من استعمالها في شيءٍ من معاصيه.
لقد أمر الله تعالى بالشكر، ووصف به خواصَّ خلقه، وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا لنعمته، وقد بيَّن سبحانه أن الشكر عملٌ شاملٌ؛ حين قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، ولم يقل اشكروا، لينبِّه إلى أن الشكر عملٌ يظهر في كل الجوارح؛ ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتورَّم قدماه، وحين سألته عائشة عن ذلك قال: ((أفلا أُحِبُّ أن أكون عبدًا شكورًا؟))؛ [متفق عليه].
رابعًا: ترسيخ أصول العقيدة (التوحيد والبعث):
إن النِّعم الشاملة والخاصة هي من أقوى الأدلة والبراهين على وحدانية الله وقدرته، وعظيم رحمته وجوده؛ ولهذا سُميت سورة النحل بسورة النعم لكثرة ما عدَّد الله فيها من فضله، وكثيرًا ما ختم الله آيات النعم فيها بعبارات تدعو إلى اليقين؛ كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 52]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]، وهكذا، وذلك ليحُثَّ عباده على النظر إلى النعم بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال؛ لتظلَّ القلوب موصولةً بالله تعالى في كل حين.